كان الحصر٣ اربعين ليلة والنزول سبعين فلما مضت من الأربعين ثماني عشرة قدم ركبان من الوجوه فأخبروا خبر من قد تهيأ إليهم من الآفاق: حبيب من الشام ومعاوية من مصر والقعقاع من الكوفة ومجاشع من البصرة فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان ومنعوه كل شيء حتى الماء وقد كان يدخل علي بالشيء مما يريد وطلبوا العلل فلم تطلع عليهم علة فعثروا في
_________________
(١) عن أبي حارثة وأبي عثمان ومحمد وطلحة، ط ٤ – ٣٨٥.
[ ٦٥ ]
داره بالحجارة ليرموا فيقولوا: قوتلنا - وذلك ليلا – فناداهم: ألا تتقون الله! ألا تعلمون أن في الدار غيري؟ قالوا: لا والله ما رميناك قال: فمن رمانا؟ قالوا: الله قال: كذبتم إن الله ﷿ لو رمانا لم يخطئنا وأنتم تخطئوننا. وأشرف عثمان على آل حزم وهم جيرانه فسرح إبنا لعمرو إلى علي بأنهم قد منعونا الماء فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئا من الماء ففعلوا وإلى طلحة وإلى الزبير وإلى عائشة ﵂ وأزواج النبي ﷺ فكان أولهم إنجادا له علي وأم حبيبة جاء علي في الغلس فقال: يا أيها الناس إن الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين لا تقطعوا عن هذا الرجل المادة فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي وما تعرض لكم هذا الرجل فيم تستحلون حصره وقتله قالوا: لا والله ولا نعمة عين لا نتركه يأكل ولا يشرب فرمى بعمامته في الدار بأني قد نهضت فيما أنهضتني فرجع وجاءت أم حبيبة على بغلة لها برحالة١ مشتملة على إداوة٢ فقيل: أم المؤمنين أم حبيبة فضربوا وجه بغلتها فقالت: إن وصايا بني أمية إلى هذا الرجل فأحببت أن ألقاه فأسأله عن ذلك كي لا تهلك أموال أيتام وأرامل فقالوا: كاذبة وأهووا لها وقطعوا حبل البغلة بالسيف فندت بأم حبيبة فتلقاها الناس وقد مالت رحالتها فتعلقوا بها وأخذوها وقد كادت تقتل فذهبوا بها إلى بيتها وتجهزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة واستتبعت أخاها فأبى فقالت: أما والله لئن استطعت أن يحرمهم الله ما يحاولمون لأفعلن.
وجاء حنظلة الكاتب حتى قام على محمد بن أبي بكر فقال: يا محمد تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها وتدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحل فتتبعهم!
_________________
(١) الرحالة: السرج من الجلد يتخذ للركش الشديد، ط ٤ – ٣٨٦.
(٢) الإدواة: وعاء من جلد يستعمل للماء.
[ ٦٦ ]
فقال: ما أنت وذاك يا بن التميمية فقال: يا بن الخثعمية إن هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبتك عليه بنو عبد مناف وانصرف وهو يقول:
عجبت لما يخوض الناس فيه يرمون الخلافة أن تزولا
ولو زالت لزال الخير عنهم ولاقوا بعدها ذلا ذليلا
وكانوا كاليهود أو النصارى سواء كلهم ضلوا السبيلا
ولحق بالكوفة وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظا على أهل مصر وجاءها مروان بن الحكم فقال: يا أم المؤمنين لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل فقالت: أتريد أن يصنع بي كما صنع بأم حبيبة ثم لا أجد من يمنعني لا والله ولا أعير ولا أدري إلام يسلم أمر هؤلاء! وبلغ طلحة والزبير ما لقي علي وأم حبيبة فلزموا بيوتهم وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات عليهم الرقباء فأشرف عثمان على الناس فقال: يا عبد الله بن عباس - فدعي له - فقال: اذهب فأنت على الموسم - وكان ممن لزم الباب - فقال: والله يا أمير المؤمنين لجهاد هؤلاء أحب إلي من الحج فأقسم عليه لينطلقن فانطلق إبن عباس على الموسم تلك السنة ورمى عثمان إلى الزبير بوصيته فانصرف بها - وفي الزبير اختلاف: أأدرك مقتله أو خرج قبله - وقال عثمان: ﴿وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ ١ اللهم حل بين الأحزاب وبين ما يأملون كما فعل بأشياعهم من قبل.
[و] بعثت٢ ليلى إبنة عميس إلى محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر فقالت: إن
_________________
(١) سورة هود، الآية: ٨٩.
(٢) عن عمرو بن محمد.
[ ٦٧ ]
ٍالمصباح يأكل نفسه ويضيء للناس فلا تأثما في أمر تسوقانه إلى من لا يأثم فيكما فإن هذا الأمر الذي تحاولون اليوم لغيركم غدا فاتقوا أن يكون عملكم اليوم حسرة عليكم فلجا وخرجا مغضبين يقولان: لا ننسى ما صنع بنا عثمان وتقول: ما صنع بكما! ألا ألزمكما الله؟ فلقيهما سعيد بن العاص وقد كان بين محمد بن أبي بكر وبينه شيء فأنكره حين لقيه خارجا من عند ليلى فتمثل له في تلك الحال بيتا:
استبق ودك للصديق ولا تكن فيئا يعض بخاذل ملجاجا
فأجابه سعيد متمثلا:
ترون إذا ضربا صميما من الذي له جانب ناء عن الجرم معور
فلما بويع الناس١ جاء السابق فقدم بالسلامة فأخبره من الموسم٢ أنهم يريدون جميعا المصريين وأشياعهم وأنهم يريدون أن يجمعوا ذلك إلى حجهم فلما أتاهم ذلك مع ما بلغهم من نفور أهل الأمصار أعلقهم الشيطان وقالوا: لا يخرجنا مما وقعنا فيه إلا قتل هذا الرجل فيشتغل بذلك الناس عنا ولم يبق خصلة يرجون بها النجاة إلا قتله فراموا الباب فمنعهم من ذلك الحسن وابن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص ومن كان من أبناء الصحابة أقام معهم واجتلدوا فناداهم عثمان: الله الله! أنتم في حل من نصرتي فأبوا ففتح الباب وخرج ومعه الترس والسيف لينهنههم فلما رأوه أدبر المصريون وركبهم هؤلاء ونهنههم فتراجعوا وعظم على الفريقين وأقسم
_________________
(١) عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، ط ٤ - ٣٨٧.
(٢) أي من أمر أهل الموسم.
[ ٦٨ ]
على الصحابة ليدخلن فأبوا أن ينصرفوا فدخلوا فأغلق الباب دون المصريين وقد كان المغيرة بن الأخنس بن شريعة فيمن حج ثم تعجل في نفر حجوا معه فأدرك عثمان قبل أن يقتل وشهد المناوشة ودخل الدار فيمن دخل وجلس على الباب من داخل، وقال: ما عذرنا عند الله إن تركناك ونحن نستطيع أن لا ندعهم حتى نموت؟ فاتخذ عثمان تلك الأيام القرآن نحبا١ يصلي وعنده المصحف فإذا أعيا جلس فقرأ فيه - وكانوا يرون القراءة في المصحف من العبادة - وكان القوم الذين كفكفهم بينه وبين الباب فلما فلما بقي المصريون لا يمنعهم أحد من الباب ولا يقدرون على الدخول جاؤوا بنار فأحرقوا الباب والسقيفة فتأجج الباب والسقيفة حتى إذا إحترق الخشب خرت السقيفة على الباب فثار أهل الدار وعثمان يصلي حتى منعوهم الدخول وكان أول من برز لهم المغيرة بن الأخنس وهو يرتجز:
قد علمت جارية عطبول ذات وشاح ولها جديل
أني بنصل السيف خنشليل لأمنعن منكم خليلي
بصارم ليس بذي فلول
وخرج الحسن بن علي وهو يقول:
لا دينهم ديني ولا أنا منهم حتى أسير إلى طمار شمام
وخرج محمد بن طلحة وهو يقول:
أنا ابن من حامى عليه بأحد ورد أحزابا على رغم معد
_________________
(١) أي هما وعبادة.
[ ٦٩ ]
وخرج سعيد بن العاص وهو يقول:
صبرنا غداة الدار والموت واقب بأسيافنا دون ابن أروى نضارب
وكنا غداة الروع في الدار نصرة نشافههم بالضرب والموت ثاقب
فكان آخر من خرج عبد الله بن الزبير وأمره عثمان أن يصير إلى أبيه في وصية بما أراد وأمره أن يأتي أهل الدار فيأمرهم بالإنصراف إلى منازلهم فخرج عبد الله بن الزبير آخرهم فما زال يدعي بها ويحدث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه.
وأحرقوا١ الباب وعثمان في الصلاة وقد افتتح ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ٢ - وكان سريع القراءة فما كرثه ما سمع وما يخطئ وما يتعتع حتى أتى عليها قبل أن يصلوا إليه - ثم عاد فجلس إلى عند المصحف وقرأ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٣.
وارتجز المغيرة بن الأخنس وهو دون الدار في أصحابه:
قد علمت ذات القرون الميل والحلي والأنامل الطفول
لتصدقن بيعتي خليلي بصارم ذي رونق مصقول
لا أستقيل إن أقلت قيلي
_________________
(١) عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان. ط ٤ – ٣٨٩.
(٢) سورة طه الآية ١ – ٢.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٧٣.
[ ٧٠ ]
وأقبل أبو هريرة والناس محجمون عن الدار إلا أولئك العصبة قد سروا فاستقتلوا فقام معهم وقال: أنا إسوتكم وقال: هذا يوم طاب امضرب - يعني أنه حل القتال وطاب وهذه لغة حمير – ونادى: يا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار وبادر مروان يومئذ ونادى: رجل رجل فبرز له رجل من بني ليث يدعى النباع فاختلفا فضربه مروان أسفل رجليه وضربه الآخر على أصل العنق فقلبه فانكب مروان واستلقى فاجتر هذا أصحابه واجتر الآخر أصحابه فقال المصريون: أما والله لولا أن تكونوا حجة علينا في الأمة لقد قتلناكم بعد تحذير فقال المغيرة: من يبارز؟ فبرز له رجل فاجتلد وهو يقول:
أضربهم باليابس ضرب غلام بائس
من الحياة آيس
فأجابه صاحبه: ١ وقال الناس: قتل المغيرة بن الأخنس فقال الذي قتله: إنا لله فقال له عبد الرحمن بن عديس: مالك؟ قال: إني أتيت فيما يرى النائم فقيل لي: بشر قاتل المغيرة بن الأخنس بالنار فابتليت به وقتل قباث الكناني نيار بن عبد الله الأسلمي واقتحم الناس الدار من الدور التي حولها حتى ملؤها ولا يشعر الذين بالباب وأقبلت القبائل على أبنائهم فذهبوا بهم إذ غلبوا على أميرهم وندبوا رجلا لقتله فانتدب له رجل فدخل عليه البيت فقال: اخلعها وندعك فقال: ويحك والله ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام ولا تغنيت ولا تمنيت ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله ﷺ ولست خالعا قميصا كسانيه الله ﷿ وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة ويهين أهل الشقاء.
_________________
(١) كلام ناقص لم أجده في مراجع أخرى، ط ٤ – ٣٩٠.
[ ٧١ ]