وصل الخبر يوم الأربعاء ثامن رجب؛ أن العدو قد ركب. وأجلب بخيله ورجله، وطار بجراد جرده. ودب دباه في رجله. وسرحت ذئابه، ونبحت كلابه. وجاش عرام جيشه العرموم، وطاش إلى أهل الجنة بأهل جهنم. ونوى القرب من النواقير، وأضرم بنار السعير مساعي المساعير وهو على قصد عكاء يجري إلى
المدى برأي جمعه المدامير. وأن نفرا منهم نفر، وسبق إلى النواقير وعبر. ونزل باسكندرونة، واستباح طرقها المصونة. وهناك من المؤمنين رجال يحمون طرف الثغر، وسضمون نشر الأمر. ويصمون نحر الكفر، ويجبون غارب الشر، ويجوبون جانب البحر. ويطوفون للحراسة، ويطولون بالحماسة.
فلما رأوا مقدمة الفرنج واقعوها ودافعوها، وعاقروها وقارعوها. وأهلكوا عدة، وملكوا عدة. ولما تكاثرت أعداد الأعداء؛ استظهروا بالانكفاء عن الأكفاء. وتراجعوا بعد ما راجعوا. واطلع السلطان على خبرهم، وعرف نفورهم. فكتب إلى العساكر الدانية بالدنو، للعدو. فتوافدوا للميعاد، وتوافوا للاعتضاد، وتوافروا للجهاد، وتوافقوا في إدناء المراد بإبعاد المراد.
ورحل الفرنج ثاني عشر رجب يوم الأحد، وافية المدد وافرة العدد. ونزلت على عين بصة، ولقد شاهد دركات جهنم من شاهد تلك الرحاب المغتضة. ووصل أوائلهم إلى الزيب، وأجابوا داعية الصليب.
فأصبح السلطان يوم الاثنين على الرحيل، ووصل العنق بالذميل،
[ ١٦٠ ]
وكان الثقل قد سار من الليل وجرى على طريق الملاحة في الأودية جرى السيل. وسرنا على جب يوسف إلى المنية، آخذين بالحزم تاركين للونية. وجئنا بمصر يوم الثلاثاء والسلطان نازل بأرض كفر كنا؛ وبتنا بها تلك الليلة وسكنا. ثم أصبح يوم الأربعاء خامس عشر الشهر ونزل على جبل الخروبة، واطلع منها على الأسرار المحجوبة. وأشرف على العدو النازل، ودنا حزب الحق من حزب الباطل.
وكان عدة من الأمراء ساروا على طريق هونين، للفرنج مقابلين مقاتلين. فوصلوا في هذا اليوم، وقد نالوا في طريقهم من القوم. ونزلنا في أرض صفورية بالأثقال، وتجرد الرجال منها إلى المخيم السلطاني للقتال.
وكان من رأى السلطان عند رحيل الفرنج على قصد عكا؛ ولم يزل رأيه بنور
فطنته وطيب فطرته أذكى وأزكى؛ أن يسايرهم في الطريق، ويواقعهم عند المضيق. ويقطعهم عن الوصول، ويدفعهم عن النزول. فإنهم إذا نزلوا صعب نزالهم، وأتعب قتالهم. وإذا نبتوا تعذر حصدهم، وإذا ثبتوا تعسر قصدهم. وإذا لصقوا ببطن الأرض صاروا كالقراد، وإذا حلقوا في جوالدو طاروا كالجراد. فعند الانتشار يمكن التقاطهم، وعند الانحصار يتمكن احتياطهم. فقالوا له: بل نستقيم على السنن القويم، ونطلبهم طلب الغريم. وما أهون قطعهم إذا وصلنا، وأعجل أدبارهم إذا أقبلنا. والطريق قبالتهم وعر، وللمقصر عن التطاول فيه عذر. فنمضي على اسهل الطرق، ونسد قلثهم بالفيلق.
وتبين لنل بالعاقبة أن الرأي السلطاني كان أصوب، فإن نزالهم عند نزولهم صار أصعب. ونزل الفرنج على عكاء من البحر إلى البحر، محتاطين بالانحصار محيطين بها للحصر. وضرب الملك العتيق (كي) خيمته على تل المصلبة، وربطت مراكبهم بشاطئ البحر فكانت كالآجام المؤتشبة.
وبعث السلطان ليلة وصوله إلى مدينة عكاء بعثا دخلها على غرة من العدو، وتواصلت البعوث إليها التي هي على التزايد والنمو. حتى استظهرت بغوتها، وقويت باستظهارها. فلما اجتمعت العساكر واتصلت الأوائل بالأواخر؛ عبي جيشه طلبا طلبا، وميمنة وميسرة وجناحا وقلبا. وسار بهيئته وهيبته، وانزل العسكر على تعبيته. ونزل بمرج عكاء على تل كيسان في ذوي اختصاصه، وقد نصب من خيامه عليه اشراك اقناصه. وامتدت الميمنة إلى تل العياضية والميسرة إلى نهر الماء العذب.
فدارت رحى الحرب، ودام كر الكرب، وطاب طعم الطعن والضرب، وطافت كأس البأس بمدام الدم على الشرب، ووافى للانجاد عسكر الشرق ماضي الغرب. وصرنا محاصرين للمحاصرين، مكابرين للمكابرين. قد أحطنا بالعدو وهو بالبلد
محيط، واستشطنا منه وهو مستشيط. وأحدقنا بأولئك الكفرة إحاطة النار بأهلها، ومنعنا الطرق من ورائهم في وعرها وسهلها. ورتبنا بالزيب والنواقير رجالا
[ ١٦١ ]
يصدونهم عن سبلها. ودمنا نصابحهم بالقتال ونماسيهم، ونراوحهم ونغاديهم، ونعاودهم ونباديهم ونقدم، بعوادينا على عواديهم، ونصدهم ونصدمهم، ويوجدهم البحر ونعدمهم.
وما زالت مراكبهم تتواصل، ومناكبهم تتطاول. وأهل الجزائر من أهل الجزائر متوافرون متوافدون، كترادفون مترافدون. قد لفعوا وجه البحر بنقب السفن، وجذبوا بالقلوس على ثبجة عران الرعن. وألقوا على تياره بسط البطس، وحملوا على البحر أوزارا النجس. وتبا لهم وتعسا. فإنهم زادوا على رجسهم رجسا.
وبقى القتال بينهم وبين اليزكية؛ كل بكرة إلى العشية؛ إلى أن وصل الملك المظفر تقي الدين عمر ومظفر الدين كوكبوري - الأسد الغضنفر. فاستظهرنا بهما وبعسكرهما الدهم، ووصل مقدمو الرجال في الجمع الجم. واستدارت الفرنج بعكاء كالدائرة بالمركز، وزادوا من جانبنا في التحرس والتحرز. ومنعوا من الدخول والخروج؛ ولج أولئك العلوج في ضبط طريق الولوج. وذلك في يوم الأربعاء والخميس آخر رجب لانسلاخه، والإسلام ينادينا باستصراخه.
وأصبح السلطان يوم الجمعة مستهل شعبان وقد استهلت راياته، واستقلت آياته. وعز عزمه وعلا حكمه. وما منا إلا من أسرج الجرد وجرد السريجيات، وعاج بالاعوجيات، وأشرف بالمشرفيات، وبرز باعتقال الردينيات، ورديان العقيلبات، وأذكى المذاكي وقرب المقربات. وقد سن سنان لدنه، وجن جنان قرنه. وساف سيفه ردع الدم، وضاف جوده مضيف العدم.
وأقبلنا والنصر مقبل، والظفر متهلل. والميمنة والميسرة باليمن واليسر ممتدتان، والقلب له من التأييد والتمكين جناحان. واتفقت الآراء؛ وأجمع الأمراء على أن
يكون اللقاء وقت صلاة الجمعة، عند قبول الدعوات المرتفعة. ومناب منابر الإسلام عن أهله في جميع بلاده، وإجماع الألسنة والقلوب في الضراعة إلى الله في نصرة المجاهدين من عباده. وأحاط العسكر الإسلامي بجوانبهم. وكدر عليهم صفو مشاربهم، وفلل مضاء مضاربهم. وهم في وضعهم واقفون، وعلى مصارعهم عاكفون، وفي مواطنهم ثابتون. وعلى مواطئهم نابتون كالبنيان المرصوص ما فيه خلل، وكالحلقة المفرغة ما إليها مدخل. وكالسور المحيط ما عليه متسلق، وكالجبل الأشم ما فيه متعلق. فزحفنا إليهم فلم يبرحوا، وقربنا منهم فلم ينزحوا. وحملنا عليهم فأخذوا الضربة ولم يعطوها، وأنخنا لهم مطايا المنايا فهان عليهم أن يمتطوها. ودامت الحرب قائمة، وديمة الدم دائمة. وكلما قتل واحد وقف آخر مقامه، وخلف نظامه. حتى دخل الليل وحجز، ووعد النصر ما نجز، وحزب الحق ما عجز.
أصبحوا يوم السبت على الحرب كما أمسوا، وزادوا على ما جرى أمس وألهوا عنه وأنسوا. فما طلعت شمس الظهيرة حتى طلعت شمس الظهور، وأصبحت شمس الجمهور، واستضاف نورها مستفيض النور.
وحمل الناس
[ ١٦٢ ]
من جانب البحر شمالي عكاء حملة شديدة، كانت لمن قدامهم من الفرنج مبيدة. وفرشوهم على تلك التلول، وردوا مضاربهم من فلم بها بادية الفلول. وانهزم الفرنج إلى تل المصلبة نحو القبة وثبتوا عند الوثبة. وأخلوا ذلك الجانب، وخلوا تلك المذاهب. وقلعت خيامهم منها، وقطعت أطماعهم عنها. فانفتح لنا طريق عكاء ودخلها الرجال، وحملت اليها الغلال، ونقلت إليها الأحمال. ودخل العسكر إليها وخرج، وانكشف ضيق حصرها وانفرج. وذلك من باب القلعة الوسطى إلى باب قراقوش، واستطرقت إليها العساكر والجيوش.
واطلع السلطان على الفرنج من سورها، وشرع في تدبير أمورها. وخرج عسكر
البلد للمؤازرة على قتال العدو العادي، وترك الهوادة في قصر القصر والهوادي. والفرنج قد رهبوا، ولو قدروا هربوا ولكن أصحابنا رأوا أن انفتاح باب البلد غنيمة، وأنهم أي وقت أرادوا كانت منهم عزيمة، ومن العدو هزيمة. وتوقفوا عن الإتمام، وتقدموا عن مقام الإقدام. ولو أنهم استمروا في الحرب على هيئتهم وهيبتهم؛ لباء الأعداء لنجحنا بخيبتهم. فإن الصدمة الأولى أخافت وحافت؛ ونافت بقاء القوم وعلى هلكها أنافت. لكنا تركناهم حتى عادت إليهم الارماق، وعاود فرقهم الافراق. وأبصروا ما بين أيديهم وما خلفهم وأزالوا فيما بينهم بالموافقة خلفهم. وأثبتوا في مستنقع الموت أرجلهم، ورأوا أن الوقت قد أمهلهم.
وقال أمراؤنا: هؤلاء قد سهل أمرهم، وخمد جمرهم. وقد حص رياشهم حصرهم. وهم في قبضتنا أي وقت اردنا، ولقصدهم تجردنا. وقالوا: نصير إلى الظهر ونمضي ونسقي الخيل ونعود، وحينئذ يشتغل بهم العدم ويفرغ منهم الوجود. فانصرفوا على وعد العود، وتفرقوا في مراتعهم تفرق الذود.
وبلع العدو ريقه، ووجد إلى الجلد طريقه، وجمع يعد التفرق فريقه. وضم عن الانتشار راجله، وزم رامحه ونابله. ووقفوا كالسور من وراء الجنوبات، والتراس والقنطاريات. وقد صوبوا الجروخ وفوقوها، وجمعوا العدد وعلى الرجال فرقوها. كأنهم في الدروع أراقم، وفي المجان علاجم، وفي النهوض قشاعم، وفي الضراوة ضراغم.
واختلفت الآراء مع العلم باحتراسهم، وتسترهم بتراسهم. فمنا من يقول: نصبحهم بالزحف، ونزورهم بالحتف. ويترجل الأمراء فيتبعهم الأصحاب، وتنشب من آسادنا في تلك الخنازير من النشاب والأظفار والأنياب، ويتصل الطعان والضراب. فنسفهم ولو أنهم جبال، ونطفئ نيرانهم فلا يقد لهم من بعدها ذبال.
ومنا من يقول: يدخل راجلنا إلى البلد، مستعدا بالأهب متأهبا بالعدد. فإذا زحفنا
إليهم وأوجفنا عليهم، خرج من في البلد من العسكرية والراجل، ونازلناهم من أمامهم ومن ورائهم بالنوازل. فلا تطرف لهم بعدها عين، ولا يبقى لدين بعد درك الثار منهم دين.
ومنا من يقول: لا بل نفرج عنهم، ونبعد منهم.
[ ١٦٣ ]
فما دمنا على هذه المضايقة والمصابرة؛ والمحاققة والمحاصرة؛ والمكابدة والمكابرة؛ فإنهم يتيقظون وينتبهون، ويتحفظون ولا ينتهون، ويتحرزون ويتحربون، ويتوجلون ويتوجمون. فإذا أرخينا طولهم؛ وأوسعنا أملهم؛ استرسلوا بعد ما استبسلوا، واستقبلوا الدعة بعد ما استقتلوا. واطمأنوا فطمعوا، وإذا أبطأنا تسرعوا. واغتروا بأنا على غرة فأغاروا، وظهرت لهم آثار ركودنا عنهم فظهروا وثاروا، فحينئذ حينهم يحين، وشينهم يشين. وإذا ظهروا ظهرنا عليهم، ومتى أصحروا أصحرنا إليهم. وأن بارزوا بارزناهم، وأنجزنا عدة أمانينا فيهم وناجزناهم.
ومنا من يقول: هؤلاء في عدد النمل، وكثرة الرمل، وظلام الليل، وعرام السيل. فما يقمهم إلا العدد الكثير، ولا يقمعهم إلا الجمع الجم الغفير. والمصلحة أن تستقر العساكر، ونستحضر لإبادتهم البادي والحاضر. ونستجيش الجحافل، ونستثير الفارس والراجل. ونلقاهم بأمثالهم، ونقدم عليهم مستظهرين في قتالهم.
ومنا من يقول: هؤلاء عالم لا يحصى، قد حضروا من الأدنى والأقصى. وأزوادهم عن قريب تفرغ، وآمادهم في الصبر تبلغ. وأمدادهم تنقطع، وأنجادهم تمتنع. وموادهم تقل، وجوادهم تضل. ولمراكبهم في الشتاء شتات، ولحبائلهم وحبالهم انبتات. فإما أن يضطروا إلى الانفصال؛ وإما أن يؤذن فناء أرزاقهم بحلول الآجال، ويهون علينا حربهم في تلك الحال (وكفى الله المؤمنين القتال) فهذا عسكر الإسلام، وجند مصر والشاك. ففي الإقدام به خطر، وفي لمباشرة بحربه غرر. والمصلحة العامة تلحظ، ورأس المال يحفظ.
ومنا من يقول: نستدعى من مصر الاساطيل، ونستدفع بحقها الأباطيل. ونستكثر من مراكبها، ونستعدى على هذه الأفاعي بعقاربها، ونستطيل على الشناة المستطيلة بشوانيها، ونعدو على عوادي الأعادي بعواديهما. وإذا وصلت وقطعت عليهم طرق البحر؛ وصلت لنا أسباب النصر. وحينئذ نقاتلهم برا وبحرا، ونوسعهم بمضايقتهم فيهما قتلا وأسرا.
وما زالت هذه الآراء بيننا متداولة؛ وخواطرنا في تدبيرها متجاولة والحرب بيننا وبين الفرنج جارية، وزناد الهيجاء لإشعال نارها وارية. وفي كل يوم نتصافح بالصفاح، ونتكافأ في الكفاح. وننطق فيهم بكلام الكلوم، ونلحق منهم الوجود بالمعدوم، وللطلائع وقائع، وللوقائع طلائع. وللسهام افواق فائقة، وللحمام أسواق نافقة. وسرايانا في كل يوم وليلة تسرى وتأسر، وتبرى وتأبر. وتكبس وتكسب، وتسبى وتسلب. والسلطان يباشر ذلك كله بنفسه، وهو يدأب في يومه اغده مجتهدا في الزيادة على أمسه. نائبا عن أعوان المسلمين وأنصارهم، ساهرا لهم في ليلهم قائما بأمرهم في نهارهم. والعين الساهرة في سبيل الله قريرة، وتعب يوم واحد لله في اليوم الآخر ذخيرة.
[ ١٦٤ ]