وسنحت له صيداء فتصدى لصيدها، وكانت همته في قيدها، وبادرها إشفاقا من مكر العداة وكيدها وسرْنا وسرّنا مرتاح، ونصرنا متاح، والجد جديد والمزاح مزاح. والعزم جزم، والحكم حتم. ونفحات الفتوح لمناشق أهل الهدى تفوح. ولفحات الردى لأعين العدا تلوح. ونص النصر قد تنزل، وقصد الصدق قد تعدل. وفكر الكفر قد توزع؛ وشرك الشرك قد تقطع وتقلع. وظل الظفر ضاف، وسر السرور غير خاف. والقدر عون والمعين قادر، والنظر سعيد والسعد ناظر. وأوجهنا وأوجه البشائر باشرة، ونيوب النوائب في أوجه المشركين كاشرة، والالسن لحديث الفتح الحديث ناشرة. وقد جفت أجفانها البواتر الواترة. وجلت دياجير النقع من لمعان الحديد السوافر الوافرة. واتصلت للممالك من الملائك إمداد النصرة المتواتية المتواترة.
ووصلنا في يومين إلى صيداء إلى منهل فتحها صادين، وعن حمى الحق دونها لأهل الباطل صادين. ولما نزلنا من الوعر إلى السهل سهل ما توعر، وصفا من الأمر ما ظن إنه تكدر. فصرفنا الأعنة إلى صرفند، وأسمنا في مسارحها الجند. وهي مدينة لطيفة على الساحل، مورودة المناهل. ذات بساتين، وأزهار ورياحين. وأشجار النارنج والاترنج تعرب مسراتها لجناتها عن أشجان الفرنج. فجسنا خلالها، وكل قلب مشغول خلالها. وراقتنا وشاقتنا تلك الحالة والحلية. وقرتنا بما اشتهينا من فواكهها تلك القرية.
[ ٥٩ ]
ولم نعرج حتى خيمنا على صيداء وقد حصلنا على صيدنا، وخلصنا من كيدنا،
وانطلقت همما من قيدها. فقد جاءت رسل صاحبها. بمفاتيحها، وأذهبنا ظلماتها من العزائم الغر بمصابيحها، وطلعت الراية الصفراء باليد البيضاء على سورها. وجلت غياهب تلك المذاهب بنورها، وفتحت ابوابها، وانجحت آرابها. وعز مسلموها، وذل مشركوها وسكن ساكنوها، وهلك أهلوها. وعادت معالمها مأهولة بعد أن كانت مقفرة مجهولة. وصدح منبرها، وصدق مفخرها. وربح متجرها، ووضح منظرها. وأقيمت بها الجمعة والجماعة، واستديمت بها بعد العصيان لله الطاعة.
فتح بيروت