لما ركب مولانا السلطان للملتقى وقعت البطاقة / ٤٩ أ / من حصن الأكراد على جناح الطائر، مضمونها أنه قد وصل إليه الخبر من جوّا طرابلس الشام أنّ التتار المخذولين سيّروا جمعا كبيرا منهم إلى طرابلس ليخرجوا منه ويكونوا من وراء العساكر المنصورة عند مواجهتهم القوم باللقاء. ولما قرأها قريب المملوك
_________________
(١) = وتاريخ ابن الوردي ٢/ ٢٢٨، ٢٢٩، ومرآة الجنان ٤/ ١٩١، والبداية والنهاية ١٣/ ٢٩٥، ٢٩٦، وعيون التواريخ ٢١/ ٢٧٨ - ٢٨٠، وتذكرة النبيه ١/ ٦٢، ٦٣، وتاريخ ابن خلدون ٥/ ٣٩٨، ومآثر الإنافة ٢/ ١٢٩، وتاريخ الخميس ٢/ ٤٢٤، والسلوك ج ١ ق ٣/ ٦٩٠ - ٦٩٩، وعقد الجمان (٢) ٢٧٢ - ٢٧٨، ومشارع الأشواق ٢/ ٩٤٧، ٩٤٨، والنجوم الزاهرة ٧/ ٣٠٢ - ٣٠٦، وتاريخ ابن سباط ١/ ٤٧٥ - ٤٧٨، وتاريخ الأزمنة ٢٥٩، وتاريخ ابن الفرات ٧/ ٢١٢، وبدائع الزهور ج ١ ق ٢/ ٣٥٠، والتحفة الملوكية ٩٨ - ١٠٢.
(٢) هكذا في الأصل.
(٣) أنظر عن موت منكوتمر في: تاريخ مختصر الأول ٢٨٩، وتاريخ الزمان ٣٤٣ وفيهما أن منكوتمر» مات مسموما، وتشريف الأيام والعصور ١٨، ونهاية الأرب ٢٧/ ٣٩٩، ٤٠٠، والمختصر في أخبار البشر ٤/ ١٥، ١٦، والدرّة الزكية ٢٤٣، ودول الإسلام ٢/ ١٨٣ و١٨٥، والتحفة الملوكية ١٠٧ (حوادث سنة ٦٨١ هـ). وتاريخ ابن الوردي ٢/ ٢٢٩، وعيون التواريخ ٢١/ ٢٩٣، وتاريخ ابن خلدون ٥/ ٣٩٩، ومآثر الإنافة ٢/ ١٢٩، وتاريخ الخميس ٢/ ٢٤٢، والنهج السديد ٢٣٤، ٢٣٥، والسلوك ج ١ ق ٢/ ٧٠٥، والنجوم الزاهرة ٧/ ٣٤٨، وتاريخ ابن سباط ١/ ٤٧٨، وبدائع الزهور ج ١ ق ١/ ٣٥٠.
[ ٧٣ ]
الصدر فتح الدين المذكور على مولانا السلطان أحضر أمراء المشور، وقرئت عليهم، فلم يلووا على ذلك، وقالوا: نحن إذا لقينا القوم ودارت بنا رحى الحرب الزّبون لم يبق يعرف لنا إقبال من إدبار.
وأمر مولانا السلطان بتسريح الطائر بجوابها، مضمونه أن تثبت ولا تخرج من القلعة أنت والبحريّة (^١) المجرّدون بها إن مرّوا به ويدعهم. غير أنه يسارع بتسريح الطائر مخبرا بمرورهم عليه لا غير، ويدعنا ولطف الله وإيّاهم. فلم يكن بأسرع من أن عادت الطيّر بأنّ جماعة خرجوا من الحصن بشعار التتار من السراقوجات (^٢) وغيرها. / ٤٩ ب / وأنّ الخبر الصحيح ورد عليه من مكاتبي طرابلس النّصحاء أنّ الذين خرجوا ليسو (^٣) تتارا بل فرنجا أرادوا التشويش والإبهام والإيهام. وأنهم لم يجسروا أن يبعدوا عن باب طرابلس. بل حيّلوا وتحيّلوا (^٤).
ففهم مولانا السلطان الصورة، وهو آخذ في شأنه من جهاد القوم، مكبّ على حملاته التي لم ير في أنف وسالف ما لها من يوم.
ولما فرّ القوم لا يلوي أولهم على آخرهم، وانهزموا بين يديه كلمى قد أثّرت الجراحات في بواطنهم وظواهرهم، وعاد مولانا السلطان إلى منزلته وقد ظفر بيوم نصره الموعود المنزل من السماء بمحكم آيته. فبينما هو كذلك إذ عاد من كان من التتار قد ساق خلف الميسرة عندما خاتلتهم بالانحياز، واستجرّتهم لتريهم صدق الكرّة التي جعلها الله للمسلمين عليهم الحقيقة من المجاز. وكان هؤلاء القوم من التتار عشرة آلاف فارس أو يزيدون. وللوقت ركب مولانا السلطان في شرذمة يسيرة / ٥٠ أ / من مماليكه. ولم يكن عند ركوبه من هو من الأمراء واقف بين يديه، إلاّ الأمير سابق الدين بوزبا الساقي الظاهري، وعلم الدين زريق الجولاني (^٥). وللوقت أمر مولانا السلطان فدقّت الكوسات، ونشرت الرايات، وأتت العساكر عند سماعها مسرعين، وعند إعلان بوقاتها باستدعائهم لإتمام إهلاك عدوّ الله سامعين مطيعين.
_________________
(١) البحرية: جماعة من المماليك كانوا يبيتون بالقلعة حول دهاليز السلطان بهدف الحراسة.
(٢) السراموج: غطاء الرأس عند المغول.
(٣) هكذا، والصواب، «ليسوا» بالألف في آخره.
(٤) تفرّد المؤلّف بهذا الخبر فلم أجده في المصادر المتوفّرة.
(٥) في الدرّة الزكية ٢٤٣ «علم الدين زريق الرومي».
[ ٧٤ ]
وعندما اجتمعت العساكر تحت الصناجق المنصورة، وغدت التتار بين مولانا السلطان وبين إعدام بقيّتهم محصورة دهشوا لما نابهم من هذه الحيرة، وعلموا أنهم لا خلاص لهم وقد أحاط بهم مولانا السلطان ضرره وضيره، ولّوا الأدبار، وفرّوا ولكن لم ينفعهم الفرار، لأنّ مولانا السلطان - خلّد الله ملكه - حدّ لهم فجدلهم، وعاج لهم فعاجلهم، وساق لهم فما صاقلهم، وغسل بماء السيف خبثهم. فطهّر منهم العباد والبلاد / ٥٠ ب / وساق أرواحهم الكافرة ولا غير الخزّي واللعنة زاد.
وكانت هذه الطائفة التي أخّرها عمّن قتل من قومها ما فرغ ربّك منه من ساعة ذلك الأجل، وأمهلها ولم يهملها إلاّ ريثما قضته في أكدر عيش من الخوف والوجل. قد نزلوا السوق خلف الميسرة الإسلامية إلى المحلّ الذي عزمت الميسرة على الكرّة عليهم منها، واشتغلوا بكسب حمالة المسلمين واغتنام كسر سفرهم. وحملتهم نهمة الجوع على سوء عاقبة سفرهم، إلى رجب من صفرهم. وأطمعهم ما بلغهم من كثرة مال مولانا السلطان، وما صحبه من الخزائن التي ملئت بما يملأ العين من العين، وما الخبر كالعيان.