كان منكوتمر أخو أبغا طاغية هذا الجيش عندما قرب من البلاد الشاميّة وجدها خالية من العساكر والرعايا، وتجفيلهم استجرارا له، وإنهاكا لقوّته، وبعدا لمسافة عوده عند كسرته، / ٤٥ أ / صار يركب وينفرد عن جيشه في شرذمة يسيرة للصيد، وكم من رام أن يصطاد فاصطيد، وكانت أجناد عين تاب يركبون في كلّ يوم ويتخطّفون منفرد القوم، ويتداولون ذلك اليوم بعد اليوم، فيظفرون ويغنمون ويعودون. واتّفق أنهم ركبوا يوما وأبعدوا عن الحصن، فصادفوا منكوتمر المذكور
_________________
(١) عن الهامش.
(٢) تماناتهم - طوماناتهم، مفردها تومان - طومان، وهو لفظ فارسي بمعنى الأمير، أو القائد على عشرة آلاف فارس.
(٣) في نهاية الأرب ٣١/ ٣١ يزيدون على ثمانين ألف فارس من المغل. وفي الدرّة الزكية ٢٤٢ إنّ التتار في ماية ألف فارس. وفي تاريخ ابن سباط ١/ ٤٧٥ أن العسكر ينوف عن ثمانين ألفا، منهم ٥٠ ألفا من المغل، والباقي مجمّعة من الكرج والأرمن والعجم وغيرهم.
(٤) ضبطه المؤلّف بفتح الجيم وسكون اللام، وفتح الدال المهملة، وفي آخره راء. وقد ورد في نهاية الأرب ٣١/ ٣٠ «حلتار» بالحاء المهملة والتاء المثنّاة، وفي تاريخ ابن الفرات ٧/ ٢١٣ «حلنار» بالنون.
(٥) أمير آخور: المتحدّث عن اصطبل السلطان وخيوله، وعادته أن يكون مقدّم ألف يتحدّث فيها حديثا عامّا، وهو الذي يكون ساكنا بإصطبل السلطان، ودونه ثلاثة من أمراء الطبلخاناة. (صبح الأعشى ٤/ ١٨، ١٩).
[ ٦٩ ]
في قليل من القوم، ومعه هذا «جلدر بهادر». وكان أبغا قد سيّره معه ليستضيء برأيه فيما يأتي ويذر، ولا يخرج عن إشارته وردا وصدر. لأنه من كبار قومه، وشيوخ قور لقاي هولاكو أبيه بزعمه. فحين رأى جلدر بهادر أجناد عين تاب قال لمنكوتمر: أنج بنفسك ورح أنت ومنّا ومنهم لأنك إن قابلتهم وقاتلتهم وانتصرت عليهم فلا فخر، وإن خذلت كان عارا، ففرّ منكوتمر، ووقف جلدر بهادر ومعه بعض من كان مع منكوتمر، وتجاملوا وتصادموا، فعيّن بعض أجناد عين تاب على وتر قوس جلدر بهادر بسيفه فقطعه، / ٤٥ ب / وضربه آخر بدبّوس في رأسه فصرعه، وهرب من كان حوله، واشتغل أجناد عين تاب بالأهمّ من إمساك هذا الخصم الألدّ بما أبداه من صوله. وهم التتار لا حيلة لهم إلاّ النشّاب، ولا نفوذ لهم إلاّ ما يرسله ما لقسيّهم من قاب. لا يدرون ما المطاعنة بالرماح، ولا كيف يستقي بأشطانها ما للأجساد من أرواح. ولقد حمل بعضهم عليّ برمح ليس له سنان وطعنني عدّة طعنات بعد أن أثخنت بالجراح، فلم يؤثّر فيّ ذلك الطعان.
ثمّ إنّ النائب بعين تاب عندما اقتنص جلدر بهادر سرّح الطائر الميمون بالبطائق، بطليعة هذا النصر العزيز، وأماير هذا التأييد الذي أبرزه الله (أعظم) (^١) دليلا (^٢) عليه قبل التبريز. وللوقت كتبت جواب البطائق حسب الأوامر الشريفة السلطانية بالاحتفاظ بالمذكور، وجهّز تحتها الأمير عزّ الدين أبو شامة الشهابي الحاجب على خيل البريد، وعلى يده مثال / ٤٦ أ / شريف بتسليمه له في القيد إن كان فيما للحياة من قيد، وأن يجهّز الجماعة الذين رموه إلى الأبواب العالية. فسلّم له، ووصل إلى دمشق المحروسة ومولانا السلطان بميدان القصر الأبلق يطارد الكره، ولا أقول يلعب، ويتمّرن على المدافعة وما زال في مثل ذلك يدأب. وهو رجل تامّ الخلقة، ضخم الجثّة، عريض الأكتاف، صغير الرأس. فاستؤذن مولانا السلطان عليه وهو منجمل في المطاردة، فوقف واستوقف، وألقى عصا جوكانه (^٣) التي كانت لكرة مطاردته تتلقّف. وأحضر جلدر بهادر المذكور متوكّئا على من أحضره من ثقل قيده، ورأسه معصوبة من الضّربة التي صعّرت خدّيه في التراب،
_________________
(١) عن الهامش.
(٢) الصواب: «دليل».
(٣) الجوكان: لفظ فارسي بمعنى العصا المعقوفة. وهي التي كان يلعب بها السلطان ويقذف بها الكرة. وهي عصا البولو التي تشبه الآن لعبة الهوكي.
[ ٧٠ ]
وأرته من شدّة وقعتها العجب العجاب، وأمر بتقبيل الأرض فأبى من حمقه، ونهي فصمّم إياسا ممّا بقي من رمقه. وكان كثير الضحك، فعمد إليه الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار فألقى برأسه إلى الأرض، وأقامه من سجوده / ٤٦ ب / لتقبيل يد مولانا السلطان ليحصل على السّنّة والفرض. فقبّلها مرارا، ورأى ما هاله من حسن هيئة (^١) مولانا السلطان وهيبته وجميل صورته. وعلم أنّ ذا الحقّ لا يمارى.
ثم أمر مولانا السلطان بانصرافه إلى قلعة دمشق المحروسة وإنزاله في برج من أبراجها، وأن تحمل له الفرش والحكماء ويداوى، وأن يقرّر له من الإقامة كفايته وزيادة. وأحسن له - أحسن الله إليه - العادة في العيادة.
ولمّا حضر مولانا السلطان إلى القلعة من الميدان استحضره واستخبره، فأخبر بمثل ما تضمّنه الملطّف الواصل من ديار بكر من العدّة والعدّة.
وأملى عليّ قريبي الصدر فتح الدين صاحب ديوان الإنشاء الشريف مقدّمي القوم، حتى كان إملاؤه وملطّف ديار بكر لم يختلفا في مدّه.
ولمّا عزم مولانا السلطان على التوجّه للقاء القوم جهّز المذكور إلى ديار مصر. ولمّا عاد بعد نصره إلى مقرّ ملكه أحسن إليه، وأفاض / ٤٧ أ / بملابس النعماء عليه. وأجرى رزقه، ووفّاه من الصدق في الأخيار حقّه. وأطلقه من الأسار، وصيّره بعد العبوديّة من الأحرار. إلى أن مات في خدمته، وأدركه ما فاته من الموت عند صرعته.