[ ١ / ١٤ ]
الزَّمَانُ عِبَارَةٌ عَنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَقَدْ يُقَالُ ذَلِكَ لِلطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ مِنْهُمَا. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَتَيْتُكَ زَمَانَ الصِّرَامِ، وَزَمَانُ الصِّرَامِ يَعْنِي بِهِ وَقْتَ الصِّرَامِ. وَكَذَلِكَ: أَتَيْتُكَ أَزْمَانَ الْحَجَّاجِ أَمِيرٍ. وَيَجْمَعُونَ الزَّمَانَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ إِمَارَتِهِ زَمَنٌ مِنَ الْأَزْمِنَةِ.
الْقَوْلُ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ الْمُنَبِّهِ: سِتَّةُ آلَافِ سَنَةٍ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ مَا دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ الْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ قَبْلَكُمْ، مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ» .
وَرَوَى نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى أَنَسٌ، وَأَبُو سَعِيدٍ إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا إِنَّهُ قَالَ: إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَبَدَلَ صَلَاةِ الْعَصْرِ: بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» .
[ ١ / ١٥ ]
وَرَوَى نَحْوَهُ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، وَأَنَسٌ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَبُرَيْدَةُ، وَالْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ، وَأَشْيَاخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ كُلُّهُمْ عَنِ النَّبِيِّ - ﵌ -.
وَهَذِهِ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ.
قَالَ: وَقَدْ زَعَمَ الْيَهُودُ أَنَّ جَمِيعَ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ لَدُنْ خَلْقِ آدَمَ إِلَى الْهِجْرَةِ أَرْبَعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَسِتُّمِائَةٍ وَاثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً.
وَقَالَتِ الْيُونَانِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى: إِنَّ مِنْ خَلْقِ آدَمَ إِلَى الْهِجْرَةِ خَمْسَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَتِسْعَمِائَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً وَشَهْرًا.
وَزَعَمَ قَائِلٌ أَنَّ الْيَهُودَ إِنَّمَا نَقَصُوا مِنَ السِّنِينَ دَفْعًا مِنْهُمْ لِنُبُوَّةِ عِيسَى، إِذْ كَانَتْ صِفَتُهُ وَمَبْعَثُهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَقَالُوا: لَمْ يَأْتِ الْوَقْتُ الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ عِيسَى يَكُونُ فِيهِ، فَهُمْ يَنْتَظِرُونَ بِزَعْمِهِمْ خُرُوجَهُ وَوَقْتَهُ.
قَالَ: وَأَحْسَبُ أَنَّ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ وَيَدَّعُونَ أَنَّ صِفَتَهُ فِي التَّوْرَاةِ مُثْبَتَةٌ هُوَ الدَّجَّالُ.
وَقَالَتِ الْمَجُوسُ: إِنَّ قَدْرَ مُدَّةِ الزَّمَانِ مِنْ لَدُنْ مُلْكِ جُيُومَرْثَ إِلَى وَقْتِ الْهِجْرَةِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَمِائَةٌ وَتِسْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَهُمْ لَا يَذْكُرُونَ مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا يُعْرَفُ فَوْقَ جُيُومَرْثَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ هُوَ آدَمُ.
وَأَهْلُ الْأَخْبَارِ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَمِنْ قَائِلٍ مِثْلَ قَوْلِ الْمَجُوسِ، وَمِنْ قَائِلٍ: إِنَّهُ يُسَمَّى بِآدَمَ بَعْدَ أَنْ مَلَكَ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ وَإِنَّهُ حَامُ بْنُ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ، وَكَانَ بَارًّا بِنُوحٍ، فَدَعَا لَهُ وَلِذُرِّيَّتِهِ بِطُولِ الْعُمُرِ، وَالتَّمْكِينِ فِي الْبِلَادِ، وَاتِّصَالِ الْمُلْكِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ. فَمَلَكَ جُيُومَرْثُ وَوَلَدُهُ الْفُرْسَ. وَلَمْ يَزَلِ الْمُلْكُ فِيهِمْ إِلَى أَنْ دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْمَدَائِنَ وَغَلَبُوهُمْ
[ ١ / ١٦ ]
عَلَى مُلْكِهِمْ، وَمِنْ قَائِلٍ غَيْرَ ذَلِكَ، كَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ.
قُلْتُ: ثُمَّ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ بَعْدَ هَذَا فُصُولًا تَتَضَمَّنُ الدَّلَالَةَ عَلَى حُدُوثِ الْأَزْمَانِ، وَالْأَوْقَاتِ، وَهَلْ خَلَقَ اللَّهُ قَبْلَ خَلْقِ الزَّمَانِ شَيْئًا أَمْ لَا؟ وَعَلَى فَنَاءِ الْعَالَمِ، وَأَنْ لَا يَبْقَى إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّهُ أَحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِالتَّوَارِيخِ لَا سِيَّمَا الْمُخْتَصَرَاتِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ بِعِلْمِ الْأُصُولِ أَوْلَى. وَقَدْ فَرَغَ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْهُ فِي كُتُبِهِمْ، فَرَأَيْنَا تَرْكَهُ أَوْلَى.
(بُرَيْدَةُ: بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَآخِرُهُ هَاءٌ)
[ ١ / ١٧ ]