ثم رحل عن عسقلان للقدس طالبا، وبالعزم غالبا، وللنصر مصاحبا، ولذيل العز ساحبا. قد أصحب ريض مناه، وأخضب روض غناه. واصبح رائج الرجاء، أرج الأرجاء. صيب العرف، طيب العرف. ظاهر اليد، قاهر الأيد. سنى عسكره قد فاض بالفضاء فضاء، وملأ الملأ فأفاض الآلاء. وقد بسط عثير فيلقه ملاءته على الفلق، وكأنما أعاد العجاج رأد الضحى جنح الغسق. فالأرض شاكية من إجحاف الجحافل، والسماء حاظية بأقساط القساطل.
وسار سارا بالأحوال الحوالي، مروية أحاديث فتوحه العوالي من العوالي. مطوية مدارك مناجحه على ما تنشره الآمال من الأمالي. وقد حلت وعلت من مغارس النصر ومطالعه، المجاني والمجالي. والإسلام يخطب من القدس عروسا، ويبذل لها في المهر نفوسا، ويحمل إليها نعمى ليحمل عنها بوسي. ويهدى بشرا ليذهب عبوسا.
ويسمع صرخة الصخرة المستدعية المستعدية لأعدائها على اعدائها، واجابة دعائها وتلبية ندائها، واطلاع زهر المصابيح في سمائها. وإعادة الإيمان الغريب منها إلى وطنه، ورده إلى سكونه وسكنه. وإقصاء الذين أقصاهم الله بلعنته من الأقصى، وجذب قياد فتحه الذي استعصى. وإسكات الناقوس منه بانطلاق الآذان، وكف
كف الكفر عنه بإيمان
[ ٦٦ ]
الإيمان. وتطهيره من أنجاس تلك الأجناس، وأدناس أدنى الناس. وإفحام الأفهام بإخراس الأجراس.
وطار الخبر إلى القدس فطارت قلوب من به رعبا وطاشت، وخفقت أفئدتهم خوفا من جيش الإسلام وجاشت، وتمنت الفرنج لما شاعت الأخبار إنها ما عاشت. وكان به من مقدمي الإفرنج (باليان بن بارزان) و(البطرك الأعظم) ومن كلا الطائفتين الاسبتارية والداوية المقدم. فاشتغل بال باليان واشتعل بالنيران، وخمدت نار بطر البطرك. وضاقت بالقوم منازلهم فكأن كل دار منها شرك للمشرك. وقاموا بالتدبير في مقام الادبار، وتقسمت أفكار الكفار. وأيس الفرنج من الفرج، وأجمعوا على بذل المهج.