ومضى الزبير١ في صدر يوم الهزيمة راجلا نحو المدينة فقتله ابن جرموز وخرج عتبة بن أبي سفيان وعبد الرحمن ويحيى ابنا الحكم يوم الهزيمة قد شججوا في البلاد فلقوا عصمة بن أبير التيمي فقال: هل لكم في الجوار؟ قالوا: من أنت؟ قال عصمة بن أبير قالوا: نعم قال: فأنتم في جواري إلى الحول فمضى بهم ثم حماهم وأقام عليهم حتى برئوا ثم قال: اختاروا أحب بلد إليكم أبلغكموه قالوا: الشام فخرج بهم في اربعمائة راكب من تيم الرباب حتى إذا وغلوا في بلاد كلب بدومة قالوا: قد وفيت ذمتك وذممهم وقضيت الذي عليك فارجع فرجع وفي ذلك يقول الشاعر:
وفي ابن أبير والرماح شوارع بآل أبي العاصي وفاء مذكرا
وأما ابن عامر فإنه خرج أيضا مشججا فتلقاه رجل من بني حرقوص يدعى مريا فدعاه للجوار فقال نعم فأجاره واقام عليه؟ وقال: اي البلدان أحب إليك؟ قال: دمشق فخرج به في ركب من بني حرقوص حتى بلغوا به دمشق وقال حارثة بن بدر - وكان مع عائشة واصيب في الوقعة ابنه أو أخوه زراع٢.
أتاني من الأنباء ان ابن عامر أناخ والقى في دمشق المراسيا
_________________
(١) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٥٣٥.
(٢) في نسخة "دراع".
[ ١٧٥ ]
وأوى مروان بن الحكم إلى أهل بيت من عنزة يوم الهزيمة فقال لهم: اعلموا مالك بن مسمع بمكاني فأتوا مالكا فأخبروه بمكانه فقال لاخيه مقاتل: كيف نصنع بهذا الرجل الذي قد بعث إلينا يعلمنا بمكانه؟ قال: أبعث ابن أخي فأجره والتمسوا له الأمان من علي فإن آمنه فذاك الذي نحب وإن لم يؤمنه خرجنا به وبأسيافنا فإن عرض له جالدنا دونه بأسيافنا فإما أن نسلم وإما أن نهلك كراما وقد استشار غيره من أهله من قبل في الذي استشار فيه مقاتلا فنهاه فأخذ برأي أخيه وترك رأيهم فأرسل إليه فأنزله داره وعزم على منعه إن اضطر إلى ذلك وقال: الموت دون الجوار وفاء وحفظ لهم بنو مروان ذلك بعد وانتفعوا به عندهم وشرفوهم بذلك وأوى عبد الله بن الزبير إلى دار رجل من الأزد يدعى وزيرا وقال: إئت أم المؤمنين فأعلمها بمكاني وإياك أن يطلع على هذا محمد بن أبي بكر فأتى عائشة ﵂ فأخبرها فقالت: علي بمحمد فقال: يا أم المؤمنين إنه قد نهاني أن يعلم به محمد فأرسلت إليه فقالت: إذهب مع هذا الرجل حتى تجيئني بابن اختك فانطلق معه فدخل بالأزدي على ابن الزبير قال١: جئتك والله بما كرهت وأبت أم المؤمنين إلا ذلك فخرج عبد الله ومحمد وهما يتشاتمان فذكر محمد عثمان فشتمه وشتم عبد الله محمدا حتى انتهى إلى عائشة في دار عبد الله ابن خلف - وكان عبد الله بن خلف قبل يوم الجمل مع عائشة وقتل عثمان أخوه مع علي - وأرسلت عائشة في طلب من كان جريحا فضمت منهم ناسا وضمت مروان فيمن ضمت فكانوا في بيوت الدار.
_________________
(١) ط ٤ – ٥٣٧.
[ ١٧٦ ]
وغشي الوجوه عائشة١ وعلي في عسكره ودخل القعقاع بن عمرو على عائشة في أول من دخل فسلم عليها فقالت: إني رأيت رجلين بالأمس اجتلدا بين يدي وارتجزا بكذا فهل تعرف كوفيك منهما؟ قال: نعم ذاك الذي قال: "أعق أم نعلم" وكذب والله إنك لأبر أم نعلم ولكن لم تطاعي فقالت: والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة وخرج فأتى عليا فأخبره أن عائشة سألته فقال: ويحك من الرجلان قال ذلك أبو هالة الذي يقول:
كيما أرى صاحبه عليا
فقال: والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة فكان قولهما واحدا.
وتسلل الجرحى٢ في جوف الليل ودخل البصرة من كان يطيق الإنبعاث منهم وسألت عائشة يومئذ عن عدة من الناس منهم من كان معها ومنهم من كان عليها وقد غشيها الناس وهي في دار عبد الله بن خلف فكلما نعي لها منهم واحد قالت: يرحمه الله فقال لها رجل من أصحابها: كيف ذلك؟ قالت: كذلك قال رسول الله ﷺ فلان في الجنة وفلان في الجنة وقال علي بن أبي طالب يومئذ: إني لارجو ألا يكون أحد من هؤلاء نقى قلبه إلا أدخله الله الجنة.
قال علي٣: ما نزل على النبي ﷺ آية أفرح له من قول الله ﷿:
_________________
(١) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٥٣٧.
(٢) عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٥٣٧.
(٣) عن عطية، عن أبي أيوب، عن علي، ط ٤ – ٥٣٧.
[ ١٧٧ ]
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ١ فقال ﷺ: "ما أصاب المسلم في الدنيا من مصيبة في نفسه فبذنب وما يعفو الله ﷿ عنه أكثر وما أصابه في الدنيا فهو كفارة له وعفو منه لا يعتد عليه فيه عقوبة يوم القيامة وما عفا الله ﷿ عنه في الدنيا فقد عفا عنه والله أعظم من أن يعود في عفوه".
_________________
(١) سورة الشورى، الآية ٣٠.
[ ١٧٨ ]