كتب عثمان٢ إلى أهل الأمصار: أما بعد فإني آخذ العمال بموافاتي في كل موسم وقد سلطت الأمة منذ وليت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يرفع علي شيء ولا على أحد من عمالي إلا أعطيته وليس لي ولعيالي حق قبل الرعية إلا متروك لهم وقد رفع إلى أهل المدينة أن أقواما يشتمون وآخرون يضربون فيامن ضرب سرا وشتم سرا من ادعى شيئا من ذلك فليواف الموسم فليأخذ بحقه حيث كان مني أو من عمالي أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين.
فلما قرئ في الأمصار ابكى الناس ودعوا لعثمان وقالوا: إن الأمة لتمخض بشر وبعث إلى عمال الأمصار فقدموا عليه: عبد الله بن عامر ومعاوية وعبد الله بن سعد وأدخل معهم في المشورة سعيدا وعمرا فقال: ويحكم! ما هذه الشكاية؟ وما هذه الاذاعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم وما يعصب٣ هذا إلا بي فقالوا: له: ألم تبعث! ألم نرجع إليك الخبر
_________________
(١) عن محمد وطلحة وعطية، ط ٤- ٣٤٢.
(٢) يعصب بي: أي يناط بي.
[ ٥٠ ]
عن القوم١ ألم يرجعوا ولم يشافههم أحد بشيء؟ لا والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلا وما كنت لنأخذ به أحدا فيقيمك على شيء وما هي إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها ولا الانتهاء إليها قال: فأشيروا علي فقال: سعيد بن العاص: هذا أمر مصنوع يصنع في السر فيلقى به غير ذي المعرفة فيخبر به فيتحدث به في مجالسهم قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم.
وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم فإنه خير من أن تدعهم.
قال معاوية: قد وليتني فوليت قوما لا يأتيك عنهم إلا الخير والرجلان أعلم بناحيتيهما قال: فما الرأي؟ قال: حسن الأدب قال: فما ترى يا عمرو؟ قال: أرى أنك قد لنت لهم وتراخيت عنهم وزدتهم على ما كان يصنع عمر فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتد في موضع الشدة وتلين في موضع اللين إن الشدة تنبغي لمن لا يألو الناس شرا واللين لمن يخلف الناس بالنصح وقد فرشتها جميعا اللين.
وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال: كل ما أشرتم به علي قد سمعت ولكل أمر باب يؤتى منه إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن وإن بابه الذي يغلق عليه فيكفكف به اللين والمؤتاة والمتابعة إلا في حدود الله تعالى ذكره التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدها فإن سده شيء فرفق فذاك والله ليفتحن وليست لأحد علي حجة حق وقد علم الله أني لم آل الناس خيرا ولا نفسي ووالله إن رحا الفتنة لدائرة فطوبى لعثمان
_________________
(١) في ابن الأثير "العوام".
[ ٥١ ]
إن مات ولم يحركها كفكفوا الناس وهبوا لهم حقوقهم واغتفروا لهم وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها.
فلما نفر عثمان أشخص معاوية وعبد الله بن سعد إلى المدينة ورجع ابن عامر وسعيد معه ولما استقل عثمان رجز الحادي:
قد علمت ضوامر المطي وضامرات عوج القسي
أن الأمير بعده علي وفي الزبير خلف رضي
وطلحة الحامي لها ولي
فقال كعب وهو يسير خلف عثمان: الأمير والله بعده صاحب البغلة - وأشار إلى معاوية.
ما زال معاوية يطمع فيها١ بعد مقدمه على عثمان حين جمعهم فاجتمعوا إليه بالموسم ثم ارتحل فحدا به الراجز:
أن الأمير بعده علي وفي الزبير خلف رضي
قال كعب: كذبت! صاحب الشهباء بعده - يعني معاوية - فأخبر معاوية فسأله عن الذي بلغه قال: نعم أنت الأمير بعده ولكنها والله لا تصل إليك حتى تكذب بحديثي هذا فوقعت في نفس معاوية.
[وشاركهم في هذا المكان أبو حارثة وأبو عثمان عن رجاء بن حيوة وغيره قالوا:]: فلما ورد عثمان المدينة رد الأمراء إلى أعمالهم فمضوا جميعا وأقام
_________________
(١) عن بدر بن الخليل بن عثمان بن قطبة الأسدي، عن رجل من بني أسد، ط ٤ - ٣٤٣.
[ ٥٢ ]
سعيد بعدهم فلما ودع معاوية عثمان خرج من عنده وعليه ثياب السفر متقلدا سيفه متنكبا قوسه فإذا هو بنفر من المهاجرين فيهم طلحة والزبير وعلي فقام عليهم فتوكأ على قوسه بعدما سلم عليهم ثم قال: إنكم قد علمتم أن هذا الأمر كان إذ الناس يتغالبون إلى رجال فلم يكن منكم أحد إلا وفي فصيلته من يرئسه ويستبد عليه ويقطع الأمر دونه ولا يشهده ولا يؤامره حتى بعث الله جل وعز نبيه ﷺ وأكرم به من اتبعه فكانوا يرئسون من جاء من بعده وأمرهم شورى بينهم يتفاضلون بالسابقة والقدمة والاجتهاد فإن أخذوا بذلك وقاموا عليه كان الأمر أمرهم والناس تبع لهم وإن أصغوا إلى الدنيا وطلبوها بالتغالب سلبوا ذلك ورده الله إلى من كان يرئسهم وإلا فليحذروا الغير فإن الله على البدل قادر وله المشيئة في ملكه وأمره إني قد خلفت فيكم شيخا فاستوصوا به خيرا وكانفوه تكونوا أسعد منه بذلك ثم ودعهم ومضى فقال علي: ما كنت أرى أن في هذا خيرا فقال الزبير: لا والله ما كان قط أعظم في صدرك وصدورنا منه الغداة.
وكان معاوية١ قد قال لعثمان غداة ودعه وخرج: يا أمير المؤمنين انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به فإن أهل الشام على الأمر لم يزالوا فقال: أنا لا أبيع جوار رسول الله ﷺ بشيء وإن كان فيه قطع خيط عنقي قال: فأبعث إليك جندا منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياك قال أنا أقتر على جيران رسول الله ﷺ الارزاق بجند تساكنهم وأضيق على أهل دار الهجرة والنصرة! قال: والله يا أمير المؤمنين لتغتالن أو لتغزين قال: حسبي الله ونعم الوكيل وقال: معاوية يا أيسار الجزور وأين أيسار الجزور ثم خرج حتى وقف على النفر ثم مضى.
_________________
(١) الحديث هنا لسيف عن شيوخه. ط ٤ – ٣٤٥.
[ ٥٣ ]