لما رجع معاوية المسيرين٢ قالوا: إن العراق والشام ليسا لنا بدار فعليكم بالجزيرة فاتوها اختيارا فغدا عليهم عبد الرحمن بن خالد فسامهم الشدة فضرعوا له وتابعوه وسرح الأشتر إلى عثمان فدعا به وقال: إذهب حيث شئت فقال: ارجع إلى عبد الرحمن فرجع ووفد سعيد بن العاص إلى عثمان في سنة إحدى عشرة من إمارة عثمان وقبل مخرج سعيد بن العاص من الكوفة بسنة وبعض أخرى بعث الأشعث بن قيس على أذربيجان وسعيد بن قيس على الري وكان سعيد بن قيس على همذان فعزل وجعل عليها النسير العجلي وعلى أصبهان السايب بن الأقرع وعلى ماه مالك بن حبيب اليربوعي،
_________________
(١) عن المستنير بن يزيد، عن قيس بن يزيد النخعي، ط٤ – ٣٣٠.
[ ٤٤ ]
وعلى الموصل حكيم بن سلامة الحزامي وجرير بن عبد الله على قرقيسياء وسلمان بن ربيعة على الباب وعلى الحرب القعقاع بن عمرو وعلى حلوان عتيبة ابن النهاس وخلت الكوفة من الرؤساء إلا منزوعا أو مفتونا فخرج يزيد بن قيس وهو يريد خلع عثمان فدخل المسجد فجلس فيه وثاب إليه اللذين كان فيهم ابن السوداء يكاتبهم فانقض عليه القعقاع فأخذ يزيد بن قيس فقال: إنما نستعفي من سعيد قال: هذا ما لا يعرض لكم فيه لا تجلس لهذا ولا يجتمعن إليك واطلب حاجتك فلعمري لتعطينها فرجع إلى بيته واستأجر رجلا وأعطاه دراهم وبغلا على أن يأتي المسيرين وكتب إليهم: لا تضعوا كتابي من أيديكم حتى تجيئوا فإن أهل المصر قد جامعونا١ فانطلق الرجل فأتى عليهم وقد رجع الأشتر فدفع إليهم الكتاب فقالوا: ما اسمك؟ قال: بغثر قالوا: ممن؟ قال: من كلب قالوا: سبع ذليل يبغثر النفوس لا حاجة لنا بك وخالفهم الأشتر ورجع عاصيا فلما خرج قال أصحابه: أخرجنا اخرجه الله لا نجد بدا مما صنع إن علم بنا عبد الرحمن لم يصدقنا ولم يستقلها فاتبعوه فلم يلحقوه وبلغ عبد الرحمن أنهم قد رحلوا فطلبهم في السواد فسار الأشتر سبعا والقوم عشرا فلم يفجإ الناس في يوم جمعه إلا والأشتر على باب المسجد يقول: أيها الناس إني قد جئتكم من عند امير المؤمنين عثمان وتركت سعيدا يريده على نقصان نسائكم إلى مائة درهم ورد أهل البلاء منكم إلى ألفين ويقول: ما بال أشراف النساء وهذه العلاوة بين هذين العدلين ويزعم أن فيئكم بستان قريش وقد سايرته مرحلة فما زال يرجز بذلك حتى فارقته يقول:
ويل لأشراف النساء مني صمحمح٢ كأني من جن
_________________
(١) جامعونا: اجتمعوا معنا ووافقونا.
(٢) الصمحمح: الرجل الشديد المجتمع الألواح.
[ ٤٥ ]
فاستخف الناس وجعل أهل الحجي ينهونه فلا يسمع منهم وكانت نفجة١ فخرج يزيد وأمر مناديا ينادي: من شاء أن يلحق بيزيد بن قيس لرد سعيد وطلب أمير غيره فليفعل وبقي حلماء الناس وأشرافهم ووجوههم في المسجد وذهب من سواهم وعمرو بن حريث يومئذ الخليفة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها فلا تعودوا في شر قد استنقذكم الله ﷿ منه أبعد الإسلام وهديه وسنته لا تعرفون حقا ولا تصيبون بابه فقال القعقاع بن عمرو: أترد السيل عن عبابه٢؟ فاردد الفرات عن أدراجه هيهات! لا والله لا تسكن الغوغاء إلا المشرفية٣ ويوشك ان تنتضي ثم يعجون عجيج العتدان٤ ويتمنون ما هم فيه فلا يرده الله عليهم أبدا فاصبر فقال: أصبر وتحول إلى منزله وخرج يزيد بن قيس حتى نزل الجرعة ومعه الأشتر وقد كان سعيد تلبث في الطريق فطلع عليهم سعيد وهم مقيمون له معسكرون فقالوا: لا حاجة لنا بك فقال: فما إختلفتم الآن إنما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلا وتضعوا إلي رجلا وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل؟ ثم انصرف عنهم وتحسوا بمولى له على بعير قد حسر فقال: والله ما كان ينبغي لسعيد أن يرجع فضرب الأشتر عنقه ومضى سعيد حتى قدم على عثمان فأخبره الخبر فقال: ما يريدون أخلعوا يدا من طاعة؟ قال: اظهروا أنهم يريدون البدل.
_________________
(١) أي ضجة. ط٤ – ٣٣١.
(٢) أي عن ارتفاعه وكثرته.
(٣) المشرفية: ضرب من السيوف ينسب إلى مشارف، وهي قرى قرب حوران في جنوبي سوريا.
(٤) العتود: الجدي إذا بلغ الحول وجمعه عتدان.
[ ٤٦ ]
قال: فمن يريدون؟ قال: أبا موسى قال: أثبتنا أبا موسى عليهم ووالله لا نجعل لأحد عذرا ولا نترك لهم حجة ولنصبرن كما أمرنا حتى نبلغ ما يريدون ورجع من قرب عمله من الكوفة ورجع جرير من قرقيسياء وعتيبة من حلوان وقام أبو موسى فتكلم بالكوفة فقال: أيها الناس لا تنفروا في مثل هذا ولا تعودوا لمثله إلزموا جماعتكم والطاعة وإياكم والعجلة اصبروا فكأنكم بأمير قالوا: فصل بنا قال: لا إلا على السمع والطاعة لعثمان بن عفان قالوا: على السمع والطاعة لعثمان.
[قال عبد الله بن عمير الأشجعي] ١: قام من المسجد في الفتنة فقال: أيها الناس اسكتوا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من خرج وعلى الناس امام - والله ما قال: عادل - ليشق عصاهم ويفرق جماعتهم فاقتلوه كائنا من كان".
[وفي رواية أخرى] ٢.
لما استعوى يزيد بن قيس الناس على سعيد بن العاص خرج منه ذكر لعثمان فأقبل إليه القعقاع بن عمرو حتى أخذه فقال: ما تريد؟ ألك علينا في أن نستعفي سبيل؟ قال: لا فهل إلا ذلك قال: لا قال: فاستعف واستجلب يزيد أصحابه من حيث كانوا فردوا سعيدا وطلبوا أبا موسى فكتب إليهم عثمان:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد امرت عليكم من اخترتم وأعفيتكم من سعيد والله لأفرشنكم عرضي ولأبذلن لكم صبري
_________________
(١) عن يحي بن مسلم، عن واقد بن عبد الله، عن عبد الله بن عمير الأشجعي، ط٤ – ٣٣٦.
(٢) عن محمد وطلحه، واستعوى القوم: دعاهم إلى الفتنه.
[ ٤٧ ]
ولأستصلحنكم بجهدي فلا تدعوا شيئا أحببتموه لا يعصي الله فيه إلا سألتموه ولا شيئا كرهتموه لا يعصى الله فيه إلا استعفيتم منه أنزل فيه عندما أحببتم حتى لا يكون لكم علي حجة.
وكتب بمثل ذلك في الأمصار فقدمت إمارة أبي موسى وغزو حذيفة وتأمر أبو موسى ورجع العمال إلى أعمالهم ومضى حذيفة إلى الباب.
[ ٤٨ ]