كان علي في هم من توجه القوم٣ لا يدري إلى أين يأخذون! وكان أن يأتوا البصرة أحب إليه فلما تيقن أن القوم يعارضون طريق البصرة سر بذلك
_________________
(١) عن سيف، عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٤٦٠.
(٢) أي الخفة معهم وإعانتهم على ما يريدون.
[ ١١٨ ]
وقال: الكوفة فيها رجال العرب وبيوتاتهم فقال: له ابن عباس: إن الذي يسرك من ذلك ليسوءني إن الكوفة فسطاط فيه أعلام من أعلام العرب ولا يحملهم عدة القوم ولا يزال فيهم من يسمو إلى أمر لا يناله فإذا كان كذلك شغب على الذي نال حتى يفثأه فيفسد بعضهم على بعض فقال علي: إن الأمر ليشبه ما تقول ولكن الأثرة لأهل الطاعة وألحق بأحسنهم سابقة وقدمة فإن استووا أعفيناهم واجتبرناهم فإن أقنعهم ذلك كان خيرا لهم وإن لم يقنعهم كلفونا إقامتهم وكان شرا على من هو شر له فقال ابن عباس: إن ذلك لأمر لا يدرك إلا بالقنوع.
جاء عليا الخبر١ عن طلحة والزبير وأم المؤمنين فأمر على المدينة تمام بن العباس وبعث إلى مكة قثم بن العباس وخرج وهو يرجو أن يأخذهم بالطريق واراد ان يعترضهم فاستبان له بالربذة أن قد فاتوه وجاءه بالخبر عطاء بن رئاب مولى الحارث بن حزن.
بلغ عليا الخبر٢ - وهو بالمدينة - باجتماعهم على الخروج إلى البصرة وبالذي اجتمع عليه ملؤهم طلحة والزبير وعائشة، ومن تبعهم وبلغه قول عائشة وخرج على يبادرهم في تعبيته التي كان تعبي بها إلى الشام وخرج معه من نشط من الكوفيين والبصريين متخففين في سبعمائة رجل وهو يرجو أن يدركهم فيحول بينهم وبين الخروج فلقيه عبد الله بن سلام فأخذ بعنانه وقال: يا امير المؤمنين لا تخرج منها فوالله لئن خرجت منها لا ترجع إليها ولا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا فسبوه فقال: دعوا الرجل فنعم الرجل من أصحاب محمد ﷺ وسار حتى انتهى إلى الربذة فبلغه ممرهم فأقام حين فاتوه يأتمر بالربذة.
_________________
(١) عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، ط ٤ – ٤٥٥.
(٢) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٤٥٥.
[ ١١٩ ]
قال طارق بن شهاب١: خرجنا من الكوفة معتمرين حين أتانا قتل عثمان ﵁ فلما إنتهينا إلى الربذة - وذلك في وجه الصبح - إذا الرفاق وإذا بعضهم يحدو بعضا فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أمير المؤمنين فقلت: ما له؟ قالوا: غلبه طلحة والزبير فخرج يعترض لهما ليردهما فبلغه أنهما قد فاتاه فهو يريد أن يخرج في آثارهما فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون آتي عليا فأقاتل معه هذين الرجلين وأم المؤمنين أو أخالفه إن هذا لشديد فخرجت فأتيته فأقيمت الصلاة بغلس فتقدم فصلى فلما إنصرف أتاه ابنه الحسن فجلس فقال: قد أمرتك فعصيتني فتقتل غدا بمضيعة لا ناصر لك فقال علي: إنك لا تزال تخن خنين الجارية! وما الذي أمرتني فعصيتك؟ قال: أمرتك يوم أحيط بعثمان ﵁ أن تخرج من المدينة فيقتل ولست بها ثم أمرتك يوم قتل ألا تبايع حتى يأتيك وفود أهل الأمصار والعرب وبيعة كل مصر ثم أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فإن كان الفساد كان على يدي غيرك فعصيتني في ذلك كله قال: أي بني أما قولك: لو خرجت من المدينة حين أحيط بعثمان فوالله لقد أحيط بنا كما أحيط به وأما قولك: لا تبايع حتى تأتي بيعة الأمصار فإن الأمر أمر اهل المدينة وكرهنا ان يضيع هذا الامر وأما قولك حين خرج طلحة والزبير فإن ذلك كان وهنا على أهل الإسلام ووالله ما زلت مقهورا مذ وليت منقوصا لا أصل إلى شيء مما ينبغي وأما قولك: إجلس في بيتك فكيف لي بما قد لزمني؟ أو من تريدني؟ أتريد ان أكون مثل الضبع التي يحاط بها ويقال: دباب دباب٢ ليست هاهنا حتى يحل عرقوباها ثم تخرج وإذا لم أنظر فيما لزمني من هذا الأمر ويعنيني فمن ينظر فيه فكف عنك أي بني.
_________________
(١) عن خالد بن مهران البجلي، عن مروان بن عبد الرحمن الخميسي، ط ٤ – ٤٥٥.
(٢) دباب كقطام: دعاء الضبع للضبع، أي دبي، ط ٤ – ٤٥٨.
[ ١٢٠ ]