قد تقدمت خدمة الخادم بما قدمه من امتثال المثال، وأداة من فرض الإعظام والإجلال. وقام به من الأمر الذي قام به أمر الدين والدنيا، وبادر إليه من استثمار طاعته التي دامت لها من نعمة الدار العزيزة في إزكاء مغارسها السقيا. وحل حبا الحب لما حل من حبائها، وعقد خنصر النصر لعزائمه على ما اعتقده من ولائها، وجمع شمل السعادة الشاملة بما جمع أمره جمع أمره من اسعادها، واستجد عهد الجد المورق المونق بما جاد ثراه من ثرات عهادها، ونهض من الملك بتقديم ما قدمه على الملوك الناهضين. وأبرم من عقد عبوديته الكاملة ما تقاصر عنه تطاول الناقصين. ووفق لما وافق المراضي الشريفة بما حاز من شرف الرضى، واقتضى دين الدين الثابت وثبت على الوفاء في استيفائه بما قضى. وسبق إلى ما سبق به جواد صدقه في جواد قصده، وافتتح فريضة طاعته في حلاوة عبوديته بتلاوة فاتحة حمده، وانتهى إلى نهاية النهى، وأطاع
[ ١٥١ ]
ما أطاق فيما أمر الله به
ونهى. وما وضع الكتاب من يده حتى رفع بالدعاء يده، وسأل الله لمولانا وسيدنا أمير المؤمنين وافد النصر ومدده. وأن يعضده بولده ولى عهده المطاع بأمر الله عدة الدنيا والدين، ويقربه عيون المسلمين. فقد فاضت البركات، وآضت الحسنات، وأضاءت الكرامات، وراضت جماح الأماني المبرات المبرات، وهاضت جناح الكفر الفتكات المرديات. وعمت الميامن، وتمت المحاسن ونمت ونمت النعم الظواهر والبواطن، وضمت بسكون الدهماء أهلها المعاهد والمواطن. وصدحت المنابر، وصدقت المفاخر، وصدعت الأوامر، وصدفت الفواتر وصدمت قلوب أهل النفاق من بواعث الرعب البواعث البوادر. ونقشت صفحات الدرهم والدينار، ونعشت عثرات الأخيار الأحرار، وفرشت مفوقات الأنواء والأنوار. وعرشت أسرة المبار والمسار، ورفعت رغبات الأبرار، وسمعت دعوات الأسحار.
ونزل النصر، وفضل العصر، ووجب الشكر، وشجب الكفر، ورحب الصدر، وأصحب الدهر. وسحت سماء السماح، وصح ارواء الأرواح، وتضوع نشر الانشراح، وتوضح صباح الصلاح، وطال جناح النجاح وطاب جنى الأفراح.
وعظم القدر، ونظم الأمر، وحسن الذكر، وأمن الذعر. واهتزت أعطاف الإسلام، واعتزت أطراف الشام، وتبلجت أيامن الأيام، وتروجت أماني الأنام. وأرجت أرجاء الرجال. وثبتت بأسناء الإسناد رواية أمالي ري الآمال. وقرت الأعين وابتهجت بالسعد الطالع، وأقرت الألسن والتهجت بالحمد الجامع، وقرت الأنفس وانتهجت بوسعها سنن العز الواسع، ونابت هذه الموارد العذبة المشارب، الصافية المشارع، في نقع الاوام ونفع الأنام مناب المنابع. وأدخلت السير وسيرت التواريخ، وحلقت ملطفات البشائر ليوجب تفخيمها وتضخيمها التضميخ.
وأشرق المغرب من بشر البشرى، وأنارت مصر من حسن هذه الحسنى وبسمت
بسمة الشرف منابر الأقاصي والأداني موافقة لمنبر المسجد الأقصى. وتطرزت الفتوحات الفاضل عصرها الشامل نصرها بهذا المذهب المذهب، وفاحت في مهاب المحاب نفحات هذا الزمن الأطهر الأطيب. وعاد الزمان إلى اعتداله وعاذ العدل بزمانه، وتاب الدهر من عدوانه، وآب إلى إحسانه، ورجع الدين إلى سناء سلطانه، وفجع الكفر بعبدة صلبانه، وبطش الإيمان بإيمانه، واستخلص من الشرك بلدانه بلدانه.
وتقاضى الربيع بقروضه، وضافت ضيوف فيوضه، وعتب العزم على ربوضه، وحض الحظ على نهوضه. وحث الحب على إقامة سنن الجهاد وفروضه. فقد درت أفاويق الآفاق. وذرت أشعة الإشراق، وافترت نضرة الحدائق لنظرة الإحداق؛ وراقت أوراق الأولوية كالتواء الأوراق، وأزهرت البيض والسمر كأزهار الرياض، وأنف غرار الجفون في الأغماد من الإغماض.
وتيقظت الأقدار للأقدار على إيقاظ عيون
[ ١٥٢ ]
البيض لإجراء دم الشرك المطلول، وتنزل البركات في انتجاع المراق من نجيع المارقين لإنزال نص النصر على النصل المسلول، وقد آن أن ترعى الحشاشات منهم على رعى الحشيش، ويطير إلى أوكار المقل طير السهم المريش، وترتع ثعالب العوامل في عشب الكلى، ويطن ذباب المناصل في لوح الطلى، وترن رقاق المرهفات في الرقاب رنين الخطب على الأعواد، وتذوب قلوب علوج الكفر من نار الرعب ذوب الثلوج على رؤوس الاطراد، وتحمل أشجار القنا بثمر الهام، ويجيش الفضاء المعشب بزهر الجيش اللهام، ويقطف ورد الموت الأحمر من ورق الحديد الأخضر، ويوقف حد الهندي الأبيض على قصر بني الأصفر. ويجرى في ورد الوريد جداول البواتر، وترمى من الحصن العاديات إلى حصون العدا جنادل الحولفر، وتكفل بما وعد الله من الظفر الظاهر، والظهور المضافر، وضوامن الضوامر، وتتلى عقبان رايات
الفتح والكسر من عقبان الجو بالفتخ الكواسر، ويعبق ثوب الدارع من ردع الثواب بسهك الماذي وتعلق في ملتقى التقى الفات السمهري، بلامات السابري.
ويظهر الحق بخذلان الباطل، ويحل بأيدي الأيد ما بقى مع الفرنج من معاقل المعاقل، ويغرق بحر المجر الجرار ما تخلف من ساحات الساحل. فلم يبق به من المدن المنيعة إلا صور وطرابلس، ومعالم الكفر بهما في هذه السنة المحسنة بعون الله تدرس. وأما إنطاكية فإنها بالعراء منبوذة، وعند الاتجاه إليها مأخوذة، وعلى أنها بوقم قومها عام أول موثوذة، وحدوه العزائم إليها عند انقضاء هدنتها مشحوذة. فإنها قد نقضت من أطرافها، ودخل عليها من أكنافها، وجدعت بفتح حصونها عرانينها. وضيق على أسدها وسيدانها المحصورة المحشورة فيها عرينها، فهي نهزة المفترص، وطعمة لمقتنص، وسلعة لمسترخص، وبلغة لمستفحص.
وقد خرج الخادم ليدخل البلاد، ويستأنف بجهده الجهاد، ويستقبل الربيع بريع الاقبال، ويستنزل ملائكة النصر من سماء الرحمة لأوقات النزال، وهو ببركة هذه الأيام الزاهرة من الله أن ينجد جند أرضه بجند سمائه، ويوفق الخادم لتصديق أمله في تطهير الأرض من أنجاس أجناس المشركين بدمائهم وتحقيق رجائه. فالجحافل حافلة، وأسراب الكفر بين يديها جافلة، ومعاطف الإسلام في لباس البأس رافلة، ونصرة الله بإنجاز عداته في قمع عداته كافلة.
والحمد لله الذي وفق عبد مولانا أمير المؤمنين في طاعته لنصر أمره، وإخلاص الولاء له في سره وجهره، واقتناء كل منقبة حقق بها فضل عصره، وابتكار كل فضيلة سار بها حسن ذكره. فما يفتح مرتجا إلا بتقليدها، ولا يستنجح مرتجى إلا بتأييدها.
[ ١٥٣ ]