كان السلطان يركب أحيانا للصيد، بعد أن يحذر على ما يظهر للعدو من الكيد. وهو لا يبعد من الخيم، ولا يقرب من مسائل الديم.
وركب يوما في صفر عاى عادته فتصيد، وطاب له قرب القنص فأبعد. واليزكية على الرمل وساحل البحر من الميسرة، على الحالة المحتاطة المستظهرة. فخرج الفرنج وقت العصر، في عدد لا يدخل في الحصر. وتسامع أصحابنا بهم فزحفوا اليهم، وحملوا عليهم، وطردوهم إلى خيامهم، وأخذوا عليهم من خلفهم وأمامهم. وما زالت بينهم حملة وحملة، وشلة وشلة، وسلة وسلة، وركضة وركضة، ونفضة ونفضة، ومشقة ومشقة، ورشقة ورشقة، وجذبة وجذبة، وضربة وضربة، وشدة وشدة، وردة وردة، وضمة وضمة، ولمة ولمة.
وأصحابنا طاهرون، والمراد ظافرون. ولهم في كل دفعة من العدو قلائع، والفرنج في كل كرة على الرمل مصارع. حتى فني النشاب وبقي الانتشاب، وشاع نداء الأصحاب باستدعاء النشاب. والفرنج لا يعجزهم إلا الرماء، ولا يهلكهم إلا الاصماء. ولا ينفرهم إلا رنة الأوتار، ولا ينذرهم إلا أنه القسي بالدمار والبوار.
فلما انسوا بخلو الجعاب،
[ ١٩٢ ]
تجاسروا على الدنو من تلك الشعاب. وحملوا حملة واحدة ردوا بها أصحابنا إلى النهر، وكادت تعبث بهم يد القهر، فثبت من العادلية
في وجوه القوم صف مرصوص البنيان، واشرعوا نحور تلك الذئاب ثعالب الخرصان.
واستشهد جماعة من الشجعان، استحلوا طعام الطعان، وشاقهم جنى الجنان. وذلك أنهم ردوا الفرنج قلعوا فرسانا، وصرعوا أقرانا. فنزلوا بعد فرسهم، لسلب لبسهم. فمرت بهم الحملة في الأوبة، وأعجلتهم عن الركبة والوثبة. واظلم الليل فافترق من معاركها الجمعان، واجتمع في مراكزها الفريقان. وكثر التأسف على من فقد، وكان الحاجب (أيدغمش المجدي) ممن استشهد. وزاد التلهف على فوات الفرصة، وكيف أغفل ذلك القنص عن تلك القنصة، فإن العدو صار عرضة للصرعة في تلك العرصة.
ومن نوادر هذه الوقعة؛ وطرائف هذه الدفعة؛ أن مملوكا للسلطان يقال له (سراسنقر)؛ وهو يتطاول في كل معترك ولا يقصر؛ عثر به جواده، وثبت على الجرأة فؤاده، ورجله عثاره، وأسلمه أنصاره. فقبض من أسره شعره ليجذ به، وسل آخر سيفه ليضربه، فضرب يد قابض شعره فسيبه. واشتد سراسنقر يعدو ناجيا، وللخلاص راجيا. وهم يعدون وراءه ليمسكوه ويهلكوه، وفاتهم بعون الله فلم يدركوه. وهذا قذفته المنون من لهاتها بعد ازداده، وانتضاه الحمام لمضاء غراره بعد إغماده.