وقد سبقت المكاتبة بشرح الأحوال وذكرها، وشكر ألطاف الله الخفية وإبداء سرها، ونشر مطاوي النعم بإذاعة طيها وإشاعة نشرها، وذكر فيها ما الفرنج عليه من اجتماع راجلها وفارسها، والاحتماء بخنادقها ومتارسها، وان لنا كل يوم فيهم نكاية بالغة، وسطوة دامغة، وثعالب عوامل في دمائهم والغة، ومضارب مناصل لرءوسهم فادغة، ونيوب عواسل لمضغهم ماضغة، وذيول نقم عليهم في تقليص ظلال ضلاله مسابغة، وأيدي أيد لصفحات البيض بنجيعهم القاني صابغة، وضمائر وضوامر عن كل شغل سوى شغل الجهاد فارغة، وهمما وعزائم لا ترى عن وقم القوم أهل الزيغ زائغة.
وما برح الفرنج في برج شديد، وأمر غير سديد، وظل للذل مديد، وضيق حصر في كل يوم جديد جديد. حتى ضاقت أنفسهم وأنفاسهم، وأخفق رجاؤهم وظهر يأسهم، ووقع بينهم بطول المقام بأسهم. فأجمعوا أمرهم على انهم يجدون في اللقاء، ويهيجون إلى الهيجاء. ويلقون الألوف بالالوف، ويصدمون الصفوف، ويعرضون نحورهم ووجوههم على الأسنة والسيوف، ويجمعون في كلام الكلوم من الصواهل والصوارم بين الأصوات والحروف. ويكسفون بشبه التثليث أدلة التوحيد، ويكشفون الضر عنهم بالجد الديد، والحد الحديد.
وبرز ذلك الخميس يوم الأربعاء لعشر بقين من شعبان، ورفعوا الصلبان وأشرعوا الخرصان، وتبعوا الشيطان، ورتبوا الرجال وطلبوا الفرسان. وحملت لهم اطلاب تضم ابطالا، وتضمن بباطلها للحق أبطالا. وتأمل لشملها المتفرق اجتماعا، وترجو للصليب السليب ارتجاعا. وعصفت رياحها الهوج وأقبلت بحار سوابحها
وسوابغها تموج. وكاد أن يثبت للشيطان قدم، ويراق للإيمان دم. فإنها خرقت حجاب الصف، وفرقت شمل الجمع الملتف. وراع جنان الجبان وهمه وهمه، وأدبر موليا وعزمه زعمه. فظن من لا يقين له أن الإسلام قد أسلم، وأن نصر الله الموجود قد عدم، وأن الكفر المتأخر قد تقدم، وأن الصبح المتبلج قد أظلم.
وهناك عرف أهل الثبات وثبت أهل العرفان، ورقصت المران على اشاجع الشعان، والتفت العنان بالعنان، والتقى السنان بالسنان. وخطبت الصوارم على منابر الطلى. ورتعت اللهاذم في كلأ الكلى. وفتحت اليغالق مغالق الحتف، وزحفت الفوارس إلى فوارس الزحف. وعطف العساكر المنصورة طلابا لتلك الاطلاب، ووصلت ضرب الأعناق بقطع الرقاب.
وما زالت تشل الفرنج وتفلهم؛ وتحل بعقدهم الوهن وتحلهم؛ وتروى طمأ الظبا من ورد وريدهم؛ وتخضب شيب البيض بدم طريدهم؛ حتى فرشت بعد
[ ١٧٠ ]
أن سلبت أشلاؤهم بالعراء عريا، وجرحت خيولهم وخيالتهم فلم تستطع إجراء ولم تطق جريا. حتى تثلمت وتلثمت بنجيعهم صفحات الصفاح، ووقفت أشباحهم وقفة الوداع لفراق الأرواح، وأعرب حديث حادثهم عن جمجمة الجماجم الفصاح.
وقتل من مقدميهم ومقدميهم زهاء خمسة آلاف زهى الإسلام بما أتسع من عطن عطبهم، وحسن منقلبه بسوء منقلبهم. وعاش بما شاع من قتلهم، واشتغل العسكر المنصور بشغلهم.
وطاب القلب المهموم بما تم من مأتم الكفر وعرس الدين، وقصم الهدى متن الضلال المتين، وهمت الرواعف الفوارع بحمل هامات الحاملين. وانجلى الغبار عن كل قتيل ما لعاثره من مقيل، ولا لقائله من مقيل. وعادت أعلام الإسلام ظاهرة، وإيمان الإيمان باطشة قاهرة. وهدى الهدى على النصر مزفوفة، وعيون العدا عن النظر بالعمى مكفوفة. ولم ينج ممن حمل من حمل راسه، ولم يقدم من
أولئك الرجال إلا من فقد رجاءه ووجد ياسه.
وعاد الفرنج إلى خيامهم وقد فجعوا بتلك الألوف، وأصيبوا بمن صفا في تلك الصفوف، وتراءت وجوه الفتوح لنا من خلال تلك الحتوف. ودخل الليل عليهم، ووقفت العساكر حواليهم. وهم وأن وهنوا لما أصابهم من الكسرة؛ وأخطأهم من النصرة؛ وحل فيهم من الرزء؛ وسخر بهم الشيطان في موقف الهزء؛ وفجع كلهم بالجزء؛ ونقص منهم العدد الكثير؛ وركد من ريحهم ذلك العاصف المبير؛ فإنهم في حشد كالدبى، وجمع أغص الوهاد والربا، وقد اخلدوا إلى الأرض وشدوا على حب الموت الحبا، وودوا لو وجدوا مهربا، وتفرقوا أيدي سبا. وقد عادوا وتحصنوا وتصبروا، وتخيروا المقام على الحين حين تحيروا. وأوسعوا الخنادق وعمقوها، وأحكموا المتارس ووثقوها. وندموا على الحركة، فإنها أفضت بهم إلى الهلكة. وأنهم ما داموا رابضين؛ وعلى يد الصبر قابضتين؛ يتعذر الوصول اليهم، والدخول عليهم، وتطول أيام الإحاطة بهم من حواليهم.
وفي تلك الحركة التي حلا بها لشجعان طعم الطعن، وغلب فيها للجبناء وهم الوهن؛ وتجافى عن الثبات من محبي الدنيا جنب الجبن، ارتاع عسكر الشرق من ذلك الغرب، واختار المتسللون المتفللون منهم البعد على القرب. وما ثبت إلا عسكر سنجار، فكله محرب مجرب للأمور، سديد ساد للثغور. ومجاهد الدين يرنقش قد صدق نعته بالمجاهدة للدين، وجلا ظلمة الوهم بنور اليقين. وقرت عين (طمان) بالجنة باقدام الولد، وماذا يقال في شبل ذلك الأسد. وإنما الغرباء هابوا، وكانوا قد ضجروا من الحضور فغابوا. والفرنج الآن في ذل وخسر، وفي عسر بغير يسر، وفي حصر بغير حصر. والمرجو من الله سبحانه أن يقدر على قطع دابرهم، وإهلاك سائرهم عن آخرهم، وتحريك همم المؤمنين في تسكين سائرهم، وتخريب عمرهم وعامرهم، وإنزال دوائر
[ ١٧١ ]
السوء بمنازل دوائرهم.
وما دام البحر يمدهم والبر لا يصدهم؛ فبلاء البلاد بهم دائم، ومرض القلوب بأدوائهم وأسوائهم ملازم. وتدبيرنا الآن في التدمير على هذه الجموع، وسوقهم إلى مصارعهم في ورطة الوقوع. فأين حمية المسلمين، ونخوة أهل الدين، وغيرة أهل اليقين؟. . وما ينقضي عجبنا من تضافر المشرك على شركه، وتظاهرة في اتساع مسلكه واتساق سلكه. وقعود المسلمين عن المسلمين وتقاعدهم وتعاضلهم في تعاضدهم، وانحلال عقود تعاقدهم. فلا ملبي فيهم لمناد، ولا مثقف لمناد، ولا موري منهم في إجابة داع لزناد.
فانظروا إلى الفرنج أي مورد وردوا، ورأى حشد حشدوا، وأية ضالة نشدوا، وأية نجدة أنجدوا، وأية أموال غرموها وأنفقوها، وجدات جمعوها وتوزعوها فيما بينهم وفرقوها. ولم يبق ملك في بلادهم وجزائرهم؛ ولا عظيم ولا كبير من عظمائهم وأكابرهم؛ إلا جري جاره في مضمار الانجاد، وبارى نظيره في الجد والاجتهاد. واستقلوا في صون ملتهم بدل المهج والأرواح، وأمدوا أجناسهم الأنجاس بأنواع السلاح مع أكفاء الكفاح. وما فعلوا ما فعلوا؛ ولا بذلوا ما بذلوا؛ إلا لمجرد الحمية لمتعبدهم والنخوة لمعتقدهم.
وليس أحد من الفرنجية يستشعر أن الساحل إذا ملك؛ ورفع فيهم حجاب عزهم وهتك؛ يخرج بلد من يده، أو تمتد يد إلى بلده.
والمسلمون بخلاف ذلك قد وهنوا وفشلوا، وغفلوا وكسلوا. ولزموا الحيرة، وعدموا الغيرة. ولو انثنى - والعياذ بالله - للإسلام عنان، أو خبا سنى ونبا سنان؛ لما وجد في شرق البلاد وغربها، وبعد الآفاق وقربها، من لدين الله يغار، ومن لنصرة الحق على الباطل يختار.
وهذا أوان رفض التواني، واستدناء أولي الحمية من الأقاصي والأداني. على أنا بحمد الله لنصره راجون، وله بإخلاص السر وسر الإخلاص مناجون،
والمشركون بإذن الله هالكون، والمؤمنون آمنون ناجون.