ومضى الناس١ حتى إذا عاجوا عن الطريق وكانوا بفناء البصرة لقيهم عمير ابن عبد الله التميمي فقال: يا أم المؤمنين أنشدك بالله أن تقدمي اليوم على قوم تراسلي منهم أحدا فيكفيكهم! فقالت جئتني بالرأي امرؤ صالح قال: فعجلي ابن عامر فليدخل فإن له صنائع فليذهب إلى صنائعه فليلقوا الناس حتى تقدمي ويسمعوا ما جئتم فيه فأرسلته فاندس إلى البصرة فأتى القوم وكتبت عائشة ﵂ إلى رجال من أهل البصرة وكتبت إلى الأحنف ابن قيس وصبرة بن شيمان وأمثالهم من الوجوه ومضت حتى إذا كانت بالحفير انتظرت الجواب بالخبر ولما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران ابن حصين - وكان رجل عامة - وألزه٢ بأبي الاسود الدؤلي - وكان رجل خاصة - فقال: انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمها وعلم من معها فخرجا فانتهيا إليها وإلى الناس وهم بالحفير فاستأذنا فأذنت لهما فسلما وقالا: إن أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم ولا يغطي لبنيه الخبر إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله ﷺ وأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه المحدثين واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه وانتهبوا المال الحرام وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام ومزقوا الأعراض والجلود واقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارين مضرين غير نافعين ولا متقين لا يقدرون على إمتناع ولا يأمنون فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا وقرأت: ﴿لا خَيْرَ فِي
_________________
(١) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٤٦١.
(٢) أي الصقه، ألحقه.
[ ١٢١ ]
كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ١. ننهض في الإصلاح ممن أمر الله ﷿ وأمر رسول الله ﷺ الصغير والكبير والذكر والأنثى فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ونحضكم عليه ومنكر ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره.
فخرج أبو الأسود٢ وعمران من عندها فأتيا طلحة فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان قالا: ألم تبايع عليا؟ قال: بلى واللج٣ على عنقي وما استقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان ثم أتيا الزبير فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان قالا: ألم تبايع عليا؟ قال: بلى واللج على عنقي وما استقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان فرجعا إلى أم المؤمنين فودعاها فودعت عمران وقالت: يا أبا الأسود إياك أن يقودك الهوى إلى النار ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ..﴾ ٤ فسرحتهما ونادى مناديها بالرحيل ومضى الرجلان حتى دخلا على عثمان بن حنيف فبدر أبو الأسود عمران فقال:
يابن حنيف قد أتيت فانفر وطاعن القوم وجالد واصبر
وابرز لهم مستلئما وشمر
فقال عثمان: إنا لله وإنا إليه راجعون! دارت رحى الإسلام ورب الكعبة فانظروا بأي زيفان تزيف؟ فقال عمران: إي والله لتعركنكم عركا طويلا ثم
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١١٤.
(٢) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٤٦٢.
(٣) اللج: السيف.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٨.
[ ١٢٢ ]
لا يساوي ما بقي منكم كثير شيء قال: فأشر علي يا عمران قال: إني قاعد فاقعد فقال عثمان: بل امنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين علي قال عمران: بل يحكم الله ما يريد فانصرف إلى بيته وقام عثمان في أمره فأتاه هشام بن عامر فقال: يا عثمان إن هذا الأمر الذي تروم يسلم إلى شر مما تكره إن هذا فتق لا يرتق وصدع لا يجبر فسامحهم حتى يأتي أمر علي ولا تحادهم فابى ونادى عثمان في الناس وأمرهم بالتهيؤ ولبسوا السلاح واجتمعوا إلى المسجد الجامع وأقبل عثمان على الكيد فكاد الناس لينظر ما عندهم وأمرهم بالتهيؤ وامر رجلا ودسه إلى الناس خدعا كوفيا قيسيا فقام فقال: يا ايها الناس أنا قيس بن الفقدية الحميسي إن هؤلاء القوم الذين جاؤوكم إن كانوا جاؤوكم خائفين فقد جاؤوا من المكان الذي يأمن فيه الطير وإن كانوا جاؤوا يطلبون بدم عثمان ﵁ فما نحن بقتلة عثمان أطيعوني في هؤلاء القوم فردوهم من حيث جاؤوا فقام الاسود ابن سريع السعدي فقال: أوزعموا أنا قتلة عثمان ﵁؟ فإنما فزعوا إلينا يستعينون بنا على قتلة عثمان منا ومن غيرنا فإن كان القوم أخرجوا من ديارهم كما زعمت فمن يمنعهم من إخراجهم الرجال او البلدان فحصبه الناس فعرف عثمان أن لهم بالبصرة ناصرا ممن يقوم معهم فكسره ذلك واقبلت عائشة ﵂ فيمن معها حتى إذا انتهوا إلى المربد ودخلوا من أعلاه أمسكوا ووقفوا حتى خرج عثمان فيمن معه وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يخرج إليها ويكون معها فاجتمعوا بالمربد وجعلوا يثوبون حتى غص بالناس.
فتكلم طلحة وهو في ميمنة المربد ومعه الزبير وعثمان في مسيرته فأنصتوا له فحمد الله وأثنى عليه وذكر عثمان ﵁ وفضله والبلد وما استحل منه وعظم ما أتى إليه ودعا إلى الطلب بدمه وقال: إن في ذلك
[ ١٢٣ ]
إعزاز دين الله ﷿ وسلطانه وأما الطلب بدم الخليفة المظلوم فإنه حد من حدود الله وإنكم إن فعلتم أصبتم وعاد أمركم إليكم وإن تركتم لم يقم لكم سلطان ولم يكن لكم نظام.
فتكلم الزبير بمثل ذلك فقال من في ميمنة المربد: صدقا وبرا وقالا: الحق وأمرا بالحق وقال من في ميسرته: فجرا وغدرا وقالا الباطل وأمرا به قد بايعا ثم جاء يقولان ما يقولان! وتحاثى١ الناس وتحاصبوا وأرهجوا فتكلمت عائشة - وكانت جهورية يعلو صوتها كثرة كأنه صوت امرأة جليلة - فحمدت الله ﷿ وأثنت عليه وقالت: كان الناس يتجنون على عثمان ﵁ ويزرون على عماله ويأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم ويرون حسنا من كلامنا في صلاح بينهم فننظر في ذلك فنجده بريا تقيا وفيا ونجدهم فجرة كذبة يحاولون غير ما يظهرون فلما قووا على المكاثرة كاثروه فاقتحموا عليه داره واستحلوا الدم الحرام والمال الحرام والبلد الحرام بلا ترة ولا عذر ألا إن مما ينبغي لا ينبغي لكم غيره أخذ قتلة عثمان ﵁ وإقامة كتاب الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢.
فافترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين فقالت فرقة: صدقت والله وبرت وجاءت والله بالمعروف وقال الآخرون: كذبتم والله ما نعرف ما تقولون فتحاثوا وتحاصبوا وأرهجوا فلما رأت ذلك عائشة انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقين لعثمان حتى وقفوا في المربد في موضع الدباغين وبقي اصحاب عثمان على حالهم يتدافعون حتى تحاجزوا ومال بعضهم إلى
_________________
(١) الحثي كالرمي: ما رفعت به يدك، ط ٤ – ٤٦٤.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٢٣.
[ ١٢٤ ]
عائشة وبقي بعضهم مع عثمان على فم السكة وأتى عثمان بن حنيف فيمن معه حتى إذا كانوا على فم السكة سكة المسجد عن يمين الدباغين استقبلوا الناس فأخذوا عليهم بفمها.
وأقبل جارية بن قدامة السعدي١ فقال: يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح! إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك إنه من رأى قتالك فإنه يرى قتلك وإن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك وإن كنت أتيتنا مستكرهة فاستعيني بالناس قال: فخرج غلام شاب من بني سعد إلى طلحة والزبير فقال: أما أنت يا زبير فحواري رسول الله ﷺ وأما أنت يا طلحة فوقيت رسول الله ﷺ بيدك وأرى أمكما معكما فهل جئتما بنسائكما قالا: لا قال: فما أنا منكما في شيء واعتزل.
وقال السعدي في ذلك:
صنتم حلائلكم وقدتم أمكم هذا لعمرك قلة الانصاف
أمرت بجر ذيولها في بيتها فهوت تشق البيد بالإيجاف
غرضا يقاتل دونها أبناؤها بالنبل والخطي والاسياف
هتكت بطلحة والزبير ستورها هذا المخبر عنهم والكافي
وأقبل غلام من جهينة على محمد بن طلحة - وكان محمد رجلا عابدا - فقال:
_________________
(١) عن نصر بن مزاحم، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، ط ٤ – ٤٦٥.
[ ١٢٥ ]
أخبرني عن قتلة عثمان! فقال: نعم دم عثمان ثلاثة أثلاث ثلث على صاحبة الهودج - يعني عائشة - وثلث على صاحب الجمل الأحمر - يعني طلحة - وثلث على علي بن أبي طالب فضحك الغلام وقال ألا اراني على ضلال ولحق بعلي وقال في ذلك شعرا:
سألت ابن طلحة عن هالك بجوف المدينة لم يقبر
فقال ثلاثة رهط هم أماتوا ابن عفان واستعبر
فثلث على تلك في خدرها وثلث على راكب الأحمر
وثلث على علي ابن أبي طالب ونحن بدوية قرقر
فقلت صدقت على الأولين وأخطأت في الثالث الأزهر
[ ١٢٦ ]