«نوضح لعلمه أنّا لمّا ركبنا على إسم الله بنيّة الغزو والجهاد، وفارقنا الأهل والوطن (لا نلوي) (^٢) على العود، وتوقا لحسن الجزاء يوم المعاد. / ٥٣ أ / ولم نزل نطوي المراحل (مستنجزين) (٢) ليوم النصر الموعود مجدّين لشهادة وقته المشهود. ونحن واثقون من الله بالنصر والظفر. متحقّقون أن سيبلغ أدنى الرعيّة وأقصاها من نصرنا خير خبر. وما من منزلة إلاّ ونجد مع ترادف أخبار القوم وقوّتها في نفوسها انبعاثا وانشراحا، ولا أدلجنا في مهمه إلاّ ورأينا مساءه بانبساط خاطرنا صباحا، وعندما حللنا بحمص أخذنا في الأهبة بالحزم، وحدّدنا ما لم يرثّ من العزم. وأدّنّا في الناس بالجهاد فأتوا من كلّ فجّ عميق، وأعلنّا بكلمة التوحيد فتتابعت خيل الله يقفو منهم الفريق الفريق. وجاء نصر الله والفتح، واقتدح زناد سيوف الله فأنار الوجود بذلك الاقتداح، بما لمشهور ما في الأعداء من قدح. وبلغنا عن القوم وبلغهم عنّا، وأقبلوا علينا صورة إلاّ أنّا أقبلنا عليهم (صورة) (٢) ومعنى.
ولما كان / ٥٣ ب / يوم الخميس أقبل القوم وأقبلنا، إلاّ أنهم استدبروا من أمرهم ما استقبلنا، وشاهدوا من تنوّع قتالنا ما لم يكن لهم به يدان، ودانوا ودنّا إلاّ أنّا نصرنا بأشرف من به يدان، ورأينا جمعهم الملفّق فكانوا كالمثل المضروب بالذباب. الكثرة والتتان. ولم نلبث أن صدقناهم الحملة، فأتى كلّ مفرد من
_________________
(١) عن الهامش.
(٢) كتبت فوق السطر.
[ ٧٧ ]
جيوشنا على الجملة منهم فالجملة. فأخذوا في المخاتلة، ونحن نجدّ في المقاتلة. وعمدوا إلى المخادعة، ونحن لا نفتر في المقارعة، وجروا على عادتهم في تولّيهم الإدبار، أي أنهم انكسروا، وظنّوا أنه تجلب لهم ريح خديعة خسروا. وكانت عدّة القوم ماية ألف أو يزيدون، وجاءوا في أجناس محبّشة من تتار وفرنج وأرمن وأعجام وكرج من كل حدب ينسلون. وحمي الوطيس، وتنوّع فيهم القتل ما بين / ٥٤ أ / جريح وكسير وفطيس. وجدّ النضال، وقرعت النصال النصال، وطلبت الأوتار الأوتار. وغنّت السيوف الإسلامية بعرس النصر ولا غيّر رؤس أعداء الله التتار (النثار) (^١). ولم يكن إلاّ كلمح البصر أو هو أقرب، أو جلسة خطيب ومن ألسن الخرصان (^٢) على منابر العوامل أخطب. حتى محيت آثارهم، وهتكت عن أرواحهم من الأجساد أستارهم. وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وظلموا أنفسهم بالتجاسر على بلاد الله (ولسان) (^٣) النصر يتلو (^٤) ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (^٥). ولم يبق العزم الإسلامي منهم فاتك (^٦)، ولا من يقول لهمّتنا المؤيّدة: فاتك. وكانوا قد حملوا على الميسرة بجملتهم فما حمدوا عاقبة حملتهم، فكرّت عليهم أيّما كرّه، وأخذتهم وقد وثقوا بانحياز المسلمين عنهم على غرّه. وكتابنا هذا وقد أيّد الله الإسلام ونصره، وأظفره بأعدائه وأقدره، وجنود الله قد شفوا صدور السيوف من ظهور الملحدين، وعونه / ٥٤ ب / قد أيّدهم فأصبحوا على عدوّهم ظاهرين. فليأخذ حظّه من هذه البشرى بهذه النوبة التي ما سطر مثلها من النوب. وهذه النصرة التي وهبها الله فله الحمد فيما منها وهب. وليتقدّم بضرب البشائر، والتحدّث بنعمتها في كل مقيم وسائر. والله تعالى الموفّق بكرمه».