[وفي رواية اخرى] ١.
لما نزل علي ذا قار أرسل ابن عباس والأشتر بعد محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر وأرسل الحسن بن علي وعمار بعد ابن عباس والأشتر فخف في ذلك الامر جميع من كان نفر فيه ولم يقدم فيه الوجوه اتباعهم فكانوا خمسة آلاف أخذ نصفهم في البر ونصفهم في البحر وخف من لم ينفر فيها ولم يعمل لها وكان على طاعته٢ ملازما للجماعة فكانوا أربعة آلاف فكان رؤساء الجماعة القعقاع بن عمرو وسعد٣ بن مالك وهند بن عمرو والهيثم بن شهاب وكان رؤساء النفار: زيد بن صوحان والأشتر مالك بن الحارث وعدي بن حاتم والمسيب بن نجبة ويزيد بن قيس ومعهم اتباعهم وأمثال
_________________
(١) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٤٨٦.
(٢) في نسخة "وكان علي ظاعنا".
(٣) في نسخة: "سعد".
[ ١٤٤ ]
لهم ليسوا دونهم إلا أنهم لم يؤمروا منهم حجر بن عدي وابن محدوج البكري وأشباه لهما لم يكن في أهل الكوفة أحد على ذلك الرأي غيرهم فبادروا في الوقعة إلا قليلا فلما نزلوا على ذي قار دعا القعقاع بن عمرو فارسله إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين الرجلين يابن الحنظلية - وكان القعقاع من أصحاب النبي ﷺ - فادعهما إلى الالفة والجماعة وعظم عليهما الفرقة وقال له: كيف أنت صانع فيما جاءك منهما مما ليس عندك فيه وصاة مني؟ فقال: نلقاهم بالذي أمرت به فإذا جاء منهما أمر ليس عندنا منك فيه رأي اجتهدنا الرأي وكلمناهم على قدر ما نسمع ونرى أنه ينبغي قال: أنت لها فخرج القعقاع حتى قدم البصرة فبدأ بعائشة ﵂ فسلم عليها وقال: أي أمة ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني إصلاح بين الناس قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما فبعثت إليهما فجاءا فقال: إني سالت أم المؤمنين ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح فوالله لئن عرفنا لنصلحن ولئن أنكرناه لا نصلح قالا: قتلة عثمان ﵁ فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن وإن عمل به كان إحياء للقرآن فقال: قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة وأنتم قبل قتلهم أقرب إلى الإستقامة منكم اليوم قتلتم ستمائة إلا رجلا فغضب لهم ستة آلاف واعتزلوكم وخرجوا من بين أظهركم وطلبتم ذلك الذي أفلت - يعني حرقوص بن زهير - فمنعه ستة آلاف وهم على رجل فإن تركتموه كنتم تاركين لما تقولون وإن قاتلتموهم والذين إعتزلوكم فأديلوا عليكم فالذي حذرتم وقربتم به هذا الامر أعظم مما أراكم تكرهون وأنتم أحميتم مضر وربيعة من هذه البلاد فاجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير فقالت أم المؤمنين: فتقول أنت
[ ١٤٥ ]
ماذا؟ قال: اقول هذا الأمر دواؤه التسكين وإذا سكن اختلجوا فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير وتباشير رحمة ودرك بثأر هذا الرجل وعافية وسلامة لهذه الأمة وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شر وذهاب هذا الثأر وبعثة الله في هذه الأمة هزاهزها فآثروا العافية ترزقوها وكونوا مفاتيح الخير كما كنتم تكونون ولا تعرضونا للبلاء ولا تعرضوا له فيصرعنا وإياكم وأيم الله إني لأقول هذا وأدعوكم إليه وإني لخائف ألا يتم حتى يأخذ الله ﷿ حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها ونزل بها ما نزل فإن هذا الأمر الذي حدث أمر ليس يقدر وليس كالأمور ولا كقتل الرجل الرجل ولا النفر الرجل ولا القبيلة الرجل فقالوا: نعم إذا قد أحسنت وأصبت المقالة فارجع فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر فرجع إلى علي فأخبره فاعجبه ذلك وأشرف القوم على الصلح كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه.
وأقبلت وفود البصرة نحو علي حين نزل بذي قار فجاءت وفود تميم وبكر قبل رجوع القعقاع لينظروا ما رأي إخوانهم من أهل الكوفة وعلى أي حال نهضوا إليه وليعلموهم أن الذي عليه رأيهم الإصلاح ولا يخطر لهم قتال على بال فلما لقوا عشائرهم من أهل الكوفة بالذي بعثهم فيه عشائرهم من أهل البصرة وقال لهم الكوفيون مثل مقالتهم وأدخلوهم على علي فأخبروه خبرهم سأل علي جرير بن شرس عن طلحة والزبير فأخبره عن دقيق أمرهما وجليله حتى تمثل له:
ألا ابلغ بني بكر رسولا فليس إلى بني كعب سبيل
سيرجع ظلمكم منكم عليكم طويل الساعدين له فضول
[ ١٤٦ ]
وتمثل علي عندها:
ألم تعلم أبا سمعان أنا نرد الشيخ مثلك ذا الصداع
ويذهل عقله بالحرب حتى يقوم فيستجيب لغير داع
فدافع عن خزاعة جمع بكر وما بك يا سراقة من دفاع
[و] لما جاءت١ وفود أهل البصرة إلى أهل الكوفة ورجع القعقاع من عند أم المؤمنين وطلحة والزبير بمثل رأيهم جمع علي الناس ثم قام على الغرائر فحمد الله ﷿ وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ وذكر الجاهلية وشقاءها والإسلام والسعادة وإنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله ﷺ ثم الذي يليه ثم حدث هذا الحدث الذي جره على هذه الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا حسدوا من أفاءها الله عليه على الفضيلة وأرادوا رد الاشياء على أدبارها والله بالغ أمره ومصيب ما أراد ألا وإني راحل غدا فارتحلوا ألا ولا يرتحلن غدا أحد أعان على عثمان بشيء في شيء من أمور الناس وليغن السفهاء عني أنفسهم.
_________________
(١) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٤٩٣.
[ ١٤٧ ]