وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدهم: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الله ﷿ بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا فبلغ عن الله ما أمره به ثم مضى وقد قضى الذي عليه وخلف فينا كتابه فيه حلاله وحرامه وبيان الأمور التي قدر فأمضاها على ما أحب العباد وكرهوا فكان الخليفة أبو بكر ﵁ وعمر ﵁ ثم أدخلت في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملأ من الأمة ثم أجمع أهل الشورى عن ملأ منهم ومن الناس علي على غير طلب مني ولا محبة فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون تابعا غير مستتبع متبعا غير مبتدع مقتديا غير متكلف فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا ترة فيما مضى إلا إمضاء الكتاب فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر فعابوا علي أشياء مما كانوا يرضون وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها فصبرت لهم نفسي وكففتها عنهم منذ سنين١ وأنا أرى وأسمع فازدادوا على الله ﷿ جرأة حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله ﷺ وحرمه وأرض الهجرة وثابت إليهم الأعراب فهم كالأحزاب أيام
_________________
(١) في نسخة: "منذ سنتين".
[ ٦١ ]
الأحزاب أو من غزانا بأحد إلا ما يظهرون فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق.
فأتى الكتاب أهل الأمصار فخرجوا على الصعبة والذلول فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حديج السكوني وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو.
وكان المحضضين بالكوفة على إعانة أهل المدينة عقبة بن عمرو وعبد الله بن أبي أوفى وحنظلة بن الربيع التميمي في أمثالهم من أصحاب النبي ﷺ وكان المحضضين بالكوفة من التابعين أصحاب عبد الله مسروق بن الأجدع والأسود بن يزيد وشريح بن الحارث وعبد الله بن عكيم١ في أمثالهم يسيرون فيها ويطوفون على مجالسها يقولون: يا أيها الناس إن الكلام اليوم وليس به غدا وإن النظر يحسن اليوم ويقبح غدا وإن القتال يحل اليوم ويحرم غدا إنهضوا إلى خليفتكم وعصمة أمركم.
وقام بالبصرة عمران بن حصين وأنس بن مالك وهشام بن عامر في أمثالهم من أصحاب النبي ﷺ يقولون مثل ذلك ومن التابعين كعب بن سور وهرم ابن حيان العبدي وأشباه لهما يقولون ذلك. وقام بالشام عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وأبو أمامة في أمثالهم من أصحاب النبي ﷺ يقولون مثل ذلك ومن التابعين شريك بن خباشة النميري وأبو مسلم الخولاني وعبد الرحمن بن غنم بمثل ذلك وقام بمصر خارجة في أشباه له وقد كان بعض المحضضين قد شهد قدومهم فلما رأوا حالهم إنصرفوا إلى أمصارهم بذلك وقاموا فيهم.
ولما جاءت الجمعة التي على اثر نزول المصريين مسجد رسول الله ﷺ خرج
_________________
(١) ابن الأثير "حكيم".
[ ٦٢ ]
عثمان فصلى بالناس ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء العدى، الله الله! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ فامحوا الخطايا بالصواب فإن الله ﷿ لا يمحو السيء إلا بالحسن.
فقام محمد بن مسلمة فقال: انا اشهد بذلك فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده فقام زيد بن ثابت فقال: ابغني الكتاب١ فثار عليه من ناحية أخرى محمد بن أبي قتيرة فأقعده وقال فأفظع وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتى صرع على المنبر مغشيا عليه فاحتمل فأدخل داره. وكان المصريون لا يطمعون في أحد من أهل المدينة أن يساعدهم إلا في ثلاثة نفر فإنهم كانوا يراسلونهم: محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة وعمار بن ياسر وشمر أناس من الناس فاستقتلوا منهم سعد بن مالك وأبو هريرة وزيد بن ثابت والحسن بن علي فبعث إليهم عثمان بعزمه لما انصرفوا فانصرفوا وأقبل علي ﵇ حتى دخل على عثمان وأقبل طلحة حتى دخل عليه وأقبل الزبير حتى دخل عليه يعودونه من صرعته ويشكون بثهم ثم رجعوا إلى منازلهم.
وقد سأل أبو عمر الحسن٢ هل شهدت حصر عثمان؟ قال: نعم وأنا يومئذ غلام في أتراب لي في المسجد فإذا كثر اللغط جثوت على ركبتي أو قمت فأقبل القوم حين أقبلوا حتى نزلوا المسجد وما حوله فاجتمع إليهم أناس من أهل المدينة يعظمون ما صنعوا وأقبلوا على أهل المدينة يتوعدونهم فبينا هم كذلك في لغطهم حول الباب فطلع عثمان فكأنما كانت نارا طفئت فعمد إلى المنبر فصعده فحمد الله وأثنى عليه فثار رجل، فأقعده رجل
_________________
(١) أبغى الكتاب: أحضر لي الكتاب.
(٢) عن أبي عمرو، عن الحسن "وقد وردت في النص عن لسان أبي عمر: قلت له هل " ط ٤ – ٣٥٣.
[ ٦٣ ]
وقام آخر فأقعده آخر ثم ثار القوم فحصبوا عثمان حتى صرع فاحتمل فأدخل فصلى بهم عشرين يوما ثم منعوه من الصلاة.
[وفي رواية أخرى لسيف] ١.
صلى عثمان بالناس بعدما نزلوا به في المسجد ثلاثين يوما ثم أنهم منعوه الصلاة فصلى بالناس أميرهم الغافقي دان له المصريون والكوفيون والبصريون وتفرق أهل المدينة في حيطانهم ولزموا بيوتهم لا يخرج أحد ولا يجلس إلا وعليه سيفه يمتنع به من رهق القوم وكان الحصار اربعين يوما وفيهن كان القتل ومن تعرض لهم وضعوا فيه السلاح وكانوا قبل ذلك ثلاثين يوما يكفون.
_________________
(١) عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، ط ٤ – ٣٥٤.
[ ٦٤ ]