يكتسب هذا الكتاب أهمّيّته من كونه مصدرا أساسيا لحقبة من أهمّ الحقب التاريخية في صراع الشرق والغرب، إذ تؤرّخ لفترة من الحروب الصليبية، ولصفحة من العلائق بين المماليك وكلّ من الفرنج والتتار والأرمن وغيرهم، وذلك من خلال التأريخ لسيرة السلطان المنصور قلاوون. ولكون مؤلّفه مؤرّخا معاصرا، ومشاركا في مجريات بعض الأمور التي نطالعها بين طيّات كتابه. يضاف إلى هذا وذاك أنه يؤرّخ لسيرة السلطان قلاوون مؤسّس الأسرة التي حكمت دولة المماليك أكثر من مائة عام. وهو لم يحصر كتابه ضمن إطار الإثنتي عشرة سنة فقط، وهي المدّة التي قضّاها قلاوون في الحكم (٦٧٨ - ٦٨٩ هـ / ١٢٧٩ - ١٢٩٠ م). بل يؤرّخ لقلاوون منذ أن كان في الرابعة عشرة من عمره حين اختصّه لنفسه السلطان الأيوبي الملك الصالح نجم الدين أيوب، الذي استنابه أبوه السلطان الكامل محمد على مصر سنة ٦٢٥ هـ / ١٢٢٩ م. كما يؤرّخ لسيرته في عهد السلطان الظاهر بيبرس، مرورا بعهد شجر الدّرّ، والملك عزّ الدين أيبك التركماني، وتزويج الملك السعيد ابن الظاهر بيبرس من ابنته، وسلطنة الملك السعيد بعد وفاة أبيه الظاهر، ثم سلطنة أخيه بدر الدين سلامش، حتى تولّى هو السلطنة. ما يعني أنّ الكتاب يؤرّخ لنحو خمس وستين سنة.
ولم يقف المؤلّف بكتابه عند وفاة قلاوون سنة ٦٨٩ هـ / ١٢٩٠ م، بل زاد
[ ١١ ]
على ذلك سنة أخرى (٦٩٠ هـ / ١٢٩١ م). وهي التي تمّ فيها فتح عكا وصور وصيدا وبيروت وتحريرها من الفرنج الصليبيين، على يد السلطان الأشرف خليل ابن قلاوون.
وفي الكتاب مجموعة من نصوص المعاهدات والمراسلات السلطانية والمكاتبات التي تعتبر من وثائق عصر الحروب الصليبية، بعضها انفرد به المؤلّف ولا توجد في أيّ مصدر آخر، وبذلك تتوفّر لدى المهتمّين بدراسة الوثائق مادّة جديدة، كما يجد المعتنون بالآداب نثرا ونظما وشعرا كميّة تضاف إلى المتوفّر من أدبيّات عصر المماليك، ومن ذلك ما كتب المؤلّف من إنشائه يبشّر بالنصر على التتار في وقعة حمص سنة.٦٨٠ هـ / ١٢٨١ م (^١). وما أنشده ممتدحا السلطان قلاوون بنصره في الوقعة. رغم إصابته هو بسهم نشّاب جرح جسمه وقلبه، بقصيدة مطلعها:
نجحت مساعي سيفك البتّار بالحدّ في دم أرمن وتتار (^٢)
وكتابته لمنشور باستقرار الأمير سنقر الأشقر بصهيون (^٣)، وكتاب موادعة السلطان قلاوون لخضر ابن السلطان الظاهر ونزوله من الكرك (^٤)، وكتابة جواب على كتاب خضر ابن الظاهر باستدعاء الأمير علاء الدين الحرّاني (^٥). والتهنئة بفتح طرابلس، نثرا وشعرا (^٦)، ورثاء السلطان قلاوون عند وفاته (^٧). والتهنئة شعرا بفتح عكا وصور وصيدا (^٨). وهي نصوص لا توجد عند غيره.
ومن الأخبار التي انفرد بها المؤلّف في الكتاب خبر وجود مكاتبين نصحاء للسلطان قلاوون داخل طرابلس الشام وهي تحت حكم الفرنجة الصليبيّين. ومحاولة الفرنج التنكّر بزيّ التتار لإيهام المسلمين وخداعهم (^٩). ومحاججته بنفسه لرسول فرنجة طرابلس بشأن عرقة القريبة منها (^١٠). ووصفه لحصن المرقب (^١١)، ما يعني أنه رآه قبل أن يفقد بصره في سنة ٦٨٠ هـ. وفتواه للسلطان الأشرف خليل بفسخ الهدنة مع الفرنج في عكا (^١٢).
_________________
(١) الفضل المأثور، ورقة ٥٢ ب، ٥٣ أ.
(٢) الفضل المأثور، ورقة ٥٧ أ، ب.
(٣) الفضل المأثور، ورقة ٦٤ أ.
(٤) الفضل المأثور، ورقة ١٠٠ ب، ١٠١ أ.
(٥) الفضل المأثور، ورقة ١٠٢ ب.
(٦) الفضل المأثور، ورقة ١١٣ ب.
(٧) الفضل المأثور، ورقة ١٢٠ ب.
(٨) الفضل المأثور، ورقة ١٣٤ ب.
(٩) الفضل المأثور، ورقة ٤٩ أ.
(١٠) الفضل المأثور، ورقة ١٠٩ أ.
(١١) الفضل المأثور، ورقة ١٠٥ ب، ١٠٧ أ.
(١٢) الفضل المأثور، ورقة ١٢٨ ب، ١٢٩ أ.
[ ١٢ ]