بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اصطلح عليه طلحة والزبير ومن معهما من المؤمنين والمسلمين وعثمان بن حنيف ومن معه من المؤمنين والمسلمين إن عثمان
[ ١٢٧ ]
يقيم حيث ادركه الصلح على ما في يده وإن طلحة والزبير يقيمان حيث أدركهما الصلح على ما في أيديهما حتى يرجع أمين الفريقين ورسولهم كعب بن سور من المدينة ولا يضار واحد من الفريقين الآخر في مسجد ولا سوق ولا طريق ولا فرضة بينهم عيبة مفتوحة حتى يرجع كعب بالخبر فإن رجع بأن القوم أكرهوا طلحة والزبير فالأمر أمرهما وإن شاء عثمان خرج حتى يلحق بطيته وإن شاء دخل معهما وإن رجع بأنهما لم يكرها فالأمر أمر عثمان فإن شاء طلحة والزبير أقاما على طاعة علي وإن شاءا اخرجا حتى يلحقا بطيتهما والمؤمنون أعوان الفالح منهما.
فخرج كعب حتى يقدم المدينة فاجتمع الناس لقدومه وكان قدومه يوم جمعة فقام كعب فقال: يا اهل المدينة إني رسول أهل البصرة إليكم أأكره هؤلاء القوم هذين الرجلين على بيعة علي أم أتيا طائعين؟ فلم يجبه أحد من القوم إلا ما كان من أسامة بن زيد فإنه قام فقال: اللهم إنهما لم يبايعا إلا وهما كارهان فأمر به تمام فواثبه سهل بن حنيف والناس وثار صهيب بن سنان وأبو أيوب بن زيد في عدة من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم محمد بن مسلمة حين خافوا ان يقتل أسامة فقال: اللهم نعم فانفرجوا عن الرجل فانفرجوا عنه وأخذ صهيب بيده حتى أخرجه فأدخله منزله وقال: قد علمت أن أم عامر حامقة أما وسعك ما وسعنا من السكوت؟ قال: لا والله ما كنت أرى أن الأمر يترامى إلى ما رأيت وقد أبسلنا١ لعظيم فرجع كعب وقد اعتد طلحة والزبير فيما بين ذلك بأشياء كلها كانت مما يعتد به منها أن محمد بن طلحة - وكان صاحب صلاة - قام مقاما قريبا من عثمان بن حنيف
_________________
(١) أبسلت فلانا: أسلمته للهلكة، ط ٤ – ٤٦٨.
[ ١٢٨ ]
فخشي بعض الزط والسيابجة١ أن يكون جاء لغير ما جاء له فبعثا إلى عثمان هذه واحدة وبلغ عليا الخبر الذي كان بالمدينة من ذلك فبادر بالكتاب إلى عثمان يعجزه ويقول: والله ما أكرها إلا كرها على فرقة ولقد أكرها على جماعة وفضل فإن كانا يريدان الخلع فلا عذر لهما وإن كانا يريدان غير ذلك نظرنا ونظرا فقدم الكتاب على عثمان بن حنيف.
_________________
(١) السيابجة: قوم من السند كانوا بالبصرة.
[ ١٢٩ ]
فأصبح طلحة والزبير١ وبيت المال والحرس في ايديهما والناس معهما ومن لم يكن معهما مغمور مستسر وبعثا حين أصبحا بأن حكيما في الجمع فبعثت: لا تحبسا عثمان ودعاه ففعلا فخرج عثمان فمضى لطلبته وأصبح حكيم بن جبلة في خيله على رجل فيمن تبعه من عبد القيس ومن نزع إليهم من افناء ربيعة ثم وجهوا نحو دار الرزق وهو يقول: لست باخيه إن لم أنصره وجعل يشتم عائشة ﵂ فسمعته امرأة من قومه فقالت: يا ابن الخبيثة انت أولى بذلك فطعنها فقتلها فغضبت عبد القيس إلا من كان اغتمر منهم فقالوا: فعلت بالأمس وعدت لمثل ذلك اليوم! والله لندعنك حتى يقيدك الله فرجعوا وتركوه ومضى حكيم بن جبلة فيمن غزا معه عثمان ابن عفان وحصره من نزاع القبائل كلها وعرفوا أن لا مقام لهم بالبصرة فاجتمعوا إليه فانتهى بهم إلى الزابوقة عند دار الرزق وقالت عائشة: لا تقتلوا إلا من قاتلكم ونادوا من لم يكن من قتلة عثمان ﵁ فليكفف عنا فإنا لا نريد إلا قتلة عثمان ولا نبدأ أحدا فأنشب حكيم القتال ولم يرع للمنادي فقال طلحة والزبير: الحمد لله الذي جمع لنا ثأرنا من أهل البصرة اللهم لا تبق منهم أحدا وأقد منهم اليوم فاقتلهم فجادوهم القتال فاقتتلوا اشد قتال ومعه أربعة قواد فكان حكيم بحيال طلحة وذريح بحيال الزبير وابن المحرش بحيال عبد الرحمن بن عتاب وحرقوص بن زهير بحيال عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام فزحف طلحة لحكيم وهو في ثلثمائة رجل وجعل حكيم يضرب بالسيف ويقول:
أضربهم باليابس ضرب غلام عابس
من الحياة آيس في الغرفات نافس
_________________
(١) ما زال الحديث حديث سيف عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٤٧٠.
[ ١٣٠ ]
فضرب رجل رجله فقطعها فحبا حتى أخذها فرمى بها صاحبه فأصاب جسده فصرعه فأتاه حتى قتله ثم اتكأ عليه وقال:
يا فخذ لن تراعي إن معي ذراعي
أحمي بها كراعي
وقال وهو يرتجز:
ليس علي أن أموت عار والعار في الناس هو الفرار
والمجد لا يفضحه الدمار
فأتى عليه رجل وهو رثيث١ رأسه على الآخر فقال: مالك يا حكيم؟ قال: قتلت قال: من قتلك؟ قال: وسادتي فاحتمله فضمه في سبعين من أصحابه فتكلم يومئذ حكيم وأنه لقائم على رجل وإن السيوف لتأخذهم فما يتعتع ويقول: إنا خلفنا هذين وقد بايعا عليا وأعطياه الطاعة ثم أقبلا محالفين محاربين يطلبان بدم عثمان بن عفان ففرقا بيننا ونحن أهل دار وجواد اللهم إنهم لم يريدا عثمان فنادى مناد: يا خبيث جزعت حين عضك نكال الله ﷿ إلى كلام من نصبك وأصحابك بما ركبتم من الإمام المظلوم وفرقتم من الجماعة وأصبتم من الدماء ونلتم من الدنيا فذق وبال الله ﷿ وانتقامه وأقيموا فيمن أنتم.
وقتل ذريح ومن معه وأفلت حرقوص بن زهير في نفر من أصحابه فلجؤوا إلى قومهم ونادى منادي الزبير وطلحة بالبصرة: ألا من كان فيهم من
_________________
(١) الرثيث: الجريح وبه رمق.
[ ١٣١ ]
قبائلكم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم فجئ بهم كما يجاء بالكلاب فقتلوا فما أفلت منهم من أهل البصرة جميعا إلا حرقوص بن زهير فإن بني سعد منعوه وكان من بني سعد فمسهم في ذلك أمر شديد وضربوا لهم فيه أجلا وخشنوا صدور بني سعد وإنهم لعثمانية حتى قالوا: نعتزل وغضبت عبد القيس حين غضبت سعد لمن قتل منهم بعد الوقعة ومن كان هرب إليهم إلى ما هم عليه من لزوم طاعة علي فأمر للناس بإعطياتهم وأرزاقهم وحقوقهم وفضلا بالفضل أهل السمع والطاعة فخرجت عبد القيس وكثير من بكر بن وائل حين زووا عنهم الفضول فبادروا إلى بيت المال وأكب عليهم الناس فأصابوا منهم وخرج القوم حتى نزلوا على طريق علي وأقام طلحة والزبير ليس معهما بالبصرة ثأر إلا حرقوص وكتبوا إلى أهل الشام بما صنعوا وصاروا إليه: إنا خرجنا لوضع الحرب وإقامة كتاب الله ﷿ بإقامة حدوده في الشريف والوضيع والكثير والقليل حتى يكون الله ﷿ هو الذي يردنا عن ذلك فبايعنا خيار أهل البصرة ونجباؤهم وخالفنا شرارهم ونزاعهم فردونا بالسلاح وقالوا فيما قالوا: نأخذ أم المؤمنين رهينة أن أمرتهم بالحق وحثتهم عليه فأعطاهم الله ﷿ سنة المسلمين مرة بعد مرة حتى إذا لم يبق حجة ولا عذرا استبسل قتلة أمير المؤمنين فخرجوا إلى مضاجعهم فلم يفلت منهم مخبر إلا حرقوص بن زهير والله سبحانه مقيده إن شاء الله وكانوا كما وصف الله ﷿ وإنا نناشدكم الله في أنفسكم إلا نهضتم بمثل ما نهضنا به فنلقى الله ﷿ وتلقونه وقد أعذرنا وقضينا الذي علينا.
وبعثوا به مع سيار العجلي وكتبوا إلى أهل الكوفة بمثله مع رجل من بني عمرو بن أسد يدعى مظفر بن معرض وكتبوا إلى أهل اليمامة وعليها سبرة بن عمرو العنبري مع الحارث السدوسي وكتبوا إلى أهل المدينة مع ابن قدامة القشيري فدسه إلى أهل المدينة.
[ ١٣٢ ]
وكتبت عائشة ﵂ إلى أهل الكوفة مع رسولهم: أما بعد فإني أذكركم الله ﷿ والإسلام أقيموا كتاب الله بإقامة ما فيه إتقوا الله واعتصموا بحبله١ وكونوا مع كتابه فإنا قدمنا البصرة فدعوناهم إلى إقامة كتاب الله بإقامة حدوده فأجابنا الصالحون إلى ذلك واستقبلنا من لا خير فيه بالسلاح وقالوا: لنتبعنكم عثمان ليزيدوا الحدود تعطيلا فعاندوا فشهدوا علينا بالكفر وقالوا لنا المنكر فقرأنا عليهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢ فأذعن لي بعضهم واختلفوا بينهم فتركناهم وذلك فلم يمنع ذلك من كان منهم على رأيه الأول من وضع السلاح في أصحابي وعزم عليهم عثمان بن حنيف إلا قاتلوني حتى منعني الله ﷿ بالصالحين فرد كيدهم في نحورهم فمكثنا ستا وعشرين ليلة ندعوهم إلى كتاب الله وإقامة حدوده - وهو حقن الدماء أن تهراق دون من قد حل دمه - فأبوا واحتجوا بأشياء فاصطلحنا عليها فخافوا وغدروا وخانوا فجمع الله ﷿ لعثمان ﵁ ثأرهم فاقادهم فلم يفلت منهم إلا رجل وأردأنا الله ومنعنا منهم بعمير بن مرثد ومرثد بن قيس ونفر من قيس ونفر من الرباب والأزد فالزموا الرضا إلا عن قتلة عثمان بن عفان حتى يأخذ الله حقه ولا تخاصموا الخائنين ولا تمنعوهم ولا ترضوا بذوي حدود الله فتكونوا من الظالمين فكتبت إلى رجال بأسمائهم فثبطوا الناس عن منع هؤلاء القوم ونصرتهم واجلسوا في بيوتكم فإن هؤلاء القوم لم يرضوا بما صنعوا بعثمان بن عفان ﵁ وفرقوا بين جماعة الأمة وخالفوا الكتاب والسنة حتى شهد واعلينا فيما أمرناهم به وحثثناهم عليه من إقامة كتاب الله وإقامة حدوده بالكفر وقالوا لنا المنكر فأنكر
_________________
(١) ط ٤ – ٤٧٣.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٢٣.
[ ١٣٣ ]
ذلك الصالحون وعظموا ما قالوا وقالوا: ما رضيتم أن قتلتم الإمام حتى خرجتم على زوجة نبيكم ﷺ أن أمرتكم بالحق لتقتلوها وأصحاب رسول الله ﷺ وأئمة المسلمين! فعزموا وعثمان بن حنيف معهم على من أطاعهم من جهال الناس وغوغائهم على زطهم وسيابجهم فلذنا منهم بطائفة من الفسطاط فكان ذلك الدأب ستة وعشرين يوما ندعوهم إلى الحق وألا يحولوا بيننا وبين الحق فغدروا وخانوا فلم نقايسهم١ واحتجوا ببيعة طلحة والزبير فأبردوا بريدا فجاءهم بالحجة فلم يعرفوا الحق ولم يصبروا عليه فغادوني في الغلس ليقتلوني والذي يحاربهم غيري فلم يبرحوا حتى بلغوا سدة بيتي ومعهم هاد يهديهم إلي فوجدوا نفرا على باب بيتي منهم عمير بن مرثد ومرثد بن قيس ويزيد بن عبد الله بن مرثد ونفر من قيس ونفر من الرباب والأزد فدارت عليهم الرحى فأطاف بهم المسلمون فقتلوهم وجمع الله ﷿ كلمة أهل البصرة على ما أجمع عليه الزبير وطلحة فإذا قتلنا بثأرنا وسعنا الغدر.
وكانت الوقعة لخمس ليال بقين من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين.
وكتب عبيد بن كعب في جمادى.
_________________
(١) أي لم مجارهم ونقابلهم المثل بالمثل.
[ ١٣٤ ]