ووصل (كتاب الصفي بن القابض) وهو يومئذ قد فوضت منه دمشق إلى الكافي الناهض. يتضمن أن (اوك) صاحب جبيل - أسر إليه في أسره، واستشاره في أمره - وقال له إن قنع مني بتسليم جبيل سلمت وسلمت وأبحتها لكم وتحرمت، وأخرجتها من عصمتي وخرجت واعتصمن. فأنا أطلقها إن أطلقت، وأزيلها من وثاقي إذا وثقت:، فأجيب باحترازه من كيده، وإحضاره في قيده. لأحضر في صفده، وسمح ببلده. فخلص ناجيا، وملص راجيا.
وملكت مدينة جبيل، وجرت عليها الفتوح الذيل. ونحن يومئذ على بيروت
حاضرون حاصرون، ولأعداء الله مصابرون مكابرون. وكان معظم أهل صيداء وبيروت وجبيل مسلمين مساكين، لمساكنة الفرنج مستسلمين. فذاقوا العزة بعد الذلة، وفاقوا الكثرة بعد القلة. وصدقت البشائر، وصدحت المنابر. وترنمت المحاريب، وترنحت المطاريب. وتليت الايات، وجليت الغيابات. وخرجت الكنائس وعمرت المدارس. وظهر عيب البيع، وشهر جميع الجمع. وقرئ القرآن، واستشاط الشيطان. ونطقت الأعواد، وحقت الأعياد. وخرصت النواقيس، وبطلت النواميس.
ورفع المسلمون رءوسهم، وعرفوا نفوسهم. وانتعشوا من شكاة عثارهم، وانتقشوا من شوكة عارهم، وقروا في ديارهم، وقروا أبصارا لأنصارهم. وكان من استأمن من الكفار، يمضي إلى صور محمى الذمار.
[ ٦٢ ]
وصارت عش غشهم، ووكر مكرهم، وملجأ طريدهم، ومنجى شريدهم، ومأمن خاشيهم، ومكمن عاشيهم. وهي التي فر القومص إليها يوم كسرتهم، بل يوم حسرتهم.