خرجت عائشة٢ ﵂ نحو المدينة من مكة بعد مقتل عثمان فلقيها رجل من أخوالها فقالت: ما وراءك؟ قال: قتل عثمان واجتمع الناس على علي والأمر أمر الغوغاء فقالت: ما أظن ذلك تاما ردوني فانصرفت راجعة إلى مكة حتى إذ دخلتها أتاها عبد الله بن عامر الحضرمي – وكان
_________________
(١) عن عمرو بن محمد، عن الشعبي، ط ٤ – ٤٤٩.
[ ١١٢ ]
أمير عثمان عليها - فقال: ما ردك يا أم المؤمنين؟ قالت: ردني أن عثمان قتل مظلوما وأن الأمر لا يستقيم ولهذه الغوغاء أمر فاطلبوا بدم عثمان تعزوا الإسلام فكان أول من أجابها عبد الله بن عامر الحضرمي وذلك أول ما تكلمت بنو أمية بالحجاز ورفعوا رؤوسهم وقام معهم سعيد بن العاص والوليد بن عقبة وسائر بني أمية وقد قدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة١ ويعلي بن أمية من اليمن وطلحة والزبير من المدينة واجتمع ملؤهم بعد نظر طويل في أمرهم على البصرة وقالت [عائشة]: أيها الناس إن هذا حدث عظيم وأمر منكر فانهضوا فيه إلى إخوانكم من أهل البصرة فأنكروه فقد كفاكم أهل الشام ما عندهم لعل الله ﷿ يدرك لعثمان وللمسلمين بثأرهم.
[وفي رواية أخرى] ٢:
كان أول من أجاب إلى ذلك عبد الله بن عامر وبنو أمية وقد كانوا سقطوا إليها بعد مقتل عثمان ثم قدم عبد الله بن عامر ثم قدم يعلي بن أمية فاتفقا بمكة ومع يعلي ستمائة بعير وستمائة ألف٣ فأناخ بالأبطح معسكرا وقدم معهما طلحة والزبير فلقيا عائشة ﵂ فقالت: ما وراءكما؟ فقالا: وراءنا أنا تحملنا بقليتنا٤ هرابا من المدينة من غوغاء وأعراب وفارقنا قوما حيارى لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا ولا يمنعون أنفسهم قالت: فاتمروا أمرا ثم انهضوا إلى هذه الغوغاء وتمثلت:
ولو أن قومي طاوعتني سراتهم لأنقذتهم من الحبال أو الخيل
_________________
(١) بعدها في ابن الأثير "بمال كثير".
(٢) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٤٥٠.
(٣) أي ستمائة الف درهم.
(٤) ارتحل القوم بقليتهم: لم يدعوا وراءهم شيئا.
[ ١١٣ ]
وقال القوم فيما ائتمروا به: الشام فقال عبد الله بن عامر: قد كفاكم الشام من يستمر في حوزته فقال: له طلحة والزبير: فأين؟ قال: البصرة فإن لي بها صنائع ولهم في طلحة هوى قالوا: قبحك الله! فوالله ما كنت بالمسالم ولا بالمحارب فهلا اقمت كما اقام معاوية فنكتفي بك ونأتي الكوفة فنسد على هؤلاء القوم المذاهب! فلم يجدوا عنده جوابا مقبولا حتى إذا استقام له الرأي على البصرة قالوا: يا أم المؤمنين دعي المدينة فإن من معنا لا يقرنون لتلك الغوغاء التي بها واشخصي معنا إلى البصرة فإنا نأتي بلدا مضيعا وسيحتجون علينا فيه ببيعة علي بن أبي طالب فتنهضينهم كما أنهضت أهل مكة ثم تقعدين فإن أصلح الله الأمر كان الذي تريدين وإلا احتسبنا ودفعنا عن هذا الامر بجهدنا حتى يقضي الله ما أراد.
فلما قالوا ذلك لها - ولم يكن ذلك مستقيما إلا بها – قالت: نعم وقد كان أزواج النبي ﷺ معها على قصد المدينة فلما تحول رأيها إلى البصرة تركن ذلك وانطلق القوم بعدها إلى حفصة فقالت: رأي تبع لرأي عائشة حتى إذا لم يبق إلا الخروج قالوا: كيف نستقل وليس معنا مال نجهز به الناس! فقال يعلي بن أمية: معي ستمائة ألف وستمائة بعير فاركبوها وقال ابن عامر: معي كذا وكذا فتجهزوا به فنادى المنادي إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة فمن كان يريد إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر عثمان ومن لم يكن عنده مركب -ولم يكن له جهاز فهذا جهاز وهذه نفقة فحملوا ستمائة رجل على ستمائة ناقة سوى من كان له مركب - وكانوا جميعا ألفا - وتجهزوا بالمال ونادوا بالرحيل واستقلوا ذاهبين وأرادت حفصة الخروج فأتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد فقعدت وبعثت إلى عائشة: أن عبد الله حال بيني وبين الخروج فقالت: يغفر الله لعبد الله! وبعثت أم الفضل بنت الحارث رجلا من جهينة يدعى ظفرا فاستأجرته على أن يطوي ويأتي عليا بكتابها فقدم على علي بكتاب أم الفضل بالخبر.
[ ١١٤ ]
[و] خرج المغيرة١ وسعيد بن العاص معهم مرحلة من مكة فقال سعيد للمغيرة: ما الرأي؟ قال: الرأي والله الاعتزال فإنهم ما يفلح أمرهم فإن أظفره الله أتيناه فقلنا: كان هوانا وصغونا٢ معك فاعتزلا فجلسا فجاء سعيد مكة فأقام بها ورجع معها عبد الله بن خالد بن أسيد.
[وفي رواية أخرى]:
لما انتهت عائشة رضي الله عنها٣ إلى سرف راجعة في طريقها إلى مكة لقيها عبد بن أم كلاب - وهو عبد بن أبي سلمة ينسب إلى أمه - فقالت له: مهيم؟ قال: قتلوا عثمان ﵁ فمكثوا ثمانيا قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز اجتمعوا على علي بن أبي طالب فقالت: والله ليت أن هذه انطبقت على هذه أن تم الأمر لصاحبك! ردوني ردوني فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما والله لأطلبن بدمه فقا: لها ابن أم كلاب: ولم؟ فوالله إن أول من أمال حرفه لأنت ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه وقد قلت وقالوا: وقولي الاخير خير من قولي الأول فقال لها ابن أم كلاب:
فمنك البداء ومنك الغير ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام وقلت لنا إنه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله وقاتله عندنا من أمر
ولم يسقط السيف من فوقنا ولم تنكسف شمسنا والقمر
_________________
(١) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٤٥٢.
(٢) صغونا: ميلنا.
(٣) عن سيف بن عمر، عن محمد بن نويرة وطلحة بن الأعلم الحنفي، ط ٤ – ٤٥٨.
[ ١١٥ ]
وقد بايع الناس ذا تدرإ١ يزيل الشبا ويقيم الصعر
ويلبس للحرب أثوابها وما من وفى مثل من قد غدر
فانصرفت إلى مكة فنزلت على باب المسجد فقصدت الحجر فسترت واجتمع إليها الناس فقالت: يا ايها الناس إن عثمان قتل مظلوما والله لأطلبن بدمه.
_________________
(١) ذو تدرأ: ذو عدة وقوة.
[ ١١٦ ]