وركب الفرنج آخر يوم الأربعاء سادس شعبان بأجمعهم، وتقدموا من مواضعهم، واشتاقوا إلى مصرعهم، وفارقوا الحزم في تسرعهم. وخرجوا عن رجالتهم، وتجردوا بخيالتهم. وحملوا على الواقفين من أصحابنا حملة الرجل الواحد، فتحرك الصف الثابت الساكن أمامهم كالبنيان إذا تحلحل من القواعد. وتراجع عنهم المسلمون استدراجا، وملأت الأرض السماء عججا وعجاجا، وزخر بحر الحرب على أمواج أمواجا.
فما قربوا من خيام اليزك؛ إلا وقد اعتكر جو المعترك. وعساكرنا قد أوجفت
عليهم، وزحفت إليهم، وأردتهم بعقابهم، وردتهم على أعقابهم. ووصلت إلى رؤسائهم فقطعت رءوسا، وألحف بأسها ذلك الجمع بوسا، وثنت وجه الكفر عبوسا. وولوا مدبرين، وأدبروا مولين. والجريح بالقتيل عابر عاثر، والذمر الباسل باسم بالموت باشر.
فلما جن الليل رجعت بما جنته الخيل. وبات كل حزب على حرب، وإعداد عدد طعن وضرب. وبات الناس من الجانبين على غاية من التيقظ، وهمة متنبهة للتحفظ. وحراسة وحماية، وسياسة ورعاية.
فلما اصبحوا عادوا إلى عادتهم في اللقاء، وهاجوا بعاديتهم إلى الهيجاء هذا وأبواب البلد مفتوحة، والصدور الظهر إليها مشروحة. والفرنج قد ندموا على ما قدموا. وعدموا بصيرتهم بما صدموا. وعادوا لا يفرطون ولا يتورطون، وينقبضون ولا ينبسطون.