ولما رحل من بغراس وقف لعماد الدين ودعاه لوداعه، وشيعه بكرامة كرام أشياعه، وخصه بعد ما سير له من الخيل والخير بخلع خواصه واتباعه، وأناله
منه حسن اصطفائه وحسنى اصطناعه، ولم ينفصل منهم إلا من وصل بصلة، وخلعه مجملة،
[ ١٤١ ]
وحرمة مكملة. ووعد جميل يرغب في العود، وجود جزيل منسكب الجود. وذلك سوى ما غنموه من كسب وكسبوه من غنم، واستطلقوه من رسم، واستجزلوه من قسم. وملكوه من ورق سبى، وأدركوه من حق سعى. وأجدوه من غرض، وأدوه من مفترض. واحيوه من حسنة النصر، وامتنوه من سيئة الكفر. واستفافوه من فتح، واستفاضوا به من نجح.
وسار السلطان في عسكره حامدا لله في مورده ومصدره. وارتاح إلى العبور على ارتاح، وامتار لها اليمن بافتقادها وامتاح. ووصل إلى (حلب) وحلب احتفالها بوصوله حافل. والملك بها للاهتزاز بقدومه في ملابس البهاء رافل. ودخلناها وقد خرج كل من بها للتلقي، مستبشرين بالإقبال المتضاعف المترقي. وشاهدنا من النظارة عيونا للمحاسن ناظرة، ووجوها ناضرة، وقلوبا حاضرة، وألسنا شاكرة، وأيديا في بسطها إلى الله للابتهال بالدعاء متظاهرة.
واقتضت حركتنا إلى الشهباء، لساكنيها سكون الدهماء. وأقام بقلعتها أياما يسيرة، وألفى ولده الملك الظاهر أسر إحسانا وأحسن سيرة. وقام به وبالعسكر مدة المقام، واتسقت الأمور بأوامره على النظام، ولم يرحل إلا وقد خص عوامنا وخواصنا بالأنعام الخاص والعام. وأبان عن كل منقبة، وأعان بكل موهبة فما رآه والده مذ حل بحلب إلا في أجمل حلبة وأكمل حالة، وأجلى بهجة وأبهى جلالة. وقد أجد لعينه ولنفسه قرة وقرارا، وأعد لعزمه واحزمه استنصارا واستبصارا.
ثم انفصلنا عن حلب منقطعين إلى مواصلته بالدعاء، قاطعين طرقنا المتصلة بدليلي الشكر والثناء. وتنكبنا طريق المعرة، بسلوك طريق المعرة وأوفيناها بالمبرة الموفية المبرة. وتيمن السلطان بزيارة الشيخ الفقيه الزاهد التقي (أبي زكريا المغربي) - وهو مقيم في مسجده، عند قبر عمر بن عبد العزيز. ومشهده.
وقصده السلطان علي الفراسخ، ولقي منه في الحلم والوقار الطود الراسخ. واهتدى بسجاياه، واقتدى بوصاياه.
ووصلنا إلى حماه وبتنا بها ليلة واحدة، ولم نر رعيتها لما شملها من الرعاية جاحدة. فإن (الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب) قد كشف عنها بايالته الكروب، وملك القبول من أهلها والقلوب. وأعاد لها بالعمارة عمرا جديدا، ومد عليها من مهابته ومحبته ظلا مديدا. وكانت قلعة حماه لا تعد في القلاع المعدودة المحمية، ولا تذكر مع المعاقل المرعية المرضية. وهي ذات تل متبطح، غير مترفع ولا متسفح. فلما تولاها تقي الدين قطع من التل ما كان متواطيا، واتلع من التلعة جيدا عاطيا. وعمق خندقها في الصخر، وحصنها على الدهر. وبنى فيها الدور المرخمة، والأروقة المهندسة المهندمة. وحصنها واعلاها، وحسنها وحلاها. وزينها بكل زينة، وأعاد حماة ذات قلعة حصينة، فاضلة
[ ١٤٢ ]
في الشام كل مدينة.
فطلع السلطان تلك الليلة إلى القلعة، وسر بما رأى لها مثل الحصانة والرفعة، ووقف الملك المظفر لعمه، وجرى في الخدمة على رسمه. وحضرنا وأمير المدينة النبوية معنا، والسلطان قد أجلسنا بحضرته ورفعنا، والنادي قد جمعن، والشادي قد أسمعنا. والأغاريد تطرب، والأناشيد تعرب. فما انفصلنا تلك الليلة إلا عن علم نشر، وعرف أنشر. وفضل سنى، وعدل أحيى، ورسم نائل للسماح أجرى، وزند سائل بالنجاح أورى، وسنى جد أعلى، وجنى جود أحلى.
وقرأ لذوي الحاجات القصص، وأزال من الظلامات الغصص، وأنال لذوي الخصاصات الحصص. وأصبحنا على الرحيل، ووصلنا العنق بالذميل. وعبرنا مغذين على حمص، وزدنا في الوصول إلى دمشق على طريق بعلبك الحرص. وجثناها قبل شهر رمضان بأيام، وركنا إلى ما أنسنا به من مقام. وتجمع بنا
شملها، وتهلل باستهلالنا أهلها. وقلنا نصوم مع القوم، ونقيم مدة الصوم. فما لبث السلطان ولا مكث، ولا نقص عهد عزمه على الغزاة ولا نكث. وقال لا نبطل الغزوة، ولا نعطل هذه الشتوة. وقد بقيت صفد وكوكب وأخواتها، وبطول مضايقتها فنيت أقواتها وقواتها، فننتهز فرصة فتحها التي لا يؤمن من فواتها.
وخرج من دمشق في أوائل شهر رمضان وجد عزمه رميض، ولبارق سعده وميض، وفضله مستفيض ووجوه الأيام بأياديه البيض يسض، ولسان الدهر في ذكر سيره وتسيير ذكره مفيض، وجناح الكفر ينجاح رجائه ورواج مناجحه مهيض، وحديث إقدامه القديم والحديث طويل عريض.