ورسم - خلّد الله سلطانه - فكتبنا إلى الأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا أمير آل فضل بحفظ المعابر، من كلّ عابر، وصيانتها حتى من الطير الطائر. وإلى الأمير شهاب الدين أحمد بن حجّي أمير آل مرا (^٣) بأن لا / ٢٠ أ / يخرج في سنته إلى الحجاز. وإلى نائب الشام بأن تكون العساكر مهيّأة منجّزة مجهّزة. وكتبنا إلى سائر المكاتبين والنصحاء بأقاصي البلاد التتريّة:
«أن قد خرجنا بنيّة الغزاة والجهاد، واستفتحنا ملكنا بما يكون بمشيئة الله تعالى من فتوح (ادّخر) (^٤) لأيّامنا منه الطارف والتلاد. وخبا له ما استولت عليه يد العدوان من البلاد. على أنه ما كان قطّ فتوح إلاّ ونحن عنوان كتابه، ومفهوم خطابه، وإقليد بابه، والسابق إليه، والمتجاسر عليه، وقد علم ذلك كلّ من واجهناه (وجابهناه) (^٥)، وقابلناه وواجهناه، وإنّما كان لمن سلف اللفظ ولنا المعنى، والبعيد ولنا الأدنى. وقد علم الله ذلك والناس، وتحقّقه من الأعداء سائر الأجناس. وما زال الملك من بين عينينا يتلمّح، ومن صفحات وجهنا يتصفّح، وقد كنّا والاسم لغيرنا، نذبّ عن الإسلام أيّ ذبّ، وندفع عن حوزته ما درج ودبّ، فكيف وقد أناط الله بنا أمور البلاد والعباد، وروى إلى ملكنا حتى التهايم والنجاد. وملكنا رقاب الأمم، / ٣٠ ب / وأنفذ سلطاننا في العرب والعجم. وقد علم الله نيّتنا وأعطانا على قدرها، واطّلع على شكرنا لنعمته، فخوّلنا على قدر شكرها. وكتابنا هذا ونحن مقيمون بالبلاد الشامية إلى أن ينقضي شتاها (^٦)، وترتفع أنواها (^٧)، وتحسم
_________________
(١) الصواب: «ثان».
(٢) أنظر عن خروج المنصور إلى غزّة في: تشريف الأيام والعصور ٧٨، وتذكرة النبيه ١/ ٥٩، والدرّة الزكية ٢٣٩، وذيل مرآة الزمان ٤/ ٥٢، والمختصر في أخبار البشر ٤/ ١٤، وتاريخ ابن الوردي ٢/ ٢٢٨، والبداية والنهاية ١٣/ ٢٩٢، وعيون التواريخ ٢١/ ٢٤٩، والسلوك ج ١ ق ٣/ ٦٨٢، ٦٨٣، وعقد الجمان (٢) ٢٥٤، وتاريخ ابن سباط ١/ ٤٧٤.
(٣) هكذا في الأصل. والصواب: «آل مرّ».
(٤) كتبت فوق السطر.
(٥) ما بين القوسين كتب على الهامش.
(٦) الصواب: «شتاؤها».
(٧) الصواب: «أنواؤها».
[ ٥٥ ]
أدواها (^١). فإن حضر القوم فيها ونعمت، وإن لم يحضروا فنحن على عزم غزوهم، في عقر دارهم. وكم عزيمة لنا - بحمد الله - تمّت».
إنّ الشجاع إذا لم يستزر زارا
وسيّرت هذه الكتب إلى من هي له بهذا النبأ العظيم، وطويت ضلوع طرسها على فحوى هذا التفخيم. كلّ هذا بترتيب قريبي الصاحب فتح الدين (^٢) صاحب ديوان إنشائه، فإنّه، خلّد الله سلطانه، ملك ديوان المكاتبات بيد (و) (^٣) داداريه (^٤) غلف الألسنة لا يحيرون جوابا، ولا يحسنون خطابا. فانتقاه من بين شيوخ على صغر سنّه بالنسبة إليهم، وقدّمه حتى على والده وعليهم. فإنه كان يعلم ميل الملك الظاهر إليه، وأنّ ما من غزوة له إلاّ وكان في جاليشها (^٥) بين يديه.
ونرجع إلى ما / ٣١ أ / كنّا فيه.
ولم يخل مولانا السلطان إقامته بغزّة من مصلحة تعود على انتظام شمل الإسلام، وتقضي باجتماع الكلمة التي ظنّ تفرقتها من غلب عليه كاذب الأوهام. وهو ما تقدّم من حديث الملك السعيد وتجاسر من حوله، واعتقاد كلّ منهم أن يفيده ويعيده من جرّد قوّته وحوله.