ووصل الخبر بأن عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي وصل جامعا من الاداني والأقاصي، ونزل طائعا على العاصي. وخيم على قدس، وخيمه قد تقدس، والدين بدنوه تأنس، والكفر بقدومه تعكس. وأنه ينتظر قدوم السلطان والاتفاق معه على قهر الشرك ونصر الإيمان. فركبنا وابن ذكاء في أسفاره، والصبح قد زحف على الليل برايات أنواره والفجر قد فجر انهار نهاره. وسرنا بصدق النزاع وقصد الاجتماع. فلقيناه قد ركب مستقبلا، وقرب مقبلا.
ولما رآه السلطان حياه، ولقيه بالكرامة وأكرم ملقاه. ونزلا فتعانقا، ثم ركبا وتوافقا
وتساوقا. وخيمنا بقرب مخيمه، وجثمنا عند مجثمه، وحططنا هناك رحالنا، وخلطنا برجاله رجالنا. وتساعد الجندان، وسعد الجدان، وجد السعدان. وانتظم الجمعان، واجتمع النظمان. واتحدت الكلم، وأنأدت الهمم.
وسأل السلطان أن يوازره ويزوره، ويحضره بحضوره حبوره، فساق معه إلى مضربه. وضافه في موكبه. وانقلب إلى قربه، وتقرب إلى قلبه وارتفع في صدره، ورفع من قدره.
[ ١٢٠ ]
وصار العسكران مختلطين، وجلسا منبسطين، ووقف الأمراء والعظماء سماطين كالسمطين. وقرأ القراء، وأورد الشعراء، وتجاذب بينهم أطراف الطرف والآداب الفضلاء والعلماء. وكان مع عماد الدين شاعره (السنجاري ابن الهائم)، ومن عادته ايراد المدائح في مثل تلك المواسم. فأنشد مدحا، ونشد منحا. ثم بسط السماط وسمط البساط. ومدت الموائد، وعادت العوائد، ونضد الخوان وكونت الألوان، ولونت الأكوان، وصفت الجفان. واحضر الطهاة في كل حاجة وباجة، وخروف ودجاجة. وحلو حامت وحامز وحامض، وتفه وقابض. ومطبوخ ومشوي، ومصنوع ومقلي - ما طاب مذاق مذقه ومحضه، وطالت الأيدي في بسطه وقبضه.
فلما رفع من ناديه القرى، وفرع بأياديه الذرا، قدم ما أعده للهدايا، والتحف السنايا من الجياد المقربة، والثياب المذهبة، والعدد المعجبة، والأسلحة المذربة. وكل ما يروق ويروع، ويضيء ويضوع. ثم انفض النادي عن ندى منفض، وسدى لبكر الشكر مقتض.
وعين السلطان يوما لحضور عماد الدين عنده، وأنه يستضيف فيه خواصه وأمراءه وجنده. فوسع سرادقه، ووشع نمارقه. وضرب بيت الخشب له لحسب بيته، وأسميت (الحسنى) بحسن سمته وسمته، واحتفل بحفله، وأجل لأجله. وأرجت أرجاء النادي بالند. وراق مد النواظر النواظر في ذلك الرواق الممتد،
وبسط على البسط ما حضر من الياسمين والورد. وفاح النشر، ولاح البشر. وفرش الثرى، وشرف البرى. ورفع الحجاب، وأشرعت القباب، وتوجهت الأسباب، وتنزهت الألباب. وتضوعت نوافح النوافج، ووضحت مناهج المباهج ووضعت المطارح والمساند، والأسرة والوسائد.
وجاء عماد الدين في خواصه وأمرائه وصحبه، فتلقاه السلطان برحبه، وقرب له السرير وسر بقربه، وأجلسه إلى جنبه، وحباه بحبه، وأقبل عليه بوجهه وقلبه، وجلس من جرى بالجلوس رسمه، وسما في الرءوس اسمه. ووقف لأمراء والحجاب، والعظماء والأصحاب، على مراتبهم في مواقفهم ودب للاعتزاز الاهتزاز في معاطفهم.
وكان النادي مهيبا، والندى مجيبا، والذرا رحيبا، والقرى قريبا. والظل ممدودا والفضل مورودا. والحفل حافلا، والشمل شاملا، والبساط مقبلا، والنشاط مقبلا. والمرئي حاليا، والمروى عاليا. والمسموع مطربا، والمجموع مغربا. والمنظر والمخبر جليلا جميلا، والمطلع والمطلب منيرا منيلا. والمكان عليا، والزمان جليا. والربيع في انتهائه، والصنيع في اشتهائه، والمصيف في ابتدائه، والمضيف في انتدائه. والنعيم في نضرته والكريم في نصرته. والأريب في أربه، والطروب في طربه، والضريب من الخلق الحسن في ضربه.
[ ١٢١ ]
وكانت أيام المشمش وقد وصلت من دمشق أحمالها، وحلت في تلك الحالة حالها، واقدم الجذل قدومها، وطلعت في أبراج الأطباق نجومها. كأنها كرات من التبر مصوغة، أو بالورس مصبوغة. صفر كأنها ثمار الرايات الناصرية حلا ذوقا، وأحل شوقا، ولو نظم جوهره لكان طوقا. وهو أحلى من السكر، واعبق من العبهر، وأحسن هيئة من النارنج الأحمر، والليمون المركب المدور، وقد زفت عروسه في الثوب المعصفر، والخمار المزعفر. كأنما خرط من الصندل، وخلط
بالمندل. وجمد من الثلج والعسل، فهو الذي يضرب بضربه مثل الثمل، ويقضب من قضبه لقب القبل. ونظر ما نضر، وما حظر ما حضر. ورثى هناك لقطوفه قطاف، ولطوافيره طواف. ولعقوده مصارف، ولنقوده ضيارف. فكأنها وجوه العشاق اكتست اصفرارا، أو جمرات تشتعل نارا وتبدى شرارا، وقد أعاد لجينها صواغ القدرة الإلهية نضارا. بل هي أحداق الحدائق، وقلوب البوارق. ووجنات الجنات صبغها بلونه البرق، وصفرها من خوفه الرعد، ودورها بوقده الودق. لا بل اصفرت من مهابة الجنات الجناة، وانتظمت من جواهر الحيا للحياة، واضطرمت لهاها شوقا إلى فتح اللهاة.
ثم صرفت الأطباق، ونظفت الآفاق. وبسط المكان، وسمط الخوان. ونبهت أجفان الجفان للقدور الرقود، وشبهت المراجل لغليانها بصدور ذوي الحقود. وتزيد مقال النشاشة، وتزينت مقار المقاري بالبشاشة. ومادت أعطاف الموائد بالألطاف، وتهادت اكناف السرادق بموشى الافواف. وهناك المسموط والمسلوخ، والمخطوب المطبوخ. والمقلو المقلوب، والمحبو المحبوب. والأغذية واللحمان، والأشوية والحملان، والألبان والألوان. والجوابي والروابي، والصواني والأواني. وقد صفت البوادر، وصفت الموارد. وتنوقت الطهاه، وتنوعت المشتهاه. وحلت الأطعمة، وعلت الأسنمة. وجاش جاش الجاشنكير الرابط، وعاش إخوان الخوانسلار الغابط. وتداولوا وتناولوا النوالات، والحوالات، والحلاوات والحالات. وكان يوما مشهودا، وحوضا مورودا، وروضا معهودا، ورواقا ممدودا، ورواءا مودودا، وجمعا مسعودا، وصنعا محمودا.
ولما فرغت الموائد، وبلغت المقاصد احضر السلطان لعماد الدين هداياه وحياه بأحسن من تحاياه، من خيل صفون، وحصن كحصون. وعراب جياد من طرائف الطريفيات، وسوابق سوابح من العتاق الاعوجيات والمذاكي المنسوبات. من كل
مطهم مطهر الخيم وكريم من نسل الكريم، وصافن صافي الأديم. ومعرب مقرب، ومجنب مكرب، وسكب مشذب، وفيض سلهب، وبحر جموم وطرف لهموم وسرحوب شيظم. ويعبوب صلدم. واجرد قوود. وضامر قيدود. وأقب نهد، وجواد ورد. ومسح رفل طمر. وأشق امق غمر. ومفرع طموح. وعتيق غير جموح. وهيكل
[ ١٢٢ ]
عال وعنجوج ذيال. فاختار منها كل طرف. قد حط من قدره إذا قوم بألف. من كل أشهب قرطاسي، وأشعل سوسني، وأغر صنابي. وأدهم غيهبي. وأحم أحوى. وأشقر مدمي. وأبرش مدثر، وكميت مضمر. وأخضر وأدبس، وسمند أغبس.
ثم أحضر له ما يناسبها من التحف اللائقة، والطرف الرائقة، والعدد الرائعة، والأسلحة المانعة. والسابريات السابغات، والدروع والزرديات، والرؤوس والرانات. والخوذ والترائك، والبواتر البواتك. والدلاص الموضونة، والنصال المسنونة.
ومن المستعملات المصرية الذهبية والحريرية. والملحم والدبيقي والمصمت والمغربي والعراقي. ومن نسج تونه وتنيس؛ كل ثمين ونفيس. وما شاكله من أنواع الطيب، على النمط والترتيب. ثم انصرف وعرف حمده متضرع، وعرف جده متنوع. وشدو شكره وعطف فخره مترنم مترنح، وأمره متحبر متربح، ووده مترج مترجح. ودعاؤه صالح، وثناؤه صادح. ولسانه داع، وجنانه واع، وعهده راع، وسعده ساع.
وتصاحب هو والسلطان في الركوب والجلوس، والتناجي بما في النفوس والتدبر فيما يقدم ويؤخر ويقرر، ويورد ويصدر. وتكررت المشاورة في الموضع الذي يبدأ بقصده، ويوفي العزم فيها الجهاد حق جهده. واتفقوا على عرقا وعرقها وعقرها. والزول بعقرها. وإنها إذا ملكت ملكت طرابلس. وأسفر عن صبح فتحها
الغلس، وأقام العسكر أياما على (قدس)، وبقبس النصر قد تأنس، ولسناء الظفر قد توجس. وأتى العرب، وواتى الأرب. واجتمعت الجيوش وجاشت الجموع، وآن لليل العزم المدلج من صبح النجح الطلوع، ونبعت الفيوض من النعم وفاض الينبوع، وأينعت ثمار وطابت الينوع. ثم رحلنا أول شهر ربيع الآخر إلى البقيعة تحت حصن الأكراد، وخيمنا على الربا والوهاد، وصوبنا إلى الجهاد هوادي الجياد، وأدنينا قطاف ألطاف الله لاجتناء الأجناد. وكانت الأعشاب بالشعاب واصية، والشوائب من المشارب قاصية، والقضب للقرب في طاعة الله عاصية. وطار الرعب، وثار العجم والعرب، وخاف الكفر، وطاف الذعر، وقال نفر الشرك نفر ولا نستقر. وتشوروا، وتشاوروا، وحاروا وتحاوروا. كأنهم في قبور حصونهم أموات، لا ترتفع لهم من الوهل والوله أصوات. واجمعنا على دخول بلد الساحل على التجريد للتجريب، وجوس خلال البعيد والقريب. ثم تجرد العسكر عن الأثقال، وتجزأ على أخذ أهبة القتال.
وسار السلطان ومعه عماد الدين زنكي وسيفه بصقالة يضحك وبدم الكفر يبكي. (ومظفر الدين كوكبوري) وهو الذي حين يواري صارمه المشهور في نجيع العدا لزند الظفر يوري. وصحبه من فرسان العرب كل فارس معرب، ومن شجعان
[ ١٢٣ ]
الأكراد كل فاتك محرب. ومن فتاك الأتراك كل قسور قاسر، ومن صيد الصناديد كل كسروى كاسر. وكل كمى كميش، واكديش على اكديش. وقارح على قارح، وخضم على سابح، وجرى جار جارح. وبهمة وبطل، وجبل على جبل، وفحل على فحل، وذمر نكل. وورد على ورد، مرد على جرد. وحلس وحلبس، وباشر بالموت معبس. وأهيس اليس، وأحمى احمس. وغشمشم همام، وأيهم مقدام. وباسل ذي باس، وعاسل عاس. ورئبال على رئبال، ومشتمل على شمال. وبحر على بحر، وصقر على صقر.
وركبوا اسلاهبهم، وجنبوا جنائبهم. وجروا على الساحل سيولا، وجروا بالذوابل ذيولا. وطارابليس طرابلس بخوافي لخوف، ودام الجوى في رعب أهلها بدم الجوف. وما سار إلا من خف في نهضته، ونهض بخفته. وأحس حصن الأكراد بالأكدار، وصفت على صافيثا بوارق البوار. وقطع عرق (عرقا) وعقرت، وتعرمت (العريمة) وتعرقت، ومزعت تلك الاعمال ومزقت، وارهقت وأزهقت. ونفرت انفارها، وبقرت ابقارها، وملئت بالدوائر ديارها. وسيقت مواشيها، وحشيت بالنيران أوساطها وحواشيها.
ونزل السلطان على حصن يحمور فما قدروا يحمونه، وابتذل مصونة، واستخرج مكنونه. وفتحه ومتحه، ومساه بالدمار وصبحه. وأقام في تلك الديار عشرة أيام يجوسها ويدوسها، وقد حيزت له نفائسها ونفوسها. ثم رحل إلى مخيمه، وعاد العسكر مسرورا منصورا محبورا موفورا، قد اطلع من تلك البلاد على العورات، واضطلع بالغنائم من تلك الغارات، ونكأمنها في الأعمار والعمارات.
وانقضى شهر ربيع الآخر، وذلك المرج يموج بالعساكر موج البحر الزاخر. وقد وصل قاضي جبله يحث على قصدها، ويحض على إنجاز وعدها، ويحرض على إعذاب وردها، ويحقق أن الظفر في هذه السنة يبتدئ من عندها.
ويقول إن الاشتغال بطرابلس مع احترازها واحتراسها؛ وكثرة ناسها؛ وتدرعها بلباس باسها؛ واستعدادها للحصار، وتجنبها عن الاصحار؛ يذهب الزمان، ويفوت الإمكان. وهذه جبلة وما وراءها من المعاقل، قنيصة للحابل، وفرصة للمتناول، ولهنة للآكل، ونغية للناهل وأمنية للعاقل. فما دونها مانع، ولا عنها مدافع. وهي على غرتها وغرورها وغفلتها وفتورها؛ لم بفترع عذرة أمنها ذعر، ولم يفثأ سورة نفعها ضر، ولم يقر باب يسرها عسر. فإن سلكنا سبيلها، ملكنا سلسبيلها. وأن جزنا ساحتها، حزنا راحتها. وأن استقدنا ملكها ملكنا قيادها، وأن اعتدنا
حواءها حوينا عتادها. وأن افتتحنا بها فتحناها. والمسلمون بجبلة مجبولون على التسليم مؤملون أن يتبدل شقاؤهم منكم بالنعيم فعرفناه بصحة نصحه، ورفعناه بحجة نجحه.
وأصغى السلطان إلى قوله،
[ ١٢٤ ]
وأصغى له ورد طوله، وأقبل عليه وقبله، وأجزل له العطاء وأكمله. وكان قد وصل له مقدمو جبل بهرا، فوفر لهم رواتبهم وأجرى. وخلع عليهم وشرفهم، وأسعدهم بالمواهب وأسعفهم. فندبوا إلى أتباعهم، وكتبوا إلى أشياعهم. وأجمع السلطان على دخول الساحل بتلك العساكر والجحافل.
ورحل يوم الجمعة رابع جمادى الاول، حافل الجحفل سامي القسطل. ماضي المنصل. فسرنا في آجام مؤتشبة، وآكام معشبة. وحزون وسهول، وشعاب وتلول. ومعالم ومجاهل، رواب وهواجل. ومغايض وغياض، وارتفاع وانخفاض. حتى خرجنا إلى ساحة الساحل، ونزلنا بها ومبارك مبارنا مواحي رسوم تلك النواحي المواحل. ومعنا أحمال واوساق وأثقال وأسواق. وأزواد وإمداد، وعدد وإعداد. والخيل عرموم، والسيل عرم. والمجر لجب، والغيل أشب، والأسد في عريس من الاسل العراص، والفوارس الصلاد في غدران من السوابغ الدلاص، وقد نشأ العجاج كعجاج النشاص.
فانحلت بحلولنا معاقد المعاقل، واعتلت باستيلاء فحولنا عقائد العقائل. وحلت لخطبة سيوفنا كرائم الحوالي والعواطل. ونحن في استباحة واستباء واصطلام واصطلاء، وارتياد وارتياء، وفتك بأعداء، وسفك لدماء. وبتك لرقاب ذوي الفجور، وهتك لحجاب ذوات الخدور. ننال من العدو كل نيل، وندير عليه في داره دائرة كل ويل. فما نقطع إلا واديا يغيظ الكفار، ولا نحضر الا ناديا نزيدهم به الدمار.
وسرنا الساحل الساحل، في ثلاث مراحل. حتى وصلنا إلى انطوطوس يوم الأحد
سادس الشهر. فأحدقنا بها من البحر إلى البحر. وزحف إليها الناس، وحفز عليها الباس، وخاب رجاء رجالها وخب نحوها الياس. وقاتلناها ساعة، فلم يجد أهلها للدفاع استطاعة. ودخلت من جوانبها، وتخللت من مذاهبها، وأصابتها نوائبها، ونابتها مصائبها، وفل غربها وجب غاربها. وقتل من لحق من رجالها، ونهب ما وجد من أموالها، ونقل ما صودف من غلالها، وسبى من أخذ من نسائها وأطفالها.
واعتصم من نجا ببرجين اعتصما بالامتناع، وهما هناك من أحكم القلاع. وفي أحدهما الداوية جمرة الكفر، ومعهم مقدمهم الذي أطلق من الأسر.
وفي البرج الآخر المنهزمون الناجون، والفارون إليه اللاجون. فنزل على هذا البرج مظفر الدين بن زين الدين، فأبدى لمن استتر فيه وجه التأمين، وحركهم إلى الخروج بالتسكين. ووثقوا بأمانه وأمنوا بميثاقه، ومكن كل منهم لسلاكته من تسلم مكانه.
فلما ظفر مظفر الدين بالبرج هدمه وهده، وحل من أحكامه ما الكفر شده. وركب النقب على ركنه العالي، ونكبه في ذلك اليوم بما تنكبت عنه نواكب الليالي. وخرب إلى أساسه سوره، ورمى إلى البحر صخوره. وامتنع برج الداوية لدائها الدوى، واتبع مردتهم في التمرد هوى طاغوتهم الهوى.
وأقام العسكر حتى نقض أسوار انطرطوس وقوضها، وربضنا بها إلى أن عفينا ربضها.
[ ١٢٥ ]
ولما امتنع البرج تركناه، وما كانت فيه فرصة لو أدركناه. وكيف كنا نشتغل بفتح برج عن فتح البلاد، وللفرص أوقات هي لها بالمرصاد، ومن يسلك الجدد اللاحب لا يعرج على بنيات الطرق، ولا يستغنى مدلج الليل بالداراري عن الفلق.
ورحلنا عنها رابع عشر الشهر، شاهرين على الأعداء سيوف القهر. ونزلنا على
مرقية وقد خلت من أهلها وتخلت، وتشعشعت عمارتها واختلت. وكان جوازنا إلى جبلة على الساحل تحت حصن المرقب، وهو معقل للاسبتارية عالي المنكب، سامي المرقى والمرقب، ضيق المذهب، عسر المطلب. فلم يكن بد من عبور ذلك المضيق، وسلوك تلك الطريق.
وقد صفت الفرنج في البحر المراكب، وسدوا المذاهب، وردوا الراجل والراكب. وفوقوا الجرخ للجرح، وسددوا الزنبورك للقرح والطرح. فعثر العبور، وكثر العثور. وامتنع الجواز، ووجب الاحتراز، واعوز الظهور وظهر الاعواز.
وذلك أن صاحب صقلية؛ رام أن يكشف عن الفرنج البلية. فجهز أسطولا بجهازه مستطيلا، وحمله من عدد القتال وعدد الرجال عبثا ثقيلا، واتفق وصوله في تلك الأيام في ستين قطعة، تحسب كل واحدة منها قلعة أو تلعة. من كل شيني من شأنه شن الغارة، ومن عادته العادية تشيعت العمارة. مع طاغية يقال له المرغريط، قد عرف منه التوريط، من أرجس الطواغيت، وأنجس العفاريت. فوصل إلى طرابلس بطوله وأسطوله وصولة وصوله. فما أحلى ولا أمر، ولا نفع ولا ضر، ولا استقل ولا استقر. ولا نقض ولا أمر. بل صار على الفرنج وبالا، وأحدث لهم بما يسومهم من مئونته إمحالا، وما خفف عنهم بل زادهم على الثقل أثقالا، ووجد الكفر في أوان توانيه، فلم ينتفع ولم يرتفع شأن شوانيه. وصار إلى صور ثم رجع إلى طرابلس، وتردد في البحر وتلدد وأبلس. وتفرقت جماعته، وتجنبت شجاعته. واضطرب في البحر اشتهرا، لا يظهر له رأى ولا يرى له مظهرا فتقطعت اقطاعه، وتتابعت في الفرا اتباعه. حتى عاد في عدة يسيرة، وشدة عسيرة.
وكان هذا الطاغية قد حضر يوم عبورنا تحت المرقب بمراكبه، مصفوفة في البحر من جوانبه. قد ضيق الطريق، ولم يطرق المضيق، فأمر السلطان يحمل
الجفاتي إلى هناك وتصقيفها، والستائر وتأليفها، والتراس وترصيفها، وأقعد من ورائها على مقابلة سفن القوم وازائها؛ الكماة النخية، والرماة الجرخية. حتى تباعدت تلك السفن، ودب اليها الوهن، وتمت عليها المحن، وأنحت الإحن. ورحل العسكر فعبر آمنا وأمن عابرا، وسار ظاهرا وظهر سائرا. وجزنا على مدينة يقال لها بلنياس، وقد أجفل عنها الناس. ونزلنا على أرضها، وخمينا في طولها وعرضها، وأنسنا بنهرها وزهرها غب الارواء والرواء، وحسبنا على نواظر رياضها نواظر الارتضاء. وبتنا ونفحات النادي
[ ١٢٦ ]
مريضة. وجنبات الوادي مريضة. والنسيم العليل بليل، والعزم الصحيح دليل، ورسم العدو محيل، ولقدح الفوز من تأييد الله لنا مجيل. وأصبحنا على الرحيل مبكرين، فساء صباح المنذرين.
وسرنا وسرنا في سرور، وسفرنا في سفور. وجمعنا في اجتماع، وجدنا في ارتفاع، ونهجنا في اتساع، وركننا في امتناع. وعارضنا نهر عريض عميق، ما فيه طريق. وهو مطرد من الجبل إلى البحر، فازدحم العسكر عند ذلك النهر، وتواقعت الأحمال والأثقال عند العبر، وليس عليه إلا قنطرة واحدة فتصادموا على ذلك الجسر.
وسار السلطان من فوق على سفح الجبل وعبر، واسابع من عسكره بعد الزمر الزمر. ونزل عشية الخميس على بلدة. وعانت الأثقال من تخلصها من الشدة الشدة. وتكامل نزولها حين انتصف الليل، ووصل إلى القرار السيل.
وهذه بلدة كاسمها بلدة على شاطئ هذا النهر، وساحل البحر حصينة البناء، مصونة الفناء. قد حصنها الاسبتار، وحسنها الاستظهار. وقطعوا عنها سلوك الطرق، بتعميق ذلك النهر المخترق. وألفينا بلدة أيضا خاوية على العروش، حاوية للوحوش. خالية من الأنس والإنس، (كأن لم تعن بالأمس). وقد انزعج أهلها، وتشت شملها. وتخوف آمنوها، وعدم السكون ساكنوها.