رسم - خلّد الله سلطانه - فكتبت إلى المشار إليه ما مثاله، بعد ألقابه وتفخيمها، ومراعات (^٦) منزلته وتعظيمها.
«إنّه قد علم حنوّنا عليه وإشفاقنا، وحسن نظرنا في حقّه وحقّ مخلّفي أبيه حتى كدنا أن نخبّئهم (^٧) في آماقنا. ومراعات (^٨) أبيه الشهيد فيهم، وتنفيذ وصيّته في
_________________
(١) الصواب: «أدواؤها»، أي مصائبها.
(٢) هو أبو الفتح محمد بن محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر، تولى كتابة السّر للسلاطين: الظاهر بيبرس، والمنصور قلاوون، والأشرف خليل. مات سنة ٦٩١ هـ. بدمشق. (تالي وفيات الأعيان ١١٩، ١٢٠).
(٣) كتبت فوق السطر.
(٤) هكذا. والصواب: «دواداريّته».
(٥) الجاليش: طليعة الجيش.
(٦) الصواب: «مراعاة».
(٧) في الأصل: «تخبأهم».
(٨) الصواب: «مراعاة».
[ ٥٦ ]
ترقّيهم وتوقّيهم، ومثابرتنا على مصلحته، ومبادرتنا إلى تشييد ملكه ومملكته. واطّلع الله على نيّتنا ونيّته، وأضمرنا / ٣١ ب / له وفا، وأضمر لنا غدرا. فنهضت بيّنتنا بخاصّ دولته ونائبه، وما نهضت متمحّلات بيّنته. ثم كابرنا في ذلك مع وضوح الحق بعدم تلقّينا، ووافقنا والدته السّتر العصمى الخاتوني ووفينا شرطها، وكان الأولى به أن يوفينا. ولما كاد أن يستحكم الفساد، وأن تخلوا (^١) من الأرواح والأجساد. لم نخفر ذمام البيت الظاهريّ بل أقمنا أخاه، وبلّغنا والدة الشهيد ما كان لنصحنا توخّاه. وتولّينا أمر تدبيره، وباشرنا رعاية لصغره مصلحة كبير الأمر وصغيره. وكادت القضيّة التي خشيت منه أن تبدو (^٢) جذعة، والمخوفة ممّن حوله من فضلة سيفنا أن تبدو وكاسات غدرها مترعة. وأن يوتى على هذا (^٣) العصابة الصالحية التي تعدّدت وقائع مناصرتها للإسلام، وطالت مدّة مدافعتها عنهم على تمادي الأيام. وإن تبدّلوا بمن لا يغني عن الإسلام عنّا، ولا يعني خمول ذكره بشهرة من أوسعه الإسلام وأهله ثنا. وجاء نبأ نصر الله والفتح، ووفى الدهر ما كان في ذمّته / ٣٢ أ / من ملكنا ولا نطيل الشرح. ولم نقدّم شيئا على الإحسان إليه، والحنوّ عليه. وحمايته ممّن كان في قلبه من أبيه ومنه مرض وأيّ مرض، ووقايته من عرض ربّما عرض من ذي عرض. وتمكينه من الكرك وأموالها الجمّة، ونعمتها، التي ما مثلها نعمة. وتمكين من اختاره من مماليك أبيه من التوجّه صحبته، وتوطينه ببقعة حفظت روحه ولا أقول صحّته. وتوفير خاطره مما للملك من دواعي الأوهام، وإراحة فكرته من مراعات (^٤) حفظ البلاد والعباد التي لا ينهض بها كلّ راعي (^٥). ولو لم يكن إلاّ قعقعة البريد، بمتجدّدات الأعداء التي تتجدّد في كل يوم جديد، فلم تجز عن ذلك كلّه إلاّ بدفائن لا تجدي عليه نفعا، وطلب أوتاد في ضعف لا تجلب إليه وترا من بلوغ غرض ولا شفعا. ودسائس مكاتبات لا تزال تحمل إلينا، ويعرض فساد تخيّل تحيّلها علينا. ومن فاته الكلّ كيف يطمع في البعض، ومن فارق الجنّى (^٦) لا يغني عنه الغضّ. / ١٣٢ ب / وقد كان الأمر بيدك فما أحسنت في حفظ رأس ماله، ولا فكّرت في عاقبة مآله. وليس للمولى صديق ولا للمخذول ناصر، فتدارك نفسك قبل أن تقول في عدم مطاوعتنا: يا ليت،
_________________
(١) الصواب: «تخلو».
(٢) الصواب: «تبدو» من غير ألف.
(٣) الصواب: «هذه».
(٤) الصواب: «مراعاة».
(٥) الصواب: «كل راع».
(٦) الصواب: «الجناء».
[ ٥٧ ]
وقصّر ذيل غاراتك، واكفف عادية من يغرّك بمجاراتك.
ونحن الآن قد خرجنا وفي صحبتنا من آلات الحصار ما لا يثبت معه سهل (ولا) (^١) جبل. ولا تفيد معه نكايات ولا حيل. ومعنا من العساكر ما ملأ الفضاء جيشها الكرّار، وأرعب زائر أسودها وهل مع زأر الأسد إلاّ الفرار؟
فإن وقفت عند حدّك المحدود. ودافعت عن يومك الموعود. وإلاّ فأنت الظالم على نفسك، والمؤآخذ في يومك بأمسك. والسلام».
وجهّز إليه هذا الكتاب، وانتظر منه الجواب، فعاد جوابه وقد صدّر بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاِتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (^٢)، وضمّنه بعد ذلك أعذارا ملفّقة، وأحوالا غير محقّقة. وسيّر صحبته رسولا فأعيد بجواب أمرّ من الأول، وأنكى عند من يتأوّل، وصدّر بقوله تعالى: ﴿اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ (^٣).
وتقدّمت أوامر مولانا السلطان بمضايقته وصار في أضيق من سمّ الخياط، وجرّد لذلك جندا حرموه بقبض أنفاسه الانبساط. ورحل - خلّد الله سلطانه - قاصدا مقرّ ملكه.