وأقام مولانا السلطان بالمنزلة التي رجع إليها لما رجع الملك السعيد عن الملتقى، والعساكر المنصورة طائعة / ١٩ ب / لأمره، منضوية إلى علوّ قدره. عالمة أنّ المصلحة في موافقته، والسلامة مقرونة بمرافقته. هذا والرسل إليه متردّدة، (والكتب بما يلين أعطافه متودّده) (^٣)، وهو يأبا (^٤) إلاّ أن يخرج إليه الملك السعيد، وأنه لا بدّ من تلقّيه كعادة الملوك معه إذا قدم من قريب أو بعيد.
فلمّا طالت الإقامة، وحصلت السّآمة، وسمجت الملامة، وظهرت للصدق على ما قاله كوندك علامه (وأيّ علامه) (^٥)، رحل مولانا السلطان بالعساكر المنصورة ونزل بالكسوة، وحال بين الملك السعيد وبين مصر بما للأنفة من قسوة. فاختبط رأي الملك السعيد، ورأى من حوله من مقيمي هذه الفتنة، وضعفت منهم المنّة. هذا، وكوندك مع مولانا السلطان يغريه، ويجتهد فيما من الغرض يبديه. وكان قد رسم له الملك السعيد قبل التحويل بأن يتوجّه إلى حلب يكون بها أمير أربعين فارس (^٦).
_________________
(١) التطليب أو المطلّب: لفظ عامّي درج على ألسنة الناس في عصر المماليك معناه: الحضور بمجموعة من فرق الجند إلى أماكن الاحتفالات على هيئة مخصوصة. - مواكب -. (معجم المصطلحات والألقاب التاريخية ١٠٨).
(٢) أنظر نهاية الأرب ٣٠/ ٣٩٤، والدرّة الزكية ٢٢٧.
(٣) عن الهامش.
(٤) الصواب: «يأبى».
(٥) عن الهامش.
(٦) الدرّة الزكية ٢٢٧.
[ ٤٣ ]
وكتبت منشوره في قطع الثلثين، وهي عادة صاحب المائة فارس. وسيّر إليه قرينه الخلعة المزركشة، / ٢٠ أ / والشاش الكافوريّ، وهو تناقض بيّن، وتفاوت وجه الهلع فيه متعيّن. فلبس التشريف ولم يقبل المنشور ولا رضي أن يتوجّه بل لاذ بخذلانه من الانتماء إلى مولانا السلطان بالمنصور.
واقتضى رأي الملك السعيد ومن حوله أن ينادي بالنفقة، وعبّيت الدنانير المألّفة (^١) بالإيوان بقلعة دمشق، فما كانت لمن نفر بالمؤلّفة. ولم يحضر أحد إلاّ من لا يؤبه إليه، ولا يعوّل عليه.
فلما لم تتمّ هذه الحيلة، ولا أفادت جلب شرذمة كثيرة ولا قليلة، عقد الرأي على أن يركب الملك السعيد ويتوجّه من طريق الكرك ويسبق القوم ويحصل بقلعة الجبل، وظنّوا أنّ ذلك من أعظم الحيل، فركب ليلا، وركبنا معه، وأمامه الخزانة على الهجن، فلم يجد سبيلا إلى الذهاب، وكاد يزك مولانا السلطان أن يأخذ الخزانة لولا أسرعت في العود والإياب.
وعدنا من ليلتنا إلى دمشق، وأخذ مولانا السلطان في الرحيل قاصدا الديار المصرية في سكون وهدوء وتؤده، / ٢٠ ب / في رواح وغدوّ.