ولما فرغ من شغل صيداء وتبنين؛ وجمع لهما التحصين والتحسين؛ قال لعصمة الله شيدي ما بصيداء وتبنين تبنين. وألحفيهما رداء الحماية فما يضيع ما تحفظين ولا يطرق ما تحمين، ثم صرف عنانه، وارهف سنانه. ورحل على سمت بيروت، مالئا بعسكره الآكام والمروت. وسار على الساحل، بتلك الجحافل. ببحر على البحر مائج، ومجر مجر إلى الهياج هائج، ونقد من عقد الجد رائج، وعزم على صدق القصد عائج.
ووصل اليها ونزل عليها. وبنيت القباب، وطفا على خضم المعسكر من الخيم الحباب، وضويق البلد، وفورق الجلد. وأحاط الرجال بأرجائه، ورجمت بشهب النصال شياطين الضلال في سمائه. وانقضت نجوم السهام من أبراجه، وتلاطم عباب ذلك الجمع الجم بأمواج أفواجه. وترجل دونه الناس، وتعجل نحوه الباس، واصطفت التراس، واشتد المراس. واحتد القتال، واحتدم النزال. وامتد المصاع والمصال.
واتصل خروج الجروخ للجروح، ودام احتراق الروح على اقتراح القروح. ومدت الجفاتي كأنها اعناق البخاتي. وأتى العاتي، وعتا الآتي، وأحمد النصر الموافي المواتي، ودارت كؤوس المنايا للأرواح بخذى وهاتي. وطارت القوارير، وثارت المساعير. واشتعل النفط، واشتغل الرهط. والتهم الزراق، والتهب الحراق. ومرق الشهم الكمي، مروق السهم من الرمى، وأتى الوادي فطم على القرى. ودبت الدبابة بليوث الرجال، وصبت الصبابة غيوث النبال، وارتجزت رواعد الأبطال، وانتجزت مواعد الآجال، وجالت في الضمائر ضوامر الاوجال، وهالت بالنوازل نوازي الأهوال.
ورعدت بوارق البوار، وأسعدت الأقدار بالإقدار. وشغلت الرقاب قواضي القواضب،
[ ٦٠ ]
وحملت العدد النواكب على المناكب. وخفت للأثقال أكتاف الفتاك، وهتكت ستائر السور فوهت إشراك الإشراك.
ودام القتال اياما، يتضاعف اصطلاء واصطلاما، ويتظاهر اضطرابا واضطراما. وبنات الحنايا هائجة، وأمات المنايا ناتجة. ورجمت بشهب النفاطات شياطين الداوية المردة، وتعادت الأسود العادية على أولئك القردة. حتى خرق الخندق وطرق، وعلق النقاب بالسور فنقب وعلق.
وكاد النقب يتسع، والبرج يقع. والجدار ينقض، والحجار بالحجار تنفض وترفض. وسوار السور ينكسر، وقناع النقع لا ينحسر.
وخرج من البلد رجال، إلى الموت عجال. وقفوا دون الباشورة مباشرين، ولمعاشر أصحابنا بمعاطات كؤوس المنون معاشرين. فلاقوا بسلام السلام. وكلام الكلام. وتصافحوا بالصفائح، وتجاروا بالجرائح وتواصلوا بالقواطع، وتعانقوا بالمقامع، وتصارعوا على المصارع. وتجلدوا وتجالدوا، وتواقحوا وتعاقروا وتقارعوا. والبيض يقد، والبيض تقد. والباسل يرد، والبأس يرد. والصقيل
الصادي يصدأ بالدم ويروى، وحزب الكفر يضعف وحزب الإسلام يقوى.
ثم انحصروا في البلد، وانحشروا على اللدد. وضافهم الرعب، وضاق بهم الرحب. وذلوا وخاروا، وضلوا وحاروا. ولما خاب المقاتلة وخذلوا، ظن أهل بيروت أن المسلمين دخلوا. فأجفلوا إلى البحر إذ عدموا سكينتهم، ليركبوا سفينتهم، ويخلوا مدينتهم.
فخرج أحد المقدمين يستدعى الامان، ويستعدى الإيمان. ويطلب مثالا يعصمهم، وذماما يحرمهم. وعهدا يسلمون به ويسلمهم، وعقدا في عقد الأمن ينظمهم. وكنت يومئذ في مرض قد أزعجني وأعجزني، ومضض أخفاني ولعيون العواد أبرزني. وانقطعت عن الحضور عند السلطان، وضعفت عن تحرير كتاب الأمان. فطلب السلطان كل كاتب في ديوانه. وكل من يمسك قلما من أفاضل الملك وأعيانه. فلم يرضه ما كتبوه، ولم يكفه ما رتبوه. فجاءني في تلك الحالة من استملاه مني، ومرضت أذهان الأصحاء ولم يمرض ذهني. فتسلم بيروت بخطى، وأصبحوا وأنا الآخذ والمعطي.
وكان الناس قد أنسوا لما أسطره وتزبره، وانسوا سوى ما أذكره وأجره. وألفوا الصحة فيه فألفوه، ولقوا السقم في غيره فانفوه. فلم يكن في ذلك التوقيع تعويق، بل كله بتوفيق من الله توثيق. فما فتح فتح إلا بمفتاحه ولا رتق فتق إلا بإصلاحه. ولا جلى ظلام إلا بإصباحه، ولا ورى زند إلا باقتداحه.
وكانت يومئذ جمرة الحر متوهجة، ووقدة القيظ متأججة. وضرم مرضى ملتهبا، وروح روحي منهبا. وبقيت مضطرا مضطربا، ولقيت من ذلك الوصب نصبا.
[ ٦١ ]
وحصلت من الإقامة أو السفر؛ على الخطر أو الحذر. وتعذر المقام لعذر السقام، واشتغلت عن آلاء شغلي بالآلام. وحملني اختلالي بنصبي على إخلالي بمنصبي. وعزت على مفارقة السلطان، وهو بإعزازي على مواصلة الإحسان. فمضيت
على مضض، وانصرفت بمضرة ومرض. وحملت إلى دمشق في محفة، وحصلت بفضل الله من طيب هوائها بعد الثقل بخفة. فتفضل الله بالشفاء، وبدل الكدر بالصفاء.
وعدت إلى السلطان يوم فتح القدس، وانتهت الوحشة إلى الأنس. وتسلم السلطان بيروت يوم الخميس التاسع والعشرين من جمادى الأولى مطاع الأمر، مشاع النصر، مذاع السر في تضوع النشر، وتوضح البشر. مستفيض السيادة، مستضيف الزبادة، ناجح الإرادة، راجح العباد. رابح المتجر، واضح المفخر. قد شب غرب الهدى، وجب راغب العدا. واستجدى من منّ الله منحا، واستجد باستفتاحه فتحا، واستفاد ملكا، واستزاد ملكا.
وبر بيروت إذ برت، وانبرى لبرى قوسها فأبرت، وقرر مصالحها ومناجحها فاستقرت، وحفلت له أخلاف الفتوحات فدرت. واستمرى صوب الصواب من عزائمه وصرائمه فاستمرت.
فتح جبيل