ثم أتاه أنهم يريدون البصرة لمشاهدة الناس والإصلاح فتعبى للخروج إليهم وقال: إن فعلوا هذا فقد انقطع نظام المسلمين وما كان عليهم في المقام فينا
[ ١٠٨ ]
مؤونة ولا إكراه فاشتد على أهل المدينة الأمر فتثاقلوا فبعث إلى عبد الله ابن عمر كميلا النخعي فجاء به فقال: انهض معي فقال: أنا مع أهل المدينة إنما أنا رجل منهم وقد دخلوا في هذا الأمر فدخلت معهم فلا أفارقهم فإن يخرجوا أخرج وإن يقعدوا أقعد قال: فاعطني زعيما بألا تخرج قال ولا أعطيك زعيما قال لولا ما اعرف من سوء خلقك صغيرا وكبيرا لأنكرتني دعوه فأنا به زعيم فرجع عبد الله بن عمر إلى المدينة وهم يقولون: لا والله ما ندري كيف نصنع فإن هذا الأمر لمشتبه علينا ونحن مقيمون حتى يضيء لنا ويسفر.
فخرج من تحت ليلته وأخبر أم كلثوم بنت علي بالذي سمع من أهل المدينة وأنه يخرج معتمرا مقيما على طاعة علي ما خلا النهوض وكان صدوقا فاستقر عندها وأصبح علي فقيل له: حدث البارحة حدث هو أشد عليك من طلحة والزبير وأم المؤمنين ومعاوية قال: وما ذلك؟ قال: خرج إبن عمر إلى الشام فأتى علي السوق ودعا بالظهر فحمل الرجال وأعد لكل طريق طلابا وماج أهل المدينة وسمعت أم كلثوم بالذي هو فيه فدعت ببغلتها فركبتها في رحل ثم أتت عليا وهو واقف في السوق يفرق الرجال في طلبه فقالت: ما لك لا تزند١ من هذا الرجل؟ إن الأمر على خلاف ما بلغته وحدثته قالت: أنا ضامنة له فطابت نفسه وقال: انصرفوا لا والله ما كذبت ولا كذب وإنه عندي ثقة فانصرفوا.
ولما رأى علي٢ من أهل المدينة ما رأى لم يرض طاعتهم حتى يكون معها نصرته قام فيهم وجمع إليه وجوه أهل المدينة وقال إن آخر هذا الأمر
_________________
(١) تزند: ضاق صدره. رجل مزند: سريع الغضب.
(٢) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٤٤٧.
[ ١٠٩ ]
لا يصلح إلا بما صلح أوله فقد رأيتم عواقب قضاء الله ﷿ على من مضى منكم فانصروا الله ينصركم ويصلح لكم أمركم فأجابه رجلان من أعلام الأنصار أبو الهيثم بن التيهان - وهو بدري - وخزيمة بن ثابت - وليس بذي الشهادتين مات ذو الشهادتين في زمن عثمان ﵁.
[وقد سئل الحكم] ١: أشهد خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين الجمل؟ فقال: ليس به ولكنه غيره من الأنصار مات ذو الشهادتين في زمن عثمان إبن عفان ﵁.
قال الشعبي٢: بالله الذي لا إله إلا هو ما نهض في تلك الفتنة إلا ستة بدريين ما لهم سابع أو سبعة ما لهم ثامن.
[وفي رواية أخرى] عن الشعبي٣ قال: بالله الذي لا إله إلا هو ما نهض في ذلك الأمر إلا ستة بدريين ما لهم سابع فقلت: اختلفتما قال: لم نختلف إن الشعبي شك في أبي أيوب: أخرج حيث أرسلته أم سلمة إلى علي بعد صفين أم لم يخرج! إلا أنه قدم عليه فمضى إليه وعلي يومئذ بالنهروان.
وعن سعيد بن زيد أنه قال٤: ما اجتمع أربعة من أصحاب النبي ﷺ ففازوا على الناس بخير يجوزونه إلا وعلي بن أبي طالب أحدهم
_________________
(١) عن محمد، عن عبيد الله، عن الحكم، ط ٤ – ٤٤٧.
(٢) عن مجالد، عن الشعبي.
(٣) عن عمرو بن محمد، عن الشعبي.
(٤) عن عبد الله بن سعيد بن ثابت، عن رجل.
[ ١١٠ ]
ثم إن زياد بن حنظلة لما رأى تثاقل الناس عن علي ابتدر إليه وقال: من تثاقل عنك فإنا نخف معك ونقاتل دونك وبينما علي يمشي في المدينة إذ سمع زينب ابنة أبي سفيان وهي تقول: ظلامتنا عند مدمم وعند مكحلة [هما محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر] فقال: إنها لتعلم ما هما لها بثأر.
[ ١١١ ]