ولما قدم محمد ومحمد على الكوفة وأتيا أبو موسى بكتاب امير المؤمنين وقاما في الناس بأمره فلم يجابا إلى شيء فلما أمسوا دخل ناس من أهل الحجي على أبي موسى فقالوا: ما ترى في الخروج؟ فقال: كان الرأي بالأمس ليس باليوم إن الذي تهاونتم به فيما مضى هو الذي جر عليكم ما ترون وما بقي إنما هما أمران: القعود سبيل الآخرة والخروج سبيل الدنيا فاختاروا فلم ينفر إليه أحد فغضب الرجلان وأغلظا لأبي موسى فقال أبو موسى: والله إن بيعة عثمان ﵁ لفي عنقي وعنق صاحبكما فإن لم يكن بد من قتال لا نقاتل أحدا حتى يفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا فانطلقا إلى علي فوافياه بذي قار وأخبراه الخبر وقد خرج مع الأشتر وقد كان يعجل إلى الكوفة فقال علي: يا اشتر أنت صاحبنا في أبي موسى والمعترض في كل شيء إذهب أنت وعبد الله بن عباس فأصلح ما أفسدت.
[ ١٣٨ ]
فخرج عبد الله بن عباس ومعه الأشتر فقدما الكوفة وكلما أبا موسى واستعانا عليه بأناس من الكوفة فقال للكوفيين: أنا صاحبكم يوم الجرعة وأنا صاحبكم اليوم فجمع الناس فخطبهم وقال: أيها الناس إن أصحاب النبي ﷺ الذين صحبوه في المواطن أعلم بالله جل وعز وبرسوله ﷺ ممن لم يصحبه وإن لكم علينا حقا فأنا مؤديه إليكم؟ كان الرأي ألا تستخفوا بسلطان الله ﷿ ولا تجترئوا على الله ﷿ وكان الرأي الثاني أن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة فتردوهم إليها حتى يجتمعوا وهم أعلم بمن تصلح له الإمامة منكم ولا تكلفوا الدخول في هذا فأما إذ كان ما كان فإنها فتنة صماء النائم فيها خير من اليقظان واليقظان فيها خير من القاعد والقاعد خير من القائم والقائم خير من الراكب فكونوا جرثومة من جراثيم العرب فاغمدوا السيوف وأنصلوا الأسنة واقطعوا الأوتار وآووا المظلوم والمضطهد حتى يلتئم هذا الأمر وتنجلي هذه الفتنة.
ولما رجع١ ابن عباس إلى علي بالخبر دعا الحسن بن علي فأرسله فأرسل معه عمار بن ياسر فقال له: انطلق فأصلح ما أفسدت فأقبلا حتى دخلا المسجد فكان أول من أتاهما مسروق بن الأجدع فسلم عليهما وأقبل عمار فقال: يا أبا اليقظان علام قتلتم عثمان ﵁؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا! فقال: والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لكان خيرا للصابرين فخرج أبو موسى فلقي الحسن فضمه إليه وأقبل على عمار فقال: يا أبا اليقظان أعدوت فيمن عدا على أمير المؤمنين فأحللت نفسك مع الفجار؟ فقال: لم أفعل ولم تسؤني؟ وقطع عليهما الحسن فاقبل على أبي موسى فقال: يا أبا موسى لم تثبط الناس عنا؟ فوالله ما أردنا إلا
_________________
(١) ما زال الحديث عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٤٨٣.
[ ١٣٩ ]
الإصلاح ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء فقال: صدقت بأبي أنت وأمي ولكن المستشار مؤتمن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الراكب" قد جعلنا الله ﷿ إخوانا وحرم علينا أموالنا ودماءنا، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ١ ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ٢. وقال جل وعز: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ٣ فغضب عمار وساءه وقام وقال: يا أيها الناس إنما قال له خاصة: أنت فيها قاعدا خير منك قائما وقام رجل من بني تميم فقال لعمار: أسكت أيها العبد أنت أمس مع الغوغاء واليوم تسافه أميرنا وثار زيد بن صوحان وطبقته وثار الناس وجعل أبو موسى يكفكف الناس ثم انطلق حتى أتى المنبر وسكن الناس واقبل زيد على حمار حتى وقف بباب المسجد ومعه الكتابان من عائشة ﵂ إليه وإلى اهل الكوفة وقد كان طلب كتاب العامة فضمه إلى كتابه فأقبل بهما ومعه كتاب الخاصة وكتاب العامة: أما بعد فثبطوا أيها الناس واجلسوا في بيوتكم إلا عن قتلة عثمان بن عفان ﵁.
فلما فرغ من الكتاب قال: أمرت بأمر وأمرنا بأمر أمرت أن تقر في بيتها وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة فأمرتنا بما أمرت به وركبت ما أمرنا به فقام إليه شبث بن ربعي فقال: يا عماني - وزيد من عبد القيس عمان وليس من أهل البحرين - سرقت بجلولاء فقطعك الله وعصيت أم المؤمنين فقتلك الله! ما أمرت إلا بما أمر الله ﷿ به بالإصلاح بين الناس فقلت:
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٩٢.
(٢) سورة النساء، الآية: ٩٢.
(٣) سورة النساء، الآية: ٩٣.
[ ١٤٠ ]
ورب الكعبة وتهاوى الناس وقام أبو موسى فقال: أيها الناس أطيعوني تكونوا جرثومة من جراثيم العرب يأوي اليكم المظلوم ويأمن فيكم الخائف إنا أصحاب محمد ﷺ أعلم بما سمعنا إن الفتنة إذا أقبلت شبهت وإذا أدبرت بينت وإن هذه الفتنة باقرة كداء البطن تجري بها الشمال والجنوب والصبا والدبور فتسكن أحيانا فلا يدرى من أين تؤتى تذر الحليم كابن أمس شيموا١ سيوفكم وقصدوا٢ رماحكم وأرسلوا سهامكم واقطعوا أوتاركم والزموا بيوتكم خلوا قريشا - إذا أبوا إلا الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم بالإمرة - ترتق فتقها وتشعب صدعها فإن فعلت فلأنفسها سعت وإن أبت فعلى أنفسها منت٣، سمنها تهريق في أديمها استنصحوني ولا تستغشوني وأطيعوني يسلم لكم دينكم ودنياكم ويشقى بحر هذه الفتنة من جناها.
فقام زيد فشال يده المقطوعة فقال: يا عبد الله بن قيس رد الفرات عن دراجه٤ اردده من حيث يجيء حتى يعود كما بدأ فإن قدرت على ذلك فستقدر على ما تريد فدع عنك ما لست مدركه ثم قرأ: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ ٥ إلى آخر الآيتين، سيروا إلى أمير المؤمنين وسيد المسلمين وانفروا إليه أجمعين تصيبوا الحق.
فقام القعقاع بن عمرو فقال: إني لكم ناصح وعليكم شفيق أحب أن ترشدوا ولأقولن لكم قولا هو الحق أما ما قال الأمير فهو الأمر لو أن إليه
_________________
(١) شام السيف: أغمده.
(٢) قصدوا رماحكم: اكسروها.
(٣) أي جلبت لنفسها المنية.
(٤) أي منحدره وطريقه.
(٥) سورة العنكبوت، الآية: ٢.
[ ١٤١ ]
سبيلا وأما ما قال زيد فزيد في الامر فلا تستنصحوه فإنه لا ينتزع أحد من الفتنة طعن فيها وجرى إليها والقول الذي هو القول إنه لا بد من إمارة تنظم الناس وتزغ الظالم وتعز المظلوم وهذا علي يلي بما ولي وقد أنصف في الدعاء وإنما يدعو إلى الإصلاح فانفروا وكونوا من هذا الامر بمرأى ومسمع.
وقال سيحان: ايها الناس إنه لا بد لهذا الأمر وهؤلاء الناس من وال يدفع الظالم ويعز المظلوم ويجمع الناس وهذا واليكم يدعوكم لينظر فيما بينه وبين صاحبيه وهو المأمون على الأمة الفقيه في الدين فمن نهض إليه فإنا سائرون معه.
ولان عمار بعد نزوته الأولى فلما فرغ سيحان من خطبته تكلم عمار فقال: هذا ابن عم رسول الله ﷺ يستنفركم إلى زوجة رسول الله ﷺ وإلى طلحة والزبير١ وإني أشهد أنها زوجته في الدنيا والآخرة فانظروا ثم انظروا في الحق فقاتلوا معه فقال رجل: يا أبا اليقظان لهو مع من شهدت له بالجنة على من لم تشهد له فقال الحسن: اكفف عنا يا عمار فإن للإصلاح أهلا.
وقام الحسن بن علي فقال: يا أيها الناس أجيبوا دعوة أميركم وسيروا إلى إخوانكم فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه والله لأن يليه أولو النهي أمثل في العاجلة وخير في العاقبة فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم فسامح الناس وأجابوا ورضوا به وأتى قوم من طيء عديا فقالوا: ماذا ترى وماذا تأمر؟ فقال: ننتظر ما يصنع الناس فأخبر بقيام الحسن وكلام من تكلم فقال: قد بايعنا هذا الرجل وقد دعانا إلى جميل وإلى هذا الحدث العظيم لننظر فيه ونحن سائرون وناظرون.
_________________
(١) ما زالت الرواية عن محمد وطلحة، ط ٤ – ٤٨٥.
[ ١٤٢ ]
وقام هند بن عمرو فقال: إن أمير المؤمنين قد دعانا وأرسل إلينا رسله حتى جاءنا ابنه فاسمعوا إلى قوله وانتهوا إلى أمره وانفروا إلى أميركم فانظروا معه في هذا الأمر وأعينوه برأيكم.
وقام حجر بن عدي فقال: أيها الناس أجيبوا أمير المؤمنين وانفروا خفافا وثقالا: وأنا أولكم وقام الأشتر فذكر الجاهلية وشدتها والإسلام ورخاءه وذكر عثمان ﵁ فقام إليه المقطع بن الهيثم بن فجيع العامري ثم البكائي؛ فقال: اسكت قبحك الله كلب خلي والنباح فثار الناس فأجلسوه.
وقام المقطع فقال: إنا والله لا نحتمل بعدها أن يبوء أحد بذكر أحد من أئمتنا وإن عليا عندنا لمقنع والله لئن يكن هذا الضرب لا يرضى به علي فعض امرؤ على لسانه في مشاهدنا فأقبلوا على ما أحثاكم.
فقال الحسن: صدق الشيخ وقال الحسن: ايها الناس إني غاد فمن شاء منكم ان يخرج معي على الظهر ومن شاء فليخرج في الماء فنفر معه تسعة آلاف فأخذ بعضهم البر وأخذ بعضهم الماء وعلى كل سبع رجل أخذ البر ستة آلاف ومائتان وأخذ الماء ألفان وثمانمائة.
[ ١٤٣ ]