للرسالة في العتب على أحداث ثقلت. وأحاديث نقلت. ووشايات أثرت وأرثت. وسعايات في السلطان عثت. في الأحوال وشعثت وذلك في شوال. ونحن على حصار صور ونزاع ونزال (ذكر السبب في ذلك)
لما تم الفتح الأكبر؛ وخص وعم النجح الأظهر؛ وقطع دابر المشركين؛ وحط إقبال المسلمين أوزار أدبار الكفر بحطين؛ أمرني السلطان بإنشاء كتب البشائر إلى الآفاق، وتقديم البشرى به إلى العراق. فقلت هذا فتح كريم، ومنع الله عظيم، وملك عقيم، وسمو وسيم، فلا يجب أن يكون مبشر دار الخلافة، بما أنزل الله لنا من الرحمة
[ ١٠٠ ]
والرآفة؛ إلا من هو عندنا أجل وأجلى، وأعلم وأعلى، واجمع لفنون الفضائل، وأعرف بأداء الرسائل. فلا توجه بهذه الكرامة إلا الكريم الوجيه، ولا تنبيه لهذه المقامة إلا القويم النبيه. ولا ترفع العظيم إلا بالعظيم الرفيع، فإن الشريف ينضع شرفه بمقارنة الوضيع. فقال هذه نصرة مبتكرة بكرت، وموهبة ميسرة بدرت وندرت. فنحن نعجل بها بشيرا، ونؤخر للإجلال كما ذكرت سفيرا.
وكان في الخدمة شاب بغدادي من الأجناد، قد هاجر للاسترفاد. وتوجه بعد وصوله، ونبه بعد خموله. فسأل في البشارة إلى بغداد. وزعم أنه يداوم إليها إلا غذاذ. وشفع له جماعة من الاكابر، حتى خص بأشرف البشائر. فقلت هذا لا يحصل له وقع، ولا يصل إليه نفع. والواجب أن يسير في هذا الخطير خطير،
وفي هذه النصرة الكبرى كبير. فإن الرسول من يندب للتفهيم والتفخيم، ويرتب في الأمر العظيم للتعظيم.
ثم سار المندوب، وشغلت عن إرسال سواه الفتوح والحروب. ولما فتح البيت المقدس أرسل ببشارنة نجاب، ونفذ بها كتاب. ووصل البشير الجندي فلم تجل به كفؤ الجلالة من الهدى الهدى. وحقروه وما وقروه، فإنه كان عندهم بعين فنظروه بتلك العين، وحبوه بما يليق به من الرقة والعين. ونقم على السلطان إرسال مثله، وأنه لم يعصب المنصب في تلك الرسالة بأهله وتسمح المندوب بكلام أخذ عليه، وبدرت منه أحاديث نسبت إليه. وقال في سكره وحالة نكره، ما يعرض عن ذكره. فخيل وموه؛ وتنكر وتكره. وظن أن لكلامه أصلا ولقطعه منا وصلا. وأنهيت إلى الغرض الأشرف مقالاته، وعلمت جهالاته.
وتجنى على السلطان بإرساله، وطرق إلى هداه ما أنكروه من مقال المذكور وضلاله. ووجد الأعداء حينئذ إلى السعاية طريقا، وطلبوا لشمل استعداده بالخدمة تفريقا. واختلفوا أضاليل، ولفقوا أباطيل. وقالوا: هذا يزعم أنه يقلب الدولة، ويغلب الصولة. وأنه ينعت بالملك الناصر. نعت الإمام الناصر، ويدل بما له من القوة والعساكر.
فأشفق الديوان العزيز على السلطان من هذه، وبرز الأمر المطاع بإرسال أخي وإنفاذه، وقالوا: هذا تاج الدين أخو العماد، يكفل لنا في كشف سر الأمر بالمراد. فإن أخاه هناك مطلع على الأسرار، وهو منتظم في سلك الأولياء الأبرار. وعول عليه الديوان العزيز في السفارة، ورد معه جواب البشارة. وكتبت له تذكرة بموجبات مقاصد العتب، ومكدرات موارد القرب. والمخاطبة فيها وأن كانت حسنة خشنة، والمعاتبة مع شدتها للعواطف الأمامية لينة. ونشر الأعتاب في طي العتاب، وروح الإرضاء في شخص الإغضاب. وبرد الموهبة في برد المهابة يرد
ظن الخطأ إلى يقين الإصابة.
وشرف من الديوان الأخ، فصار وهو يبذخ. وقد أصحب خيلا. وأسحب من التشريف والإنعام ذيلا، وألحف من نور الأهبة العباسية نهارا وليلا.
[ ١٠١ ]
فوصل السير بالسرى، وقطع الوهاد والذرا. وجاء إلى دمشق بشارة رائقة وبشارة رائعة، وإشارة رادعة. وشعار مهيب، وشرع مصيب. وهيبة روعة امامية، وهيئة عصمة عصامية. وفرند نبوي لا ينبو، وزند ورى لا يكبو. ولسان في الصرامة جرى، وجنان بالشهامة حرى. وبلاغة بإبلاغ ما ليس بلاغ. وفئة وافية، وصيغة بصياغة كل غريبة قول ورغيبة طول كافلة كافية. وسنى نور وقار يستعير منه سنير، وثبات خلق يتخلق به ثبير.
وكان قد عاد المندوب نادبا عاديا، جاحدا للنعمة شاكيا. ذاكرا أنه عدم الحفاظ، ووجد الاحفاظ. وأكثر الكلام فما حرك شمام. وقال أخو العماد قد وصل بكل عتب ممض، وخطب مقد وغضب مغض. ولفظ فظ. وحض على غير حظ. ومعه الملامات المؤلمات، والظلامات المظلمات فقلت له اسكت واصمت، وبمالك من وسم الوصم مت، ولا تدخل هذا الباب وأخرج، وليس هذا بعشك فادرج.
وقلت للسلطان سمعا وطاعة لأمر الديوان، فإن إظهار سر العتب لك من غاية الإحسان. فقال نعم ما قلت، وقد طلت بإرسال أخيك وطلت، وما أسعدني إذا شرفت بالعتاب، وأسعفت بالخطاب، والمملوك ينفعه التأديب، ويزعه التهذيب. على أننا لم نأت إلا بكل ما قوى الهدى واضعف العدا، وكف الكفر وأدنى الدين، وما زلنا في طاعة أمير المؤمنين مجدين.
أما فتحنا مصر وقد باضت بها دعوة الدعي وفرخت، أما استأنفنا بها تاريخ الدولة العباسية بعد أن كانت سنين بسواها أرخت. أما استخلصت اليمن وللدعي بها داع، وللهدى فيها ناع، وللضلال راع. أما أرحت من رق الشرك الساحل، أما
أزحت عن حق الملك الباطل. أما فتحت البيت المقدس وألحقته بالبيت الحرام، وألحفته رداء الإكرام، وأعدت إلى الوطن منه غريب الإسلام. أما رعت الغرب بغرب عزمي، ووزعت الشرق بشرع حكمي. وما تعبدت إلا بالعبودية للدار العزيزة، وهذه الفطرة متمكنة مني في الغريزة. فأهلا وسهلا بالرسول وبالسول، وحبا ومرحبا بالإقبال والقبول. وما أتى إلا بالحبو الحبور، ولإمراء الأمور، ولإظهار سر السرور. والبارق يشام إذا رعد، والصادق يرام إذا وعد. وما أسرنا بالواصل وأوصلنا بالمسرة. وأبرنا بالجد وأجدنا بالمبرة. وسمعت منه كل ما هدى سمعي، وأبدى لمعي، وجمع شملي وشمل بالعز جمعي.
ولما قرب أخي، أصبحت لقدومه انتخى. فأمر السلطان الأمراء على مراتبهم باستقباله، وتقدم لجلاله قدومه بإجلاله. ثم ركب وتلقاه بنفسه، وخصه من تقريبه بأنسه. ولم يزل حتى أراه مواضع الحصار، ومصارع الكفار. ومواطئ أقدام ذوي الاقدام، ومواطن بسالة أهل الإسلام. ثم نزل وأنزله بالقرب، وعقد له بالحباء حبا الحب. وسفر
[ ١٠٢ ]
وجهه لوجاهه السفير، وأحل محل التوقير والتوفير. وتبلج له صبح التبجيل، وتأمل منه نجح التأميل. ثم حضر عنده، وقد أخلى مجلسه لي وله وحده. فأدى الأمانة في مشافهته، ووجه مقاصده في مواجهته.
وأحضر التذكرة، وقد جمعت المعرفة والنكرة. فقرأتها عليه بفصولها وفصوصها، وألزمته حكمي عمومها وخصوصها، ووفقته على ظواهرها ونصوصها. وكانت في الكتب غلظة عدت من الكاتب غلطة، وخيلت سقطة، وجلبت سخطه. وقال إن الإمام أجل أن يأمر بهذه الألفاظ الفظاظ، والأسجاع الغلاظ. فقد أمكن إيداع هذه المعاني في أرق منها لفظا وأرفق، وأوفى منها فضلا وأوفق. ومعاذ الله أن يحبط عملي، ويهبط أملي.
وامتعض وارتمض، ثم اعرض عما عرض. ورجع إلى الاستعطاف وانتجع بارق
الاستسعاف. وقال أما ما تمحله الأعداء وعدا به المتمحلون، وتنفق به المتقولون؛ وتسوق المبطلون؛ فما عرف مني إلا الاعتراف بالعارفة، وما هززت منذ اعتززت أعطاف العز إلا لما يعزني من العاطفة. وإن شرفي بالنعمة السالفة؛ يوجب أنفي من هذه الآنفة. وأما النعت الذي أنكر، ولبه على موضع الخطأ فيه وذكر، فهذا من عهد الإمام المستضيئ رضوان الله عليه وجرى لتحققه منى على الألسنة، ومتى عد سيئة ما عد من الحسنة. والآن كل ما يشرفني به أمير المؤمنين من السمة فإنه أسمى الذي هو أسمى وأشرف، وأطرأ وأطرف، وأرفع وأعرف.
وما زاده ذلك العتب إلا خلوص ولاء، وخصوص اعتزاز واعتزاء ثم قال كل ما اعتمده من نصرة الدين وقهر أعداء أمير المؤمنين فإنما طلبت به وجه الله ورضاه، ما تعبدت به سواه. فإني أفترض الطاعة الامامية للدين لا للدنيا، وما التقوى فيها إلا بالتقوى. وما في عزمي إلا استكمال الفتوح لأمير المؤمنين، وقطع دابر المنافقين والمشركين. وإذا عادت عواطفه عطفت علي في الحسن العوائد، وقطفت الفوائد، وصفت الموارد، روفت المقاصد، وبعد الأباعد، وبعد الحاسد الحاشد. وهجر هجر الساعي وأجرى أجر الداعي. وعلم جهل الواشي، وعذر ذعر الخاشي، وجرب غش الغاشي، وخرب عش العاشي. وذوت هموم ذوي الهمم، وأوليت كرامة أولى الكرم.
وما زال السلطان مدة مقام أخي عنده، يوري في إعظامه زنده ويأمر بإكرامه جنده. فكنت أشفق من تكدر ذات البين بعود الأنس والوصلة إلى الوحشة والبين. وأن جماعة من الأكابر اجتمعوا بالسلطان، وقالوا له قد نسب حقك إلى البطلان، ورميت بالبهتان، ولمحت طاعتك بعين العصيان. فكيف خفت وما عفت، والفت وما أنفت، ورغت وما غرت، وصبرت وما سبرت، وأغضيت لما أغضبت، وأعتبت لما عوتبت، وراقبت وما روقبت.
فقال تذللي للديوان العزيز تعزز به أدين، وتوسلي إلى مرضاته توصل بالله فيه استعين. فتواضعي ترفع، وتخشعي تورع. وحبل حبي
[ ١٠٣ ]
متين، ومكان قربي مكين. ومما قلت له وأوضحت له يبله إنا كنا بطاعة أمير المؤمنين نطول ونصول، ونزاول بها الملوك وعنها لا نزول. وهذه فضيلتنا التي رجحت، ووسيلتنا التي نجحت. وكنا بها مسعودين، وعليها محسودين. وقد شملت بها بركاتها، وكملت حسناتها. وصفت مشارع يمنها، وصفت مدارع حسبها. فلا نلتفت إلى من يلفتك، ولا تتثبت لمن لا يثلتك. وأعرض عمن تعرض لمذهب الخلاف، وانهض لمن ينهضك للائتلاف. فقال هذا ديني وديدني، وبه أعني واعتني، ولنوره ونوره أجتلي واجتني.
ثم ندب مع أخي من سار في خدمته لزيارة القدس، وأمر بأن يقف به على مواقف الطهر التي طهرت من أهل الرجز والرجس، ثم ودعه وتودعه من شفاهه كل ما في النفس. وبالغ في إبداء التضرع والتذوع، وإظهار التخشي والتخشع.
وأنشأت عنه إلى الديوان كتبا معه وبعده، ضمنتها كل ما حلا وجلا جدة وجدة. وكل ما يبطل سوق المتفقين، ويعطل نفاق المتسوقين، ويهجن خلق المختلقين، ويزيل تلفيق الساعين، ويزيح سعاية الملفقين. ويتعرف إلى العوارف الغزر بالشكر، ويستعطف العواطف الغر بالعذر. ويجتهد في استفراغ المجهود للاستغفار. وينفض عن وجه البشر ما عليه من الغبار. وظهرت بعد ذلك بالقبول آثار الرضى، ومضى ما مضى. وقضى القدر من إعزاز الديوان قدر السلطان بما قضى.
وفي هذه السنة استشهد الأمير (شمس الدين بن المقدم) بالموقف في عرفه، لإبداعه رسما ما عرفه. فذهب غلطا، وعطب فرطا. وذلك أن أمير الحاج (طاشتكين) أنكر عليه ضرب الطبل فامتنع، فندب إليه من به وبأصحابه أوقع.
فتمت من هذه الفتنة فترة ونمت قفرة. ولما نمى الخبر إلى السلطان؛ لم يبد منه سوى الإذعان. وقال لا شك أن طاشتكين طاش، وقصد بعد الإيناس الايحاش. وعد الديوان العزيز عزله هذا من ذنوب طاشتكين حتى عزله واعتقله بجرائمه بعد سنين.