نسأل الله من الحمد ما يبلغ قضاء حقه (وإن حقه لعظيم). ومن الرشد ما يكتب سلامة نياتنا في الطريق إلى كرمه وإنه لكريم. ونشكر بسر القلب وجهر اللسان إحسانه إلينا بأنهما حادث وقديم. ونستزيده ونستديمه نعمه ولن يخيب على الشكر والرضا مستزيد ومستديم. ونستعين به على الدهر وقد فعل (فإذا الذي بيننا وبينه) عداوة ولي حميم. والحمد الله الذي بدأ بنعمه متطولا، وبمزيده متفضلا، وعلمنا شكر فضله الموفور، وقبل منا عفو خواطرنا المنزور. فلا يكلفنا من الشكر فوق الطاقة، ولا يطلع من النعم الطليعة إلا وراءها من المزيد الساقة. وقد وصف المشكور منه نفسه بأنه شاكر عليم. فرب غافل منا عن الشكر ما غفل عنه فضله العظيم. فلا عد منا ينتاب منتابه راجيا وداعيا، ومستيقظا وساهيا، وصامتا ومتقاضيا، لنا منه على كل حال من مواهب ربما عطل عنها لسان شكرنا، وضمير ذكرنا، وباتت سارية إلينا لا طيفا بل حقيقة على نوم فكرنا. ثم أن الله (تعالى) سامحنا في حقه من الشكر فقبله من عيينا وبليغا، ومتجرعنا ومسيغنا، فتارة يقبله ضميرا مجمجما. وتارة يحيط به قولا ومرة يعلمه نظرا من قلب ينفذ نور الذكر من ظلمات ضلوعه، ومرة يسمعه همسا من لسان يناجي ملكه بنغمات مسموعه، وكيف لا يعلم السر وأخفى من بعينه مسارحه، وكيف لا يعلم الغيب من عنده مفاتحه.
ونرغب إليه في أن يحمل عنا حق نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإنا لا نرضى بعفو استحقاقه من الوصف جهدنا، فنصل إليه صلاتنا ونؤدي إليه ودنا، ونعظم موقعه حين كان منه قاب قوسين أو أدنى. ونشكره على أن فتح علينا الدار التي كانت إلى الله طريقه ليلة أسرى به. فانبعث ﷺ سهما فكان كقاب قوسين في اقترابه. ما كذب الفؤاد، ولا خاب المراد، ولا صدق المراد. وأين من أخبر عنه إنه رآه بالأفق الأعلى ممن امتن عليه بأنك (بالوادي المقدس
طوى).
فمن كان في روض القرآن يسرح، فرق بين المنزلتين من (رب اشرح) و(ألم نشرح) ونصلي على رسول الله وأصحابه (ولاة الحق. وقضاة الخلق ورتقة الفتق، وغرر السبق، وألسنة الفرق، وفتحة الغرب والشرق.
منهم من رد ردة العرب عن إسلامها. ومنهم من استنزل أرجل
[ ٣٤ ]
العجم عن أسرتها وتيجانها عن هامها. وأخمد عبدة نيرانه أن يطعموها حطبا ولو وصلت إليهم لأكلتهم، وأخمد عبدة أوثانه عن أن يقعوا لها سجدا ولو وقعت عليهم لقتلتهم. ومنهم من أنفق في سبيل الله وجهز، ومنهم من قتل أعداء الله فأجهز. ومنهم الأشداء على الكفار، ومنهم الأسداء إذا زاغت الأبصار. ومنهم الساجدون الراكعون، ومنهم السابقون ومنهم التابعون. ومنهم نحن أهل الزمن الآخر، وقد سلم علينا سلام الله عليه في زمنه الحاضر. وسمانا إخوانا واشتاق إلى أن يلقانا. فنحن الآن إنما نرد عليه تحيته والبادئ أكرم، وإنما نرجو شفاعته بالمودة التي قدمها والفضل للأقدم.
هذا كتاب فيه بين الأدباء الذين يتطلعون إلى الغرر المتجلية، وبين المستخبرين الذين يسترفون إلى السير المتحلية. يأخذ (الفريقان منه) (على قدر القرائح والعقول، ويكون حظ المستخبر أن يسمع والأديب أن يقول. فإن فيه من الألفاظ ما صار معدنا من معادن الجواهر التي نولدها، ومن غرائب الوقائع ما صار به لسانا من السنة العجائب التي نوردها.
وإنما بدأنا بالتاريخ به لاستقبال سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة لأن التواريخ معتادها إما أن تكون مستفتحة من بدء نشأة البشر الأولى. وإما مستفتحة بمعقب من الدول الأخرى. فلا أمة من الأمم ذوات الملل؛ وذوات الدول، إلا ولهم تاريخ يرجعون إليه، ويعولون عليه. ينقله خلفها عن سلفها، وحاضرها عن غابرها.
وتقيد به شوارد الأيام، وتنصب به معالم الأعلام.
وأولا ذلك لانقطعت الوصل، وجهلت الدول ومات في أيام الأخر ذكر الأول. ولم يعلم الناس انهم لعرق الثرى، وأنهم نطف في ظلمات الأصلاب طويلة السرى. وأن أعمارهم مبتدأة من العهد الذي تقادم لآدم. وقد أخذ ربك من نبي آدم من ظهورهم ذرياتهم لما أراده من ظهورهم.
(ليعلم المرء) قبل انقضاء عمره؛ وقبل نزول قبره؛ ما استبعده أهل الطي من حقيقة النشر، وتقبل في واحدة من الأطوار شهادة عشر، فقد قطع عمرا بعد عمر، وسار دهرا بعد دهر، وثوى وأنشر في ألف قبر، وإنما كان من الظهور في ليل إلى أن وصل من العيون إلى فجر.
ولولا التاريخ لضاعت مساعي أهل السياسات الفاضلة، ولم تكن المدائح بينهم وبين المذام هي الفاصلة. ولقل الاعتبار بمسالمة العواقب وعقوبتها، وجهل ما وراء صعوبة الأيام من سهولتها، وما وراء سهولتها من صعوبتها.
فأرخ بنو آدم بيومه، وكان أول من اشترى الموت نفسه، وقام النزع مقام سومه، ثم أرخ الأولون بالطوفان الذي بلل الأرض وأغرقها، ثم بالعام الذي بلبل الألسن وفرقها، وأرخت الفرس أربعة تواريخ لأربع طبقات من ملوكها أولها كلشاه ومعنى هذا الاسم ملك الطين، فإليه ترجع الفرس بأنسابها. وعليه ينسق عقد حسابها. وهي
[ ٣٥ ]
الآن تؤرخ بيزدجرد آخر ملوكها. وهو الذي بزه الإسلام تاج إيوانه. وأطفأ نور الله بيت نيرانه. وأرخ اليونان من فيلبس أبي الاسكندر وإلى قلوبطرة آخرهم؛ وهؤلاء المسمون بالحنفاء وهم الصابئون. وأرخ الروم بالاسكندر لعظم خطره، وشهرة أثره. وأرخ النبط - بالعراق - والقبط - بمصر - بتواريخ موجودة في الكتب التي خلدوها، والأزياج التي رصدوها. وأرخ اليهود بأنيابهم وخلفائهم، وبعمارة البيت المقدس وبخرابه على ما اقتضاه نقل أوائلهم وآبائهم.
وكانت العرب قبل ظهور الإسلام تؤرخ بتواريخ كثيرة، فكانت حمير تؤرخ بالتبابعة ممن يلقب بـ ذو ويسمى بـ قيل وكانت غسان تؤخ بعام السد حين أرسل الله عرم السيل. وأرخت العرب اليمانية بظهور الحبشة على اليمن ثم بغلبة الفرس عليه. وأرخت معد بغلبة جرهم للعماليق وإخراجهم عن الحرم. ثم أرخوا بعام الفساد - وهو عام وقع فيه بين قبائل العرب تنازع في الديار فنقلوا منها، وافترقوا عنها. ثم أرخوا بحرب بكر وتغلب - ابني وائل - وهي حرب البسوس. ثم أرخوا بحرب عبس وذبيان - ابني يغيض - وهي حرب داحس والغبراء، وكانت قبل البعث بستين سنة. ثم أرخوا بعام الخنان. قال النابغة الذبياني.
فمن يك سائلا عني فإني من الفتيان في عام الخنان
وأرخوا بعده من مشاهير أيامهم وأعوامهم بعام المخانق، وعام الذنائب، ويوم ذي قار، وبحرب الفجار، وهي أربع حروب ذكرها المؤرخون، واسندها الراوون. وأدنى ما أرخوا به قبل الإسلام بحلف الفضول منصرف قريش من الفجار الرابع. وبحلف المطيبين - وهو قبل حلف الفضول. ثم قبل حلف الفضول. ثم بعام الفيل وهو الجار ذو القربى لتاريخ الإسلام. وبعده خرج إمام الجمعة فطويت الصحف وجفت الأقلام.
وأظهر الله على الأديان الدين القيم، ونسخ تاريخ الهجرة كل تاريخ متقدم، فأمن وقوع الخلف الواقع في تواريخ الامم، وجبت الهجرة ما قبلها جب الأنوار للظلم. ودفع الله الناس بعضهم ببعض، واستدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. وسأل الله عباده على يد وكيل حقه من الأموال والأنفس ما يعيده إليهم مضاعفا من القرض.
ووقت هذه الهجرة الوقت الذي أمر به أمر الإسلام، ويومها اليوم الذي ما ولدت الليالي مثله من بنيها الأيام، وعامها الخاص بالفضل وكل ما بعده يعد من عوام الأعوام.
[ ٣٦ ]
وأنا أرخت بهجرة ثانية تشهد للهجرة الأولى بأن أمدها بالقيامة معذوق، وبأن موعدها الموعد الصحيح غير المدفوع والصريح غير الممذوق، وهذه الهجرة هي هجرة الإسلام إلى البيت المقدس، وقائمها السلطان صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب. وعلى عامها يحسن أن يبني التاريخ وينسق، وتسفر عن أهلتها دآدئ المداد وتنشق، وهي وأن كانت هجرة الإسلام إلى القدس ثانية؛ فقد كان انثنى عن وطنه منها لما ثنته يد الكفر ثانية.
وهذه الهجرة أبقى الهجرتين، وهذه الكرة بقوة الله أبقى الكرتين. فإن العرب كانت إذا تناهت في وصف الرجل بالقوة قالت (كأنه كسر ثم جبر). والحق أن نقول: إن أطول الحياتين حياة المرء إذا مات ثم نشر. والعيان يشهد أن أمنع السوءين ما عمر بعد أن ثغر، والفرق بين فتوح الشام في هذا العصر وبين فتوحه في أول الأمر فرق يتبين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
فإن الشام فتح أول والعهد بالرسول ﷺ غير بعيد، والوحي ما كاد يتعطل في طريقه من السماء إلى الأرض بربد، والعيون التي شاهدت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسل سيوفها من أجفانها، والقلوب التي شهدت مواقف معجزاته أوثق بخبره في الفتح منها بعيانها. ورسل عالم الغيب إلى عالم الشهادة بالآيات المؤتلفة مختلفة، ونجدات السماء إلى الأرض متصلة بالملائكة منزلة ومسومة ومردفة.
وقد أخبرهم سيدنا وسيدهم أن الأرض زويت له مشارقها ومغاربها. وأنه سيبلغ ملك أمته المثوبة المرحومة ما ضمت عليه جوانبها. والروم حينئذ بغاث ما استتر، والفرس يومئذ رخم ما استبصر، والحديد ما تنوعت اشكاله الرائعة، ولا طبعت سيوفه هذه القاطعة، ولا نسجت ثيابه هذه المانعة. والبروج لا تعرف إلا مشيدة لا
مجلدة، والمنجنيقات لا يتوثب ما يتوثب اليوم من خشبها المسندة. والأقران لا تتراجم بالنيران المذكاة، والاسوار لا تتناطح بالكباش المشلاة.
وبصائر السلف الصالح رضوان الله عليهم يقاتل بها لو كانوا عزلا، والواحد منهم يسوق العشرة كما يساقون إلى الموقف حفاة غرلا، وكانوا أحرص على الموت منا على البقاء، وكان شوقهم إلى لقاء الله باعثهم على لقاء الأعداء بذلك اللقاء.
والشام الآن قد فتح حيث الإسلام قد وهن العظم منه واشتعل الرأس شيبا، وهريق شبابه، واستشن أديمه، وقد عاد غريبا كما بدأ غريبا، وقد طلع شرف الستمائة وهي للملك المعترك، وكثرت معاثره بما نصب الشرك من الشرك، وأخلق الجديدان ثوبه وكان القشيب، وذوي غصنه وكان الرطيب، ونصلت كفه وكانت الحضيب.
وطال الأمد على القلوب فقست، ورانت الفتن على البصائر فطمست. وعرض هذا الأدنى قد أعمى وأصم حبه، ومتاع هذه الحياة القليل قد شغل عن الحظ الجزيل في
[ ٣٧ ]
الآخرة كسبه. والكفار قد خشنت عرائكهم واتسعت ممالكهم، واستبصروا في الضلال، واستبضعوا للقتال، وخرجوا من ديارهم يخطبون غاشية الموت، ونفروا من وراء البحر يطلبون أمامهم من البرناشية الصوت.
وقاتلوا جندا ورعية، واستباحوا الأنفس متورعين فلا ترى أعجب من أن ترى استباحة ورعية (وزين لهم الشيطان ما كانوا يعلمون) وأمدهم في طغيانهم يعمهون، ورفعوا التكليفات فلا ينزع الحديد لوضوء ولا مسح، واستشعروا لبوس البوس فلم يلبسوا وجها إلا مزرور الشفاه على القلوب بلا شر ولا مزح. شقرا كأنما لفحت النار وجوههم (وهم فيها كالحون)، زرقا كأنما عيونهم من حديدهم فهم بقلوبهم وعيونهم يكافحون، قد نزع الله الرقة من قلوبهم، ونقلها إلى غروبهم، وعذب بهم لما يريده من تعذيبهم، واشتعلت نار جهلهم في فحم ذنوبهم، تستعيذ
المردة من مردتهم ويدعى للنار بالعون على الاطلاع على أفئدتهم.
فظاظ غلاظ، جهنميون كلامهم شرر وأنفاسهم شواظ، (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أولئك هم الغافلون). خلق الله الخلق من طين وخلقهم من حجارة، فهم المكنى عنهم بوقود جهنم حين قال (وقودها الناس والحجارة). وإلا فالحجارة لا تستحق الوقود، إلا أن يراد بها القلوب التي هي كالجلمود في الجمود.
ومضت ملوك الإسلام، ومضت أيامهم كالبارق وأن لم يخلع الإظلام، وزادت أيامهم الأيام خيالا فتنازع الناس طرائف الأحلام. وحابوا هذا العدو الكافر فما اثروا فيهم، وكانوا محاربين كمسالمين وبذلوا جهدهم فلا تقول أنهم مظلومون بالعجز وما نسميهم ظالمين.
اللهم غفرا (لكل أجل كتاب) و(كل يوم هو في شأن) ولكل مقدور أجل، ولكل ما خلق له تيسير. ولكل ما تقدم الكتاب الموقوت تأخير، والأيام تمخض وتمطل بالزبدة، والسور تتلى إلى أن تأتي بالسجدة، والناس يريدون الخروج ولكن ما اعدوا له عدة، والعذر على كل لسان لكل قوم مدة.
إذا عجزوا قالوا مقادير قدرت وما العجز إلا ما تجر المقادير
وأبى الله من يقبل عذرا صحيحا، وكفى بلفظة النبوة لوما صريحا.
فلما أراد الله الساعة التي جلاها لوقتها؛ وأظهر الآية التي لا أخت له؛ فنقول: فهي أكبر من أختها؛ أفضت الليلة الماطلة إلى فجرها، ووصلت الدنيا الحامل إلى تمام شهرها. وجاءت بواحدها الذي تضاف إليه الأعداد، ومالكها الذي له السماء خيمة والحبك أطناب والأرض بساط والجبال اوتاد، والشمس دينار والقطر دراهم والأفلاك خدم والنجوم أولاد (صلاح الدنيا والدين). ومهما دعونا له فإن الله قد سبق إليه كونا، ورأينا بين منانا
[ ٣٨ ]
وبين كرمه بونا. فهو سبحانه اكرم بالنوال منا
بالسؤال. والكريم بكرم الله مجزى، والساكت عن الدعاء له مكفى.
فإن قلنا: أحسن الله إليه: فقد قال (وإنا لا نضيع أجر من أحسن عملا). وإن قلنا: جزاه الله بالإحسان: فقد قال (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) وإن قلنا: هداه الله سبيله: فقد قال (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا): وأن قلنا: لا ضيع الله عمله: فقد قال (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل). وإن قلنا: لا جعل الله لدهر عليه سبيلا: فقد قال (ما على المحسنين من سبيل). وأن قلنا: زاده الله هدى: فقد قال (والذين اعتدوا زادهم هدى)
كل مسئول سائل في معاليه قد كمل
لا يسل منه سائل سبق الجود ما سأل
ولتُصحَّح تأملا تجد الله قد فعل
ونعود إلى ذكره - أعز الله ذكره - فجاد إلى أن لم يبق مال ولا أمل، وجاهد إلى أن لم يبق سيف ولا قلل (فلا كفتح على يديه فتح) وما هو فتح واحد؛ ما هو إلا فتحان: فتح والدم ذائب، وفتح والذهب جامد. فما البلاد التي جمعها فاتحا، بأغرب من البلاد التي فرقها مانحا. فقد استوعب بأسه أكثر مما ولدت المعادن حديدا، وزاد لأنه ضرب بالسيوف التي كسرها (مدى ومنالا) ثم ضربها، واستوعب جوده ما ولدت المعادن ذهبا وزاد لأنه نقل إلى الأعداء ثمن سلع ثم نهبها فوهبها فكل معاد معادى إلا هذا المعاد. وكل مداد يكتب به أسود إلا هذا المداد. (أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون)، أما يرى الناس ما على وجه الصدق من قبول القرائح! وما على يد الجود من قبل المدائح.
الناس أكيس من أن يمدحوا ملكا ولم يروا عنده آثار إحسان
وأنا لنرجو أن نكون قد كتبنا بمدحه مع الصادقين الذين أمر الذين آمنوا أن يكونوا معهم. وأن نكون قد كتبنا مع المحسنين لأنا أحسنا وصفه إحسان الله إلى عبادة،
ولم يقطع بنا ما قطعهم. وأنا وأن كنا رعاياه لنرى أنفسنا ملوكا ونرى الملوك وهم له سوقة، وأن القلم في أيدينا لهتز طربا لذكره كأنه جان، وكأن السيف يشنع بأنه فروقه. ولسنا نسميه قصيرا وأن جدع أنفه. ولكنا نركبه كما ركب قصير العصا إلى وصف هذا السلطان ليدرك وصفه.
ونقول للقلم إذا فاخره السيف (أن شانئك هو الابتر) ونريد إذا أوردناه وصف مولانا بـ (إنا أعطيناك الكوثر).
[ ٣٩ ]
على أن هذا القلم يلزم الأدب لذكره - أعلاه الله - فينكس رأسه، ويقبل بين يديه كما يقبل حامله الأرض قرطاسه. ولست ببعيد في تقييد هذه المفاخر، وتشييد هذه المآثر من رجال الطعن والضرب الذين فتحوا بين يديه وأوجبوا الحق عليه، بل حقي من حقوقهم أوجه وأوجب، وقلمي من سيوفهم أضرى وأضرب، ومن رماحهم أخطى وأخطب، ومن سهامهم أنجى وأنجب، ومن قسيهم أكسى وأكسب، ومن جيادهم أسرى وأسرب. ومدارى من نقعهم أغلى وأغلب، وقرطاسي من راياتهم أجلى وأجلب. وسيوفهم قد أغمدت وجردت منه مالا يغمد ولا يعمد، وآثار السيف من الجراح قد رقأ دمها، وآثاري من الذكر لا تخمل ولا تخمد.
وما السيف أسوى ضربة من لسانيا
فكل أثر خبر به غيري يموت الخبر بموته، وينقطع صيت الأثر بانقطاع صوته، والذي أخبر أنا به عنه روض يزهو إذا أقلعت الأيام سحبت، ونجم يبدو إذا أفاض الشفق على فضة النجوم ذهبا، فهو قول يذكر وينسى كل فعل وفاعله، لا قول يؤثر مهما عاش اليوم عالمه ثم لا يأتي في غد إلا جاهله. فهذه الكتب تهب الأعمار الثانية. وتفاخر الألسنة القائلة بها الأيدي الكاتبة البانية.
فانظروا إلى إيوان كسرى وسينية البحتري في وصفه، تجدوا الإيوان قد خرت شعفاته، وعفرت شرفاته، وتجدوا سينية البحتري قد أبقى بها اسم كسرى في
ديوانه. أضعاف ما بقي شخصه في إيوانه، وإنما نراوح بين الأوصاف الغادية، ونناوب بين السمات السامية، للإشارة إلى من ينبه على مسماه، وينوه بسيماه.
فأما من يقول الله لاسمه أنت من معقبات حمدي ويقول الدهر لذكره أنت الباقي من بعدي فإنما يلزم الأدب بوصف فضله العظيم، ويرفع قدر القول بفضل وصفه الكريم.
ويسر الله هذه الفتوح وأنزل بها الملائكة والروح، في أيام سيدنا ومولانا الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين أبي العباس أحمد بن الإمام المستضيئ بالله أبي محمد الحسن بن الإمام المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن الإمام المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن الإمام المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن الإمام المقتدى بالله عبد الله بن الذخيرة محمد بن الإمام القائم بأمر الله عبد الله بن الإمام القادر بالله أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن الإمام المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن الإمام المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق بالله أبي أحمد طلحة بن الإمام المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن الإمام المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن الإمام الرشيد بالله أبي جعفر هارون بن الإمام المهدي بالله أبي عبد الله محمد بن الإمام المنصور أبي جعفر
[ ٤٠ ]
عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين والخلفاء الراشدين، وهي الأيام التي زواهر أيامها زواه، ومضاء مضاربها في القضاء مضاه.
فما اجلها فضلا وأفضلها جلالا، واقبلها جدا وأجدها إقبالا، وأقربها ندى ونوالا، وأبعدها مدى ومنالا وما أعلى سني مجدها، وأحلا جنى رفدها، وأفغم ريا رياض فضائلها. وأفعم حيا حياض فواضلها، وأسح سماء سماحها أمطارا، وأصح جناح نجاحها مطارا. والسلطان صلاح الدنيا والدين أبو المظفر يوسف بن أيوب ناصر دعوته وداعي نصرته، ووليه الطائع وسيفه القاطع، والمحكم بأمره، والمؤثر
بحكمه. فرأيت إبداء ميامن هذه الأيام الغر على الآباد بغرر الآداب، وقيدت شوارد معانيها، وسيرت محامد معاليها بهذا الكتاب، وأودعته من فوائد الكلام والفرائد الفذ والتوأم، در السحاب ودر السخاب.
وسميته الفتح القدسي تنبيها على جلالة قدره، وتنويها بدلالة فخره، وعرضته على القاضي الأجل الفاضل، وهو الذي في سوق فضله تعرض بضائع الفضائل. فقال لي: سمه (الفتح القسي في الفتح القدسي) فقد فتح الله عليك فيه بفصاحة قس وبلاغته، وصاغت صيغة بيانك فيه ما يعجز ذوو القدرة في البيان عن صياغته.
ولما كان هذا الفتح في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة بدأت بها، وأنشأت رياضي بسحبها، وما شهدت إلا بما شاهدته وشهدته، وما استمطرت الاعهاد العهد الذي عهدته، وما عنيت إلا بإيراد ما عاينته، ولا بنيت القاعدة إلا على أس ما تبينته قبينته، وما توخيت إلا الصدق، وما انتهيت إلا الحق، ولا ذكرت كلمة تسقط ولا اعتمدت إلا ما يرضي الله ولا يسخط. وبالله التوفيق والعصمة، وله الحمد ومنه النعمة.
[ ٤١ ]