واتفق فتح البيت المقدس في يوم كان في مثل ليلته منه المعراج، وتم بما وضح من منهاج النصر الابتهاج، وزاد من الألسنة بالدعاء والابتهال الالتهاج. وجلس السلطان للهناء، للقاء الأكابر والأمراء، والمتصوفة والعلماء. وهو جالس على هيئة التواضع وهيبة الوقار، بين الفقهاء وأهل العلم جلسائه الأبرار. ووجهه بنور البشر سافر، وأمله بعز النجح وافر ظافر وبابه مفتوح، ورفده ممنوح. وحجابه مرفوع، وخطابه مسموع ونشاطه مقبل، وبساطه مقبل. ومحياه يلوح، ورياه يفوح. ومحبته تروق ومهابته تروع، وآفاته تضيء وأخلاقه تضوع. ويده لفيض امواه السخاء، وفض أفواه العطاء؛ ظاهرها قبلة القبل، وباطنها كعبة الأمل.
قد حلت له حالة الظفر، وكأن دسته به هالة القمر. والقراء جلوس يقرأون ويرشدون، والشعراء وقوف ينشدون وينشدون. والأعلام تبرز لتنشر، والأقلام تزبر لتبشر. والعيون من فرط المسرة تدمع، والقلوب للفرح بالنصرة تخشع، والألسنة بالابتهال إلى الله تضرع، والكاتب ينشى ويوشى ويوشع، والبليغ يسهب ويوجز ويضيق ويوسع.
فما شبهت قلمي إلا بشائر أرى البشائر، ولا وجهت كلمى إلا لطائف وحي اللطائف. وما أرسلت يراعى ألا ليرعى الرسائل، ويوشع الفضائل، ويشيع الفواضل. ويشبع القول، ويسبغ الطول. ويطول بالحجة وإن كان في طوله قصر،
ويصول باللهجة وأن كان في حجمه حصر. ويسمن الملك به وهو نحيف، ويثقل الجيش به وهو خفيف. وبدى بياض الغرة من سواد الدهمة، ويجلو بهجة الضياء من محجة الظلمة. ويجرى بالآجال والأرزاق، والمنع والإطلاق، والخلف
[ ٧٣ ]
والوفاق، والإرفاق والإعتاق. والعدة والإنجاز، والجدة والاعواز. والفتق والرتق، والرقع والخرق.
وهو الذي يجمع الجيوش، ويرفع العروش. ويوحش المستأنس، ويونس المستوحش. وبه بنعش العاثر، ويعثر المنتعش ويجرى بالأعداء على الأعداء، وبالإيلاء للأولياء.
فبشرت بأقلامي أقاليم البشر، وعبرت بأعاجيبي عن عجائب العبر، وملأت البروج بالدراري والدروج بالدرر. ورويت تلك البشرى حتى اطابت ريا (الري) وسمر (سمرقند)، وأطربت وحلت حتى (فاقت القنديد والقند). وعلقت بفتح القدس بلاد الإسلام وزينت، وشرحت فضيلتها وبينت، وأديت فريضة زيارتها وتعينت.