لم يمت عمر ﵁ حتى ملته قريش٣ وقد كان حصرهم بالمدينة فامتنع عليهم وقال: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد فإن كان الرجل ليستأذنه في الغزو - وهو ممن حبس بالمدينة من المهاجرين ولم يكن فعل ذلك بغيرهم من أهل مكة – فيقول: قد كان في غزوك مع رسول الله ﷺ ما يبلغك وخير لك من الغزو اليوم ألا ترى الدنيا ولا تراك فلما ولي عثمان خلى عنهم فاضطربوا في البلاد وانقطع إليهم الناس فكان أحب إليهم من عمر.
[و] لما ولي عثمان٤ حج سنواته كلها إلا آخر حجة وحج بأزواج رسول الله ﷺ كما كان يصنع عمر فكان عبد الرحمن بن عوف في موضعه وجعل في
_________________
(١) عن عمرو. عن الشعبي.
(٢) عن مبشر بن الفضيل، عن سالم بن عبد الله.
[ ٧٦ ]
موضع نفسه سعيد بن زيد هذا في مؤخر القطار وهذا في مقدمه وأمن الناس وكتب في الأمصار أن يوافيه العمال في كل موسم ومن يشكوهم وكتب إلى الناس إلى الأمصار أن ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ولا يذل المؤمن نفسه فإني مع الضعيف على القوي ما دام مظلوما إن شاء الله فكان الناس بذلك فجرى ذلك إلى أن اتخذه أقوام وسيلة إلى تفريق الأمة.
[و] لم تمض سنة١ من إمارة عثمان حتى اتخذ رجال من قريش أموالا في الأمصار وانقطع إليهم الناس وثبتوا سبع سنين كل قوم يحبون أن يلي صاحبهم ثم إن ابن السوداء أسلم وتكلم وقد فاضت الدنيا وطلعت الأحداث على يديه فاستطالوا عمر عثمان ﵁.
[وقد كان] أول منكر٢ ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا وانتهى وسع الناس طيران الحمام والرمي على الجلاهقات٣ فاستعمل عليهما عثمان رجلا من بني ليث سنة ثمان فقصها وكسر الجلاهقات.
[وهكذا فإن] أول من منع الحمام الطيارة٤ والجلاهقات عثمان ظهرت بالمدينة فأمر عليها رجلا فمنعهم منها.
[وفي رواية أخرى] ٥ زيادة: وحدث بين الناس النشو قال: فأرسل عثمان طائفا يطوف عليهم بالعصا فمنعهم من ذلك ثم اشتد ذلك فأفشى
_________________
(١) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٣٩٨.
(٢) عن عثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبيه.
(٣) الجلاهق: قوس البندق الذي يرمى به.
(٤) عن محمد بن عبد الله، عن عمرو بن شعيب.
(٥) عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد، عن أبيه.
[ ٧٧ ]
الحدود، ونبأ ذلك عثمان وشكاه إلى الناس فاجتمعوا على أن يجلدوا في النبيذ فأخذ نفر منهم فجلدوا.
[و] لما حدثت الأحداث١ بالمدينة خرج منها رجال إلى الأمصار مجاهدين وليدنوا من العرب فمنهم من أتى البصرة ومنهم من أتى الكوفة ومنهم من أتى الشام فهجموا جميعا من أبناء المهاجرين بالأمصار على مثل ما حدث في أبناء المدينة إلا ما كان من أبناء الشام، فرجعوا جميعا إلى المدينة إلا من كان بالشام فأخبروا عثمان بخبرهم فقام عثمان في الناس خطيبا فقال: يا أهل المدينة أنتم أصل الإسلام وإنما يفسد الناس بفسادكم ويصلحون بصلاحكم والله والله والله لا يبلغني عن أحد منكم حدث أحدثه إلا سيرته ألا فلا أعرفن احدا عرض دون أولئك بكلام ولا طلب فإن من كان قبلكم كانت تقطع أعضاؤهم دون أن يتكلم أحد منهم يما عليه ولا له وجعل عثمان لا يأخذ أحدا منهم على شر أو شهر سلاح - عصا فما فوقها - إلا سيره فضج آباؤهم من ذلك حتى بلغه أنهم يقولون: ما أحدث التسيير٢ إلا أن رسول الله ﷺ سير الحكم بن أبي العاص فقال: إن الحكم كان مكيا فسيره رسول الله ﷺ منها إلى الطائف ثم رده إلى بلده فرسول الله ﷺ سيره بذنبه ورسول الله ﷺ رده بعفوه وقد سير الخليفة من بعده وعمر ﵁ من بعد الخليفة وأيم الله لآخذن العفو من أخلاقكم ولأبذلنه لكم من خلقي وقد دنت امور ولا أحب أن تحل بنا وبكم وأنا على وجل وحذر فاحذروا واعتبروا.
_________________
(١) عن مبشر بن الفضيل، عن سالم بن عبد الله.
(٢) التسيير: هو النفي بالمعنى المعروف حاليا تقريبا.
[ ٧٨ ]
[وقد] سأل سائل سعيد بن المسيب١ عن محمد بن أبي حذيفة: ما دعاه إلى الخروج على عثمان؟ فقال: كان يتيما في حجر عثمان فكان عثمان والي أيتام اهل بيته ومحتمل كلهم فسأل عثمان العمل حين ولي فقال: يا بني لو كنت رضا ثم سألتني العمل لاستعملتك ولكن لست هناك فقال: فأذن لي فلأخرج فلأطلب ما يقوتني قال: اذهب حيث شئت وجهزه من عنده وحمله وأعطاه فلما وقع إلى مصر كان فيمن تغير عليه أن منعه الولاية قيل: فعمار ابن ياسر؟ قال: كان بينه وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب كلام فضربهما عثمان فأورث ذاك بين آل عمار وآل عتبة شرا حتى اليوم وكنى عما ضربا عليه وفيه.
قال مبشر٢: سألت سالم بن عبد الله عن محمد بن أبي بكر: ما دعاه إلى ركوب عثمان؟ فقال: الغضب والطمع قلت: ما الغضب والطمع؟ قال: كان من الإسلام بالمكان الذي هو به وغره أقوام فطمع وكانت له دالة فلزمه حق فأخذه عثمان من ظهره ولم يدهن فاجتمع هذا إلى هذا فصار مذمما بعد أن كان محمدا.
لما ولي عثمان لان لهم فانتزع الحقوق انتزاعا ولم يعطل حقا فأحبوه على لينه فأسلمهم ذلك إلى أمر الله ﷿.
[و] كان مما أحدث عثمان٣ فرضي به منه أنه ضرب رجلا في منازعة استخف فيها بالعباس بن عبد المطلب فقيل له فقال: نعم أيفخم
_________________
(١) عن عبد الله بن سعيد بن ثابت ويحي بن سعيد.
(٢) عن مبشر.
(٣) عن سهل، عن القاسم.
[ ٧٩ ]
رسول الله ﷺ عمه وأرخص في الاستخفاف به لقد خالف رسول الله ﷺ من فعل ذلك ومن رضي به منه.
قال حمران بن أبان١: أرسلني عثمان إلى العباس بعدما بويع فدعوته إليه فقال: مالك تعبدتني قال: لم أكن قط أحوج إليك مني اليوم قال: الزم خمسا لا تنازعك الأمة خزائنها ما لزمتها قال: وما هن؟ قال: الصبر عن القتل والتحبب والصفح والمداراة وكتمان السر.
[و] بلغ عثمان٢ أن ابن ذي الحبكة النهدي يعالج نيرنجا - قال محمد بن سلمة: إنما هو نيرج٣ - فأرسل إلى الوليد بن عقبة ليسأله عن ذلك فإن أقر به فأوجعه فدعا به فسأله فقال: إنما هو رفق وأمر يعجب منه فأمر به فعزر وأخبر الناس خبره وقرأ عليهم كتاب عثمان: إنه قد جد بكم فعليكم بالجد وإياكم والهزال فكان الناس عليه وتعجبوا من وقوف عثمان على مثل خبره فغضب فنفر في الذين نفروا فضرب معهم فكتب إلى عثمان فيه فلما سير إلى الشام من سير سير كعب بن ذي الحبكة ومالك بن عبد الله - وكان دينه كدينه - إلى دنباوند لأنها أرض سحرة فقال في ذلك كعب بن ذي الحبكة للوليد:
لعمري لئن طردتني ما إلى التي طمعت بها من سقطتي لسبيل
رجوت رجوعي يابن أروى ورجعتي إلى الحق دهرا غال ذلك غول
_________________
(١) عن رزيق بن عبد الله الرازي، عن علقمة بن مرئد.
(٢) عن محمد وطلحة، ط٤ – ٤٠١.
(٣) النيرج: أخذ كالسحر وليس به.
[ ٨٠ ]
وإن اغترابي في البلاد وجفوتي وشتمي في ذات الإله قليل
وإن دعائي كل يوم وليلة عليك بدنباوندكم لطويل
فلما ولي سعيد أقفله وأحسن إليه واستصلحه فكفره فلم يزدد إلا فسادا.
واستعار ضابيء بن الحارث البرهمي في زمان الوليد بن عقبة من قوم من الأنصار كلبا يدعى قرحان يصيد الظباء فحبسه عنهم فنافره الأنصاريون واستعانوا عليه بقومه فكاثروه فانتزعوه منه وردوه على الأنصار فهجاهم وقال في ذلك:
تحشم دوني وفد قرحان خطة تضل لها الوجناء وهي حسير
فباتوا شباعا ناعمين كأنما حباهم ببيت المرزبان أمير
فكلبكم لا تتركوا فهو أمكم فإن عقوق الأمهات كبير
فاستعدوا عليه عثمان فأرسل إليه فعزره وحبسه كما كان يصنع بالمسلمين فاستثقل ذلك فما زال في الحبس حتى مات فيه وقال في الفتك يعتذر إلى أصحابه:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني فعلت ووليت البكاء حلائله
وقائلة قد مات في السجن ضابيء ألا من لخصم لم يجد من يجادله
وقائلة لا يبعد الله ضائبا فنعم الفتى تخلو به وتحاوله
فذلك صار عمير بن ضابيء سبئيا.
عن المستنير عن أخيه قال١: والله ما علمت ولا سمعت بأحد غزا عثمان
_________________
(١) عن سيف عن المستنير، ط ٤ – ٤٠٣.
[ ٨١ ]
﵁ ولا ركب إليه إلا قتل لقد اجتمع بالكوفة نفر فيهم الأشتر وزيد بن صوحان وكعب بن ذي الحبكة وأبو زينب وأبو مورع وكميل بن زياد وعمير بن ضابيء فقالوا: لا والله لا يرفع رأس ما دام عثمان على الناس فقال عمير بن ضابيء وكميل بن زياد: نحن نقتله فركبا إلى المدينة فأما عمير فإنه نكل عنه وأما كميل بن زياد فإنه حسر وثاوره وكان جالسا يرصده حتى أتى عليه عثمان فوجأ عثمان وجهه (فوقع على أسته وقال: أوجعتني يا أمير المؤمنين! قال: أولست بفاتك؟ قال: لا والله الذي لا إله إلا هو فحلف وقد اجتمع عليه الناس فقالوا: نفتشه يا أمير المؤمنين فقال: لا قد رزق الله العافية ولا أشتهي أن اطلع منه غير ما قال. وقال: إن كان كما قلت يا كميل فاقتد مني - وجثا - فوالله ما حسبتك إلا تريدني وقال إن كنت صادقا فأجزل الله وإن كنت كاذبا فأذل الله وقعد له على قدميه وقال: دونك قال: قد تركت.
فبقيا حتى أكثر الناس في نجائهما فلما قدم الحجاج قال: من كان من بعث المهلب فليواف مكتبه ولا يجعل على نفسه سبيلا فقام إليه عمير وقال: إني شيخ ضعيف ولي إبنان قويان فأخرج احدهما مكاني أو كليهما فقال: من أنت؟ قال: أنا عمير بن ضابيء فقال: والله لقد عصيت الله ﷿ منذ أربعين سنة ووالله لأنكلن بك المسلمين غضبت لسارق الكلب ظالما إن أباك إذ غل لهم وإنك هممت ونكلت وإني اهم ثم لا أنكل فضربت عنقه.
قال سيف: حدثنا رجل من بني أسد قال: كان من حديثه أنه كان قد غزا عثمان ﵁ فيمن غزاه فلما قدم الحجاج ونادى بما نادى به عرض
[ ٨٢ ]
رجل عليه ما عوض نفسه فقبل منه فلما ولي قال أسماء بن خارجة: لقد كان شأن عمير مما يهمني قال: ومن عمير؟ قال: هذا الشيخ قال:
ذكرتني الطعن وكنت ناسيا١
أليس فيمن خرج إلى عثمان؟ قال: بلى قال: فهل بالكوفة أحد غيره؟ قال: نعم كميل قال: علي بعمير فضرب عنقه ودعا بكميل فهرب فأخذ النخع به فقال له الأسود بن الهيثم: ما تريد من شيخ قد كفاكه الكبر! فقال: أما والله لتحبسن عني لسانك أو لأحسن رأسك بالسيف قال: افعل فلما رأى كميل ما لقي قومه من الخوف وهم ألفا مقاتل قال: الموت خير من الخوف إذا أخيف ألفان من سبي وحرموا فخرج حتى أتى الحجاج فقال له الحجاج: أنت الذي أردت ثم لم يكشفك امير المؤمنين ولم ترض حتى أقعدته للقصاص إذ دفعك عن نفسه فقال: على أي ذلك تقتلني! تقتلني على عفوه أو على عافيتي؟ قال: يا أدهم بن المحرز اقتله؛ قال: والاجر بيني وبينك؟ قال: نعم قال أدهم: بل الأجر لك وما كان من إثم فعلي وقال مالك بن عبد الله - وكان من المسيرين:
مضت لابن أروى في كميل ظلامة عفاها له والمستقيد يلام
وقال له لا أقبح اليوم مثله عليك أبا عمرو وأنت إمام
رويدك رأسي والذي نسكت له قريش بنا على الكبير حرام
_________________
(١) مثل تستعمله العرب.
[ ٨٣ ]
وللعفو أمن تعرف الناس فضله وليس علينا في القصاص أثام
ولو علم الفاروق ما أنت صانع نهى عنك نهيا ليس فيه كلام
[ ٨٤ ]