وسؤال / ٦٦ ب / ملكهم الصلح
لا خفاء بقوّة شوكة هذا العدو وسهولة الرواح عليه والغدوّ وكثرة عدده، وعظم همّته مع خساسة عدده، وإقدامه وثبت أقدامه، وصبره على الجلاد، وعدم تأثيره حتى من مصادمة الجماد. وقنعه من الملبوس بما لا يستر عوره، ومن المأكول بما لا يدفع سوره. ومن المشروب بما لا يبلّ غلّه، ومن المكروب بما لا له أربع تقلّه. لا يردّهم الصيف بحرّه، ولا البرد بقرّه، ولا العدوّ بكثره. استهم قتل النفوس وخراب البلاد، وأيتام الأولاد، وطالما طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، واستولوا على التهائم والنجاد، بما لهم من إبراق وإرعاد. واستمرّ عدوانهم من حين خروجهم وهو سنة أربع عشرة وستماية فما تركوا بالعجم والعراق بلدا حتى ملكوه، ولا مالا حتى استهلكوه، ولا سلطانا حتى أذلّوه، ولا منطلقا حتى أخذوه فغلّوه. ولا حريما حتى انتهكوا حرمته، / ٦٧ أ / وأخلقوا جدّته، وفلّوا (^١) حدّته، وحسموا مادّته، وقصّروا مدّته. واستولوا (حتى) (^٢) على مدينة السلام بغداد، وأزالوا بسواد وجوههم ما للشعار العبّاسيّ من سواد. واستولوا على الشام إلى أن وصلوا إلى عين جالوت، واستولى على عبدة الرحمن منهم عبدة الطاغوت. إلى أن نهض مولانا السلطان ونهّض لها الملك المظفّر قطز المعزّي، وحمله على الخروج، وروّج أمره وقد كان يقرب عهده من السلطنة لا يروج. وكان مولانا السلطان مقدمة جيشه، والمتلقّي بثبوته (^٣) ما لهذا العدوّ من تسرّع طيشه، فولّوا الأدبار لملكهم هولاكو وقد جار، وخار، وندم على حضوره إذ لم يكن لمعبوده ولا معبود له استخار. وجهل بتغريره وما علم أنّ مسامرة العسكر الإسلامي أخذه دستجار.
فلم يزل مولانا السلطان في إثرهم إلى أن جلاهم عن البلاد، وأخرجهم على وجوههم حفاة عراة مشاة ولا غير خشاش / ٦٧ ب / الأرض من زاد. واستمرّت غزوات الملك الظاهر ومولانا السلطان أبو عذرتها وابن بجدتها
_________________
(١) هكذا. والصواب: «فلّوا».
(٢) كتبت فوق السطر.
(٣) الصواب: «بثباته».
[ ٩٢ ]
وأخو نجدتها. هذا، والتتار لا يذلّون، لا يميلون ولا يملّون، ولا ينتهون إلى غاية ولا ينتهون، ولا يغيّرون لأنفسهم بل يغيرون، ولا يقفون عندما به يضرّون ويضيرون. وكلّما (مادت شوكتهم قويت، وكلّما) (^١) قام ملك من عظمهم ظنّ أنّ الأرض له قد زويت. يرون الصلح عارا وأيّ عار، ويظنّون الاستكبار في الاستكثار، والجموع الملفّقة من القوة والاستظهار. وكلّما ردّوا بالعزائم الإسلامية عادوا، وكلّما أرشدتهم الوقائع الإيمانية إلى صواب المسالمة عادوا. ولا تميل لهم جارحة على أنّها بنكاية السهام الإسلامية مجروحة لا جارحة. لم يسمع منذ ظهروا أنّ ملكهم ذلّ بإرسال رسله طالبا الصلح، ولا سائلا في المهادنة ظنّا منه أن في المقابحة لا للمصالحة غاية / ٦٨ أ / النجح.
إلى أن ملّك الله مولانا السلطان، وعلم العدوّ من التتار والفرنج أنّ الملائكة له من جملة الأعوان. وأنه كان فرعا لا يطاق فكيف وقد صار أصلا، وتبعا لا يحمل وإن كان ممّن تابعه أكبر نبلا. ورأوا أنّ الغنيمة الباردة في إطفاء جمرة ثورته، وإخماد فورته. بالصلح الذي هو سيّد الأحكام، وطلب الموادعة التي تنيمهم في الدّعة ممّا لقسيّه من سهام.