والخطبة لولي العهد عدة الدين أبي نصر محمد بن - الإمام الناصر لدين الله - أبي العباس أحمد أمير المؤمنين
بتاريخ أوائل صفر وصل رسول منزل الرسالة، ومقر الجلالة. ومربع الإمامة، وموضع الكرامة. ومطلع الهدى، ومنبع الندى. ومشرق نور الإيمان، ومشرع فيض
[ ١٤٩ ]
الإحسان. ومرجع المرجعين ومفزع الملتجين، ومنتحى الناجين، ومنتجى المناجين. ومهبط الوحي، ومصعد الأمر والنهى، ومقصد نجاح السعي. ومخفض جناح الرحمة، ومقطف جنى النعمة. ومجر ذيول المناقب وجرى سيول المواهب. ومزار أملاك السماء، ومدار أفلاك العلاء. ومحج ملوك الأرض، ومحجة سلوك الفرض. وموطن التنزيل، وموطئ جبريل. ومقام الخلافة، ومرام الرأفة. ومحمل الأمانة، ومحل الديانة. ومطاف الطائفين، ومطار العاكفين، ومعرف الواقفين، وموقف العارفين، وقبلة المقبلين، وموئل المؤملين، وكعبة القاصدين، ومثابة الوافدين. ومعفر وجوه العظماء، ومكفر ذنوب الكرماء.
ومعصب السيادة القرشية، ومنصب الوراثة النبوية، والسدة الشريفة الناصرية. ودار السلام وقبة الإسلام.
فابتهج السلطان بوصول الرسول، وأيقن بحصول السول. وسر سره وابر بره، وصدر بنشر الانشراح صدره، وقدر على الاتسام بالتسامي قدره. واحتفل بأسباب التلقي، والتحف بأثواب الترقي. وسأل عن الرسول المندوب؛ فقيل هو (ضياء الدين عبد الوهاب ابن سكينة، وصل بالضياء والسكينة، والأحوال الحالية المزينة.
وكان وزير الخلافة يومئذ (معز الدين بن حديدة) فعين لهذه الرسالة (ابن سكينة) حين عرف آراءه السديدة. فتلقاه - يوم دخوله إلى دمشق - السلطان وأولاده، وكان يوما مشهودا حضره أعيان البلد وأماثل العسكر وأشهاده. وأنزله في دار الكرامة، ورتب له وظائف الإقامة. ثم جلس له في يوم سعد صباحه، وبدت في جبهة الدهر البهيم غرره وأوضاحه، وملأت ظرفي الزمان والمكان أفراحه، وجاء على وفق الآمال اقتراحه، وختم باليمن والإقبال رواحه. وورد بكل ما أبهج الأولياء، وأزعج الأعداء. وخاطب السلطان عن الديوان العزيز بكل ما أعزه، وثنى عطف تباهيه وهزه. ورسا له طودا بالوقار في إيراد الرسالة، وجلا له في
مهب المهابة أنوار الجلالة. وتلفظ له بالتفضل، وتطوق منه بالتطول. وبشر بأن أمير المؤمنين فوض ولاية عهده، إلى ولده - عدة الدين - أبي نصر محمد من بعده، وأخذ بذلك العهد على من حضره من أعيان الأمة، وحفظ عليهم بتوليته ما أولاهم الله به من النعمة.
وأمر بأن بخطب له بمصر والشام وجميع بلاد الإسلام. فاستبشر بهذه الموهبة، واستظهر بما خص به من هذه المرتبة. وأمر بذكر اسمه ونقشه في الخطبة وعلى السكة، وعاد الإسلام به ظاهر الشوكة والشكة.
وخطبنا لولى العهد بدمشق يوم الجمعة ثالث عشر صفر، ولم يبق من الأمراء والأماثل والأفاضل إلا من حضر، وأحضر معه الدنانير ونثر. وتولى ذلك الملك الأفضل فأظهر أبهة ملكه وبهاء فضله، وحصل الإسلام من ري رأيه على نهلة وعله.
وندب للرسالة إلى الديوان العزيز (ضياء الدين الشهرزوري، القاسم ابن يحيى) لينشر به ما كاد يعفو من سنن الموافاة
[ ١٥٠ ]
ويحيا. وسيرت معه الهدايا، والتحف والطرف السنايا. وأسارى الفرنج الفوارس، وعددها الكوامل النفائس. وتاج ملكهم السليب والصليب والملبوس والطيب.
وأضيفت على رسول الإمام ملابس الإكرام، وقفل ناجح المرام. واصطحب الضياءان لإضاءة مطالع الإيمان، بسفارة سافرة عن سني الإحسان، وبشارة شائرة جنى النحل من نحل الجنان. واهتزت الأعطاف، واعتزت الأطراف. وابتسمت ثغور لسدادها، وانتظمت أمور الجمهور لسدادها. وسرت القلوب وسريت الكروب. وخزي الحاسد الحاشد، وقوى الساعد المساعد. وواصل في طريقه الإغذاذ، حتى وصل إلى بغداد. فتلقى الرسول بالسول، وقوبل بالقبول. وخرج إليه الموكب الشريف، وأضيفت له إلى تالد جده القديم جده الجديد الطريف. ودخل
البلد وأسارى الفرنج على هيئة يوم قراعها، راكبة حصنها في طوارقها وبيارقها وأدراعها، وقد نسكت بنودها وأتعست أنوفها. وهيئت على هيئة فتوحنا حتوفها، ووقف على العتبة الشريفة واستقبلها وقبلها. ثم عطف إلى دار الكرامة فنزلها.
وألفى الوزير ابن حديدة قد عزل، وأقام في بيته واعتزل. وتصدر في الدست للنيابة، وسماع الخطاب والإجابة، ومن له المجد الأثير الصدر الكبير، مؤيد الدين صاحب ديوان الإنشاء، وقد خص بتولي الحل والعقد والأخذ والإعطاء. فتولى سماع الرسالة وجوابها، وأولى صوبها ووالى صوابها.
وسيأتي في موضعه ذكر ما انتهيت إليه حال، وجرى به القال، وكيف شغلت العوائق وعاقت الأشغال.