وأما محراب داود ﵇ خارج المسجد الأقصى؛ فإنه في حصن عند باب المدينة منيع، وموضع عال رفيع. وهو الحصن الذي يقيم به الوالي، فاعتنى السلطان بأحواله الحوالي. ورتب له إماما، ومؤذنين وقواما. وهو مثابة الصالحين. ومزار الغادين والرائحين. فأحياه وجدده، ونهج لقاصديه جدده. وأمر بعمارة جميع المساجد، وصون المشاهد، وإنجاح المقاصد؛ وإصفاء الموارد، للقاصد والوارد. وكان. موضع هذه القلعة دار داود وسليمان ﵉، وكان ينتابهما فيها الأنام.
وكان الملك العادل نازلا في كنيسة صهيون، وأجناده على بابها مخيمون.
[ ٨١ ]
وفاوض السلطان جلساؤه من العلماء الأبرار والأتقياء الأخيار؛ في مدرسة للفقهاء الشافعية، ورباط للصلحاء الصوفية. فعين للمدرسة الكنيسة المعروفة بصند حنة - عند باب أسباط. وعين دار البطرك وهي بقرب كنيسة قمامة - للرباط. ووقف عليهما وقوفا، وأسدى بذلك إلى الطائفتين معروفا. وارتاد أيضا مدارس للطوائف،
ليضيفها إلى ما أولاه من العوارف.
وأمر بإغلاق أبواب كنيسة قمامة، وحرم على النصارى زيارتها ولا الإلمامة. وتفاوض الناس عنده فيها، فمنهم من أشار بهدم مبانيها. وتعفية آثارها، وتعمية نهج مزارها. وإزالة تماثيلها، وإزاحة أباطيلها، وإطفاء قناديلها، وإعفاء أناجيلها، وإذهاب تساويلها، وإكذاب أقاويلها.
وقالوا إذا هدمت مبانيها؛ وألحقت بأسفلها أعاليها؛ ونبشت المقبرة وعفيت؛ واخمدت نيرانها وأطفيت؛ ومحيت رسومها ونفيت؛ وحرثت ارضها؛ ودمر طولها وعرضها؛ انقطعت عنها إمداد الزوار، وانحسمت عن قصدها مواد أطماع أهل النار. ومهما استمرت العمارة؛ استمرت الزيارة.
وقال أكثر الناس لا فائدة في هدمها ولا هدها، ولا يؤذن بصد أبواب الزيارة عن الكفرة وسدها. فإن متعبدهم موضع الصليب والقبر لا ما يشاهد من البناء، ولا ينقطع عنها قصد أجناس النصرانية ولو نسفت أرضها في السماء؛ ولما فتح أمير المؤمنين عمر - ﵁ - القدس في صدر الإسلام أقرهم على هذا المكان، ولم يأمرهم بهدم البنيان.