ولما خلصت تلك الممالك والأعمال؛ وقلصت من الضلال تلك الظلال؛ وصفت الممالك؛ ووفت المدارك؛ أوعز السلطان إلى ابن أخيه الملك المظفر (عمر بن شاهنشاه تقي الدين) بقصد حصن تبنين، وأن يتوكل على الله فيه ويستعين. فألقى عليه جران باسه، ولقي بالتذليل حران ناسه، وأخذ في مضايقته بأنفاسه، ولمح ما لمع من قبس فشغف باقتباسه. وسنح له قنصه فاشرأب باقتناصه وافتراسه.
وكتب إلى السلطان يبعثه على الوصول إليه بعسكره، والنهوض نحوه بأبيضه وأسمره. فضرب الكوس وسمت النفوس. وأنارت في ظلام القتام من الترك والتراءك الأقمار والشموس، واشتعلت من شيب البيارق في شعاع تلك البوارق الرءوس. وتحرك السواد كمهيل النقا، واشتبك على الآساد غيل القنا. وسالت الأودية بالسابحات العتاق، وطالت على السير أعناق الأعناق. ومالت إلى الرقاب الغلاظ من أهل الكفر رقاب الرقاق. (وجرت الفجاج، وجرت الزجاج وتموجت الأفواج، وتفوجت الأمواج). وتحركت غدران السوابغ من رياح السوابق، وتدركت ضوامن الضوامر بالافاد في أرداف الحق اللاحق؛ وأسفر من بريق البيض والبيض فلق الفيالق.
وترنمت الصواهل، وترنحت الذوابل، وساح الساحل، وراح الراحل، ووصلنا إلى (تبنين) في ثلاث مراحل. فرمينا أهل التثليث فيها بثالثة الأثافي، وأوطاناهم بشفاه الشفار على حدود الاشافي. ونزلنا عليها بالنوازل. وبسطنا من المجانيق عليها أيدي الغوائل. فتبلدوا من الرعب، وتجلدوا على الحرب. ثم خاروا وحاروا، وجاروا ورغبوا ورهبوا، وصحوا من سكر الجماح وأصحبوا. وعجزوا فجزعوا، وفزهم الحصر وفزعوا. وشكوا الندوب وندبوا، فدانوا ودنوا. وأذعنوا إذ عنوا، واعتذروا مما جنوا.
وراسلوا السلطان، وسألوا الإمام. واستمهلوا خمسة أيام لينزلوا بأموالهم فأمهلوا. وبذلوا رهائن من مقدميهم ووفوا بما بذلوا. واقلع من بالقلعة عن الجهلة، وتعلق لبت العلق بالمهلة. وتقربوا بإطلاق الاسارى المسلمين. وترقبوا انقضاء المهلة لسلامة المسلمين. فخرج المأسورون مسرورون، وأصبح الصحب المكسورون مجبورين. محبوين بالفرج بعد الشدة محبورين.
وسر بهم السلطان وسربهم، وأقرهم
[ ٥٨ ]
وقربهم. وكساهم وحباهم، وآتاهم بعد ردهم إلى مغانيهم غناهم. وهذا دأبه في كل بلد بفتحه، وملك يربحه، إنه يبدأ بالأسارى فيفك قيودها، ويعيد بعد عدمها وجودها، ويحيي بعد اليأس آمالها. ويوسع أرزاقها بعدما أجال عليها ضيق الأسر آجالها. فخلص تلك السنة من الأسر أكثر عشرين ألف أسير للقيود ألف، ووقع في أسرنا من الكفار مائة ألف.
ولما خلوا القلعة وأخلوا البقعة؛ سيرهم ومعهم من العسكر المنصور من أوصلهم إلى صور ورتب في الموضع مملوكه (سنقر الدووي)، فأرشد به ذلك الصقع الغوى. فإن أعمال جبل عاملة مجبولة على الشر، وأهلها وأن كانوا مسلمين كانوا أعوانا لأهل الكفر، فوصى سنقر بتأنيس النافر، وتعكيس الكافر. وتأليف الجافل، وتعريف الجاهل. وقال له تبنى بتبنين ما هدم بالمنجنيق، وتجد لسورها وخندقها
كل ما يمكن من التوثيق والتعميق، ورحل ومعه رفيق التوفيق. وكان النزول على تبنين، يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى، وتسلمها يوم الأحد الثامن عشر منه.
فتح صيداء