لما اجتمع٢ إلى مكة بنو أمية ويعلي بن منية وطلحة والزبير ائتمروا أمرهم وأجمع ملؤهم على الطلب بدم عثمان وقتال السبئية حتى يثأروا وينتقموا فأمرتهم عائشة ﵂ بالخروج إلى المدينة واجتمع القوم على البصرة وردوها عن رأيها وقال لها طلحة والزبير: إنا نأتي أرضا قد أضيعت وصارت إلى علي وقد أجبرنا على بيعته وهم محتجون علينا بذلك وتاركوا أمرنا إلا أن تخرجي فتأمري بمثل ما أمرت بمكة ثم ترجعي فنادى المنادي: إن عائشة تريد البصرة وليس في ستمائة بعير ما تغنون به غوغاء وجلبة الأعراب وعبيدا قد انتشروا وافترشوا أذرعهم مسعدين لأول واعية وبعثت إلى حفصة فارادت الخروج فعزم عليها ابن عمر فأقامت فخرجت عائشة ومعها طلحة والزبير وأمرت على الصلاة عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فكان يصلي بهم في الطريق وبالبصرة حتى قتل وخرج معها مروان وسائر بني أمية إلا من خشع وتيامنت عن أوطاس وهم ستمائة راكب سوى من كانت له مطية فتركت الطريق ليلة وتيامنت عنها كأنهم سيارة ونجعة مساحلين
_________________
(١) عن محمد بن قيس، عن الأعز ط ٤ – ٤٥٣.
[ ١١٦ ]
لم يدن من المنكدر ولا واسط ولا فلج منهم أحد حتى أتوا البصرة في عام خصيب وتمثلت:
دعي بلاد جموع الظلم إذ صلحت فيها المياه وسيري سير مذعور
تخيري النبت فارعي ثم ظاهرة وبطن واد من الضمار ممطور
[وقد] جمع الزبير١ بنيه حين اراد الرحيل فودع بعضهم وأخرج بعضهم وأخرج ابني أسماء جميعا فقال: يا فلان أقم يا عمرو أقم فلما رأى ذلك عبد الله بن الزبير قال: يا عروة أقم ويا منذر اقم فقال الزبير: ويحك! استصحب ابني واستمتع منهما فقال: إن خرجت بهم جميعا فاخرج وإن خلفت منهم أحدا فخلفهما ولا تعرض أسماء للثكل من بين نسائك فبكى وتركهما فخرجوا حتى إذا انتهوا إلى جبال أوطاس تيامنوا وسلكوا طريقا نحو البصرة وتركوا طريقها يسارا حتى إذا دنوا منها فدخلوها ركبوا المنكدر.
خرج الزبير وطلحة٢ ففصلا ثم خرجت عائشة فتبعها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق فلم ير يوم كان أكثر باكيا على الإسلام أو باكيا له من ذلك اليوم كان يسمى يوم النحيب وأمرت عبد الرحمن بن عتاب فكان يصلي بالناس وكان عدلا بينهم.
[و] لما تيامن٣ عسكرها عن أوطاس اتوا على مليح بن عوف السلمي وهو
_________________
(١) عن سعيد بن عبد الله، عن أبي مليكة، ط ٤ – ٤٦٠.
(٢) عن ابن الشهيد، عن أبي مليكة، ط ٤ – ٤٦٠.
(٣) عن محمد بن عبد الله، عن يزيد بن معن السلمي، ط ٤ – ٤٦١.
[ ١١٧ ]
مطلع ماله فسلم على الزبير وقال: يا أبا عبد الله ما هذا؟ قال: عدي على أمير المؤمنين ﵁ فقتل بلا ترة ولا عذر قال: ومن؟ قال: الغوغاء من الأمصار ونزاع القبائل وظاهرهم الأعراب والعبيد قال: فتريدون ماذا؟ قال: ننهض الناس فيدرك بهذا الدم لئلا يبطل فإن في إبطاله توهين سلطان الله بيننا أبدا إذا لم يفطم الناس عن أمثالها لم يبق إمام إلا قتله هذا الضرب قال: والله إن ترك هذا لشديد ولا تدرون إلى اين ذلك يسير! فودع كل واحد منهما صاحبه وافترقا ومضى الناس.
[ ١١٨ ]