فاجتمع نفر منهم علباء بن الهيثم وعدي بن حاتم وسالم بن ثعلبة العبسي وشريح بن أوفى بن ضبيعة والأشتر في عدة ممن سار إلى عثمان ورضي بسير من سار وجاء معهم المصريون: ابن السوداء وخالد بن ملجم وتشاوروا فقالوا: ما الرأي؟ وهذا والله علي وهو أبصر الناس بكتاب الله وأقرب ممن
[ ١٤٧ ]
يطلب قتلة عثمان وأقربهم إلى العمل بذلك وهو يقول ما يقول ولم ينفر إليه إلا هم والقليل من غيرهم فكيف به إذا شام القوم وشاموه١ وإذا رأوا قلتنا في كثرتهم؟ أنتم والله ترادون وما أنتم بأنجى من شيء فقال الأشتر: أما طلحة والزبير فقد عرفنا أمرهما وأما علي فلم نعرف أمره حتى كان اليوم ورأي الناس فينا والله واحد وإن يصطلحوا وعلي فعلى دمائنا فهلموا فلنتواثب على علي فلنلحقه بعثمان فتعود فتنة يرضى منا فيها بالسكون.
فقال عبد الله بن السوداء: بئس الرأي رأيت! أنتم يا قتلة عثمان من أهل الكوفة بذي قار الفان وخمسمائة أو نحو من ستمائة وهذا ابن الحنظلية وأصحابه في خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلا فارقأ على ظلعك٢.
وقال علباء بن الهيثم: انصرفوا بنا عنهم ودعوهم فإن قلوا كان أقوى لعدوهم عليهم وإن كثروا كان أحرى أن يصطلحوا عليكم دعوهم وارجعوا فتعلقوا ببلد من البلدان حتى يأتيكم فيه من تتقون به وامتنعوا من الناس.
فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت ود والله الناس أنكم على جديلة٣ ولم تكونوا مع أقوام برآء ولو كان ذلك الذي تقول لتخطفكم كل شيء فقال عدي بن حاتم: والله ما رضيت ولا كرهت ولقد عجبت من تردد من تردد عن قتله في خوض الحديث فاما إذ وقع ما وقع ونزل من الناس
_________________
(١) أي حققوا حملات الحرب.
(٢) أرقا على ظلعك: أي أصلح أمرك أولا.
(٣) أي على رأي واحد.
[ ١٤٨ ]
بهذه المنزلة فإن لنا عتادا من خيول وسلاح محمودا فإن أقدمتم أقدمنا وإن أمسكتم أحجمنا فقال ابن السوداء: أحسنت.
وقال سالم بن ثعلبة: من كان أراد بما أتى الدنيا فإني لم أرد ذلك والله لئن لقيتهم غدا لا أرجع إلى بيتي ولئن طال بقائي إذا أنا لاقيتهم لا يزد على جزر جزور وأحلف بالله إنكم لتفرقون السيوف فرق قوم لا تصير أمورهم إلا إلى السيف فقال ابن السوداء: قد قال قولا.
وقال شريح بن أوفى: أبرموا أموركم قبل أن تخرجوا ولا تؤخروا أمرا ينبغي لكم تعجيله ولا تعجلوا أمرا ينبغي لكم تأخيره فإنا عند الناس بشر المنازل فلا أدري ما الناس صانعون غدا إذا ما هم التقوا.
وتكلم ابن السوداء فقال: يا قوم إن عزكم في خلطة الناس فصانعوهم وإذا التقى الناس غدا فأنشبوا القتال ولا تفرغوهم للنظر فإذا من أنتم معه لا يجد بدا من أن يمتنع ويشغل الله عليا وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عما تكرهون فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه والناس لا يشعرون.
وأصبح علي على ظهر فمضى ومضى الناس حتى إذا انتهى إلى عبد القيس نزل بهم وبمن خرج من أهل الكوفة وهم أمام ذلك ثم ارتحل حتى نزل على أهل الكوفة وهم أمام ذلك١ والناس متلاحقون به وقد قطعهم ولما بلغ أهل البصرة رأيهم ونزل علي بحيث نزل قام أبو الجرباء إلى الزبير بن العوام فقال: إن الرأي أن تبعث الآن ألف فارس فيمسوا هذا الرجل ويصبحوه قبل أن يوافي أصحابه فقال الزبير: يا أبا الجرباء إنا لنعرف أمور الحرب،
_________________
(١) ط ٤ – ٤٩٥.
[ ١٤٩ ]
ولكنهم أهل دعوتنا وهذا أمر حدث في أشياء لم تكن قبل اليوم هذا أمر من لم يلق الله ﷿ فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة ومع ذلك إنه قد فارقنا وافدهم على أمر وأنا أرجوا أن يتم لنا الصلح فأبشروا وأصبروا وأقبل صبرة بن شيمان فقال: يا طلحة يا زبير انتهزا بنا هذا الرجل فإن الرأي في الحرب خير من الشدة فقالا: يا صبرة إنا وهم مسلمون وهذا أمر لم يكن قبل اليوم فينزل فيه قرآن أو يكون فيه من رسول الله ﷺ سنة إنما هو حدث وقد زعم قوم أنه لا ينبغي تحريكه اليوم وهم علي ومن معه فقلنا: نحن لا ينبغي لنا أن نتركه اليوم ولا نؤخره فقال علي: هذا الذي ندعوكم إليه من إقرار هؤلاء القوم شر وهو خير من شر منه وهو كأمر لا يدرك وقد كاد أن يبين لنا وقد جاءت الأحكام بين المسلمين بإيثار أعمها منفعة وأحوطها.
وأقبل كعب بن سور فقال: ما تنتظرون يا قوم بعد توردكم أوائلهم؟ اقطعوا هذا العنق من هؤلاء فقالوا: ياكعب إن هذا أمر بيننا وبين إخواننا وهو أمر ملتبس لا والله ما أخذ أصحاب محمد ﷺ مذ بعث الله ﷿ نبيه طريقا إلا علموا أين مواقع أقدامهم حتى حدث هذا فإنهم لا يدرون أمقبلون هم أم مدبرون! إن الشيء يحسن عندنا اليوم ويقبح عند إخواننا فإذا كان من الغد قبح عندنا وحسن عندهم وإنا لنحتج عليهم بالحجة فلا يرونها حجة ثم يحتجون بها على أمثالها ونحن نرجوا الصلح إن أجابوا إليه وتموا وإلا فإن آخر الدواء الكي.
وقام إلى علي بن أبي طالب أقوام من أهل الكوفة يسألونه عن إقدامهم على القوم فقام إليه فيمن قام الأعور بن بنان المنقري فقال له علي: على الإصلاح
[ ١٥٠ ]
وإطفاء النائرة١ لعل الله يجمع شمل هذه الأمة بنا ويضع حربهم وقد أجابوني قال: فإن لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: دفعناهم عن أنفسنا قال: فهل لهم مثل ما عليهم من هذا؟ قال: نعم.
وقام إليه ابو سلامة الدألاني فقال٢: أترى لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله ﷿ بذلك؟ قال: نعم، قال: فترى لك حجة بتأخيرك٣ ذلك؟ قال: نعم، إن الشيء إذا كان لايدرك، فالحكم فيه أحوطه وأعمه نفعا، قال: فما حالنا وحالكم إن ابتلينا فدا؟ قال: إني لأرجو ألا يقتل أحد نقي قلبه لله منا ومنهم إلا أدخله الله الجنة.
وقام إليه مالك بن حبيب، فقال: ما أنت صانع إذا لقيت هؤلاء القوم؟ قال: قد بان لنا ولهم أن الإصلاح الكف عن هذا الأمر فإن بايعونا فذلك فإن أبوا وأبينا إلا القتال فصدع لا يلتئم قال: فإن ابتلينا فما بال قتلانا؟ قال: من أراد الله ﷿ نفعه ذلك وكان نجاءه.
وقام علي فخطب الناس غحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس، املكوا أنفسكم كفوا أيديكم وألسنتكم عن هؤلاء القوم، فأنهم إخوانكم واصبروا على ما يأتيكم، وإياكم أن تسبقونا فإن المخصوم غدا من خصم اليوم.
ثم ارتحل وأقدم ودفع تعبيته التي قدم فيها، حتى إذا أطل على القوم بعث إليهم حكيم بن سلامه ومالك بن حبيب: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا وأقرونا ننزل وننظر في هذا الأمر.
_________________
(١) النائرة: العداوة والشحناء. (المنجد) .
(٢) ط ٤ – ٤٩٦.
(٣) ابن الأثير: "بتأخير ذلك". النويري: "بتأخير ذلك إلى اليوم".
[ ١٥١ ]
فخرج إليه الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمرين قد منعوا حرقوص بن زهير ولا يرون القتال مع علي بن أبي طالب فقال: يا علي إن قومنا بالبصرة يزعمون إنك إن ظهرت عليهم غدا أنك تقتل رجالهم وتسبي نساءهم فقال: ما مثلي يخاف هذا منه وهل يحل هذا إلا ممن تولى وكفر ألم تسمع إلى قول الله ﷿ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ ١ وهم قوم مسلمون! هل أنت مغن عني قومك؟ قال: نعم واختر مني واحدة من ثنتين إما أن أكون آتيك فأكون معك بنفسي وإما أن أكف عنك عشرة آلاف سيف فرجع إلى الناس فدعاهم إلى القعود وقد بدأ فقال: يال خندف فأجابه ناس ثم نادى يال تميم فأجابه ناس ثم نادى: يال سعد فلم يبق سعدي إلا أجابه فاعتزل بهم ثم نظر ما يصنع الناس فلما وقع القتال وظفر علي جاؤوا وافرين فدخلوا فيما دخل فيه الناس.
[كذلك] أرسل عمران بن حصين٢ في الناس يخذل من الفريقين جميعا كما صنع الأحنف وأرسل إلى بني عدي فيما أرسل فاقبل رسوله حتى نادى على باب مسجدهم: ألا إن أبا نجيد عمران بن الحصين يقرئكم السلام ويقول لكم: والله لأن أكون في جبل حضن٣ مع أعنز خضر وضأن أجز أصوافها وأشرب ألبانها أحب إلى من أن أرمي في شيء من هذين الصفين بسهم فقالت بنو عدي جميعا بصوت واحد: إنا والله لا ندع ثقل رسول الله ﷺ لشيء - يعنون أم المؤمنين.
_________________
(١) سورة الغاشية، الآية ٢٢ – ٢٣.
(٢) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٥٠٢.
(٣) في نسخة "حصين".
[ ١٥٢ ]
وأهل البصرة فرق١: فرقة مع طلحة والزبير وفرقة مع علي وفرقة لا ترى القتال مع أحد من الفريقين وجاءت عائشة ﵂ من منزلها الذي كانت فيه حتى نزلت في مسجد الحدان في الأزد وكان القتال في ساحتهم ورأس الأزد يومئذ صبرة بن شيمان فقال له كعب بن سور: إن الجموع إذا تراءوا لم تستطع وإنما هي بحور تدفق فأطعني ولا تشهدهم واعتزل بقومك فإني أخاف ألا يكون صلح وكن وراء هذه النطفة ودع هذين الغارين من مضر وربيعة فهما إخوان فإن اصطلحا فالصلح ما اردنا وإن اقتتلا كنا حكاما عليهم غدا - وكان كعب في الجاهلية نصرانيا - فقال صبرة: أخشى أن يكون فيك شيء من النصرانية أتأمرني أن أغيب عن إصلاح بين الناس وأن أخذل أم المؤمنين وطلحة والزبير وإن ردوا عليهم الصلح وأدع الطلب بدم عثمان لا أفعل ذلك أبدا فأطبق أهل اليمن على الحضور.
[و] لما رجع الأحنف٢ بن قيس من عند علي لقيه هلال بن وكيع بن مالك ابن عمرو فقال: ما رأيك قال: الاعتزال فما رأيك؟ قال: مكانفة أم المؤمنين أفتدعنا وأنت سيدنا؟ قال: إنما أكون سيدكم غدا إذا قتلت وبقيت فقال هلال: هذا وأنت شيخنا؟ فقال: انا الشيخ المعصي وأنت الشاب المطاع فاتبعت بنو سعد الأحنف فاعتزل بهم إلى وادي السباع واتبعت بنو حنظلة هلال وتابعت بنو عمرو أبا الجرباء فقاتلوا.
_________________
(١) حديث سيف هنا عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٥٠٣.
(٢) عن الضريس البجلي، عن ابن يعمر، ط ٤ – ٥٠٤.
[ ١٥٣ ]
[و] لما أقبل الأحنف نادى: يا لأد١ اعتزلوا هذا الامر وولوا هذين الفريقين كيسة وعجزه فقام المنجاب بن راشد فقال: يال الرباب لا تعتزلوا واشهدوا هذا الأمر وتولوا كيسه ففارقوا فلما قال: يال تميم اعتزلوا هذا الأمر وولوا هذين الفريقين كيسه وعجزه قام أبو الجرباء - وهو من بني عثمان بن مالك بن عمرو بن تميم - فقال: يال عمرو لا تعتزلوا هذا الأمر وتولوا كيسه فكان أبو الجرباء على بني عمرو بن تميم والمنجاب بن راشد على بني ضبة فلما قال: يال زيد مناة اعتزلوا هذا الامر وولوا هذين الفريقين كيسه وعجزه قال هلال بن وكيع: لا تعتزلوا هذا الأمر ونادى: يال حنظلة تولوا كيسه فكان هلال على حنظلة وطاوعت سعد الأحنف واعتزلوا إلى وادي السباع.
كان على هوازن٢ وعلى بني سليم والأعجاز مجاشع بن مسعود السلمي وعلى عامر زفر بن الحارث وعلى غطفان أعصر بن النعمان الباهلي وعلى بكر ابن وائل مالك بن مسمع واعتزلت عبد القيس إلى علي إلا رجلا فإنه أقام ومن بكر بن وائل قيام واعتزل منهم مثل من بقي منهم عليهم سنان وكانت الأزد على ثلاثة رؤساء: صبرة بن شيمان ومسعود وزياد ابن عمرو والشواذب عليهم رجلان: على مضر الخريت بن راشد وعلى قضاعة والتوابع الرعبي الجرمي - وهو لقب - وعلى سائر اليمن ذو الآجرة الحميري.
فخرج طلحة والزبير فنزلا بالناس من الزابوقة في موضع قرية الأرزاق فنزلت مضر جميعا وهم لا يشكون في الصلح ونزلت ربيعة فوقهم جميعا وهم لا
_________________
(١) عن محمد، وعن أبي عثمان، ط ٤ – ٥٠٤، في نسخة "يا لزيد" وهو أد بن طابخة، أصل تميم.
(٢) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٥٠٥.
[ ١٥٤ ]
يشكون في الصلح ونزلت اليمن جميعا أسفل منهم وهم لا يشكون في الصلح وعائشة في الحدان والناس في الزابوقة على رؤسائهم هؤلاء وهم ثلاثون ألفا وردوا حكيما ومالكا إلى علي بأنا على ما فارقنا عليه القعقاع فأقدم فخرجا حتى قدما عليه بذلك فارتحل حتى نزل عليهم بحيالهم فنزلت القبائل إلى قبائلهم مضر إلى مضر وربيعة إلى ربيعة واليمن إلى اليمن وهم لا يشكون في الصلح فكان بعضهم بحيال بعض وبعضهم يخرج إلى البعض ولا يذكرون ولا ينوون إلا الصلح وخرج أمير المؤمنين فيمن معه وهم عشرون الفا وأهل الكوفة على رؤسائهم الذين قدموا معهم ذا قار وعبد القيس على ثلاثة رؤساء: جذيمة وبكر على ابن الجارود والعمور على عبد الله بن السوداء وأهل هجر على ابن الأشج وبكر بن وائل من أهل البصرة على ابن الحارث ابن نهار وعلى دنور بن علي الزط والسبابجة وقدم علي ذا قار في عشرة آلاف وانضم إليه عشرة آلاف.
فلما نزل الناس واطمأنوا خرج علي وطلحة والزبير فتواقفوا وتكلموا فيما اختلفوا فيه فلم يجدوا أمرا هو أمثل من الصلح ووضع الحرب حين رأوا الأمر قد أخذ في الإنقشاع وأنه لا يدرك فافترقوا عن موقفهم على ذلك ورجع علي إلى عسكره وطلحة والزبير إلى عسكرهما.
[ ١٥٥ ]