كَانَ يَخْدِمُ مُلُوكَ حِمْيَرَ أَبْنَاءُ الْأَشْرَافِ مِنْ حِمْيَرَ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ مِمَّنْ يَخْدِمُ حَسَّانَ بْنَ تُبَّعٍ عَمْرُو بْنُ حُجْرٍ الْكِنْدِيُّ سَيِّدُ كِنْدَةَ، فَلَمَّا قَتَلَ عَمْرُو بْنُ تُبَّعٍ أَخَاهُ حَسَّانَ بْنَ تُبَّعٍ اصْطَنَعَ عَمْرَو بْنَ حُجْرٍ، وَزَوَّجَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ حَسَّانَ، وَلَمْ يَطْمَعْ فِي التَّزَوُّجِ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَوَلَدَتِ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو.
وَمَلَكَ بَعْدَ عَمْرِو بْنِ تُبَّعٍ عَبْدُ كَلَالَ بْنُ مُثَوَّبٍ، وَإِنَّمَا مَلَّكُوهُ لِأَنَّ أَوْلَادَ عَمْرٍو كَانُوا صِغَارًا، وَكَانَ الْجِنُّ قَبْلَ ذَلِكَ قَدِ اسْتَهَامَتْ تُبَّعَ بْنَ حَسَّانَ، وَكَانَ عَبْدُ كَلَالَ عَلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ الْأُولَى وَيَكْتُمُ ذَلِكَ، وَرَجَعَ تُبَّعُ بْنُ حَسَّانَ مِنَ اسْتِهَامَتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ، فَمَلَكَ الْيَمَنَ، وَهَابَتْهُ حِمْيَرُ، فَبَعَثَ ابْنَ أُخْتِهِ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حُجْرٍ فِي جَيْشٍ إِلَى الْحِيرَةِ، فَسَارَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَهُوَ ابْنُ الشَّقِيقَةِ، فَقَاتَلَهُ فَقَتَلَ النُّعْمَانَ وَعِدَّةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَأَفْلَتَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ الْأَكْبَرُ وَأُمُّهُ مَاءُ السَّمَاءِ امْرَأَةٌ مِنَ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، فَذَهَبَ مُلْكُ آلِ النُّعْمَانِ وَمَلَكَ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ مَا كَانُوا يَمْلِكُونَ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: مَلَكَ بَعْدَ النُّعْمَانِ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ أَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، مِنْ ذَلِكَ فِي زَمَنِ بَهْرَامَ جَوْرَ ثَمَانِي سِنِينَ، وَفِي زَمَنِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ بَهْرَامَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً،
[ ١ / ٣٧٤ ]
وَفِي زَمَنِ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ عِشْرِينَ سَنَةً، مِنْهَا فِي زَمَنِ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ عَشْرُ سِنِينَ، وَفِي زَمَنِ بَلَاشَ بْنِ فَيْرُوزَ أَرْبَعُ سِنِينَ، وَفِي زَمَنِ قُبَاذَ بْنِ فَيْرُوزَ سِتُّ سِنِينَ.
وَهَكَذَا ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ هَاهُنَا أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو قَتَلَ النُّعْمَانَ بْنَ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَأَخَذَ بِلَادَهُ وَانْقَرَضَ مُلْكُ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَذَكَرَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُنْذِرَ بْنَ النُّعْمَانِ أَوِ النُّعْمَانَ، عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ، هُوَ الَّذِي جَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَمَلَّكَ بَهْرَامَ جَوْرَ عَلَى الْفُرْسِ، ثُمَّ سَاقَ فِيمَا بَعْدُ مُلُوكَ الْحِيرَةِ مِنْ أَوْلَادِ النُّعْمَانِ هَذَا إِلَى آخِرِهِمْ، وَلَمْ يُقْطَعْ مُلْكُهُمْ بِالْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو، وَسَبَبُ هَذَا أَنَّ أَخْبَارَ الْعَرَبِ لَمْ تَكُنْ مَضْبُوطَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا نُقِلَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي مَقْتَلِ حُجْرِ بْنِ عَمْرٍو وَالِدِ امْرِئِ الْقَيْسِ فِي أَيَّامِ الْعَرَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ مُلُوكَ كِنْدَةَ: عَمْرٌو وَالْحَارِثُ كَانُوا بِنَجْدٍ عَلَى الْعَرَبِ، وَأَمَّا اللَّخْمِيُّونَ مُلُوكُ الْحِيرَةِ الْمَنَاذِرَةُ فَلَمْ يَزَالُوا عَلَيْهَا إِلَى أَنْ مَلَكَ قُبَاذُ الْفُرْسَ وَأَزَالَهُمْ، وَاسْتَعْمَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ عَلَى الْحِيرَةِ، ثُمَّ أَعَادَ أَنُوشِرْوَانُ الْحِيرَةَ إِلَى اللَّخْمِيِّينَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ مُلْكِ بَلَاشَ بْنِ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ فَيْرُوزَ ابْنُهُ بَلَاشُ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ قُبَاذَ مُنَازَعَةٌ اسْتَظْهَرَ فِيهَا قُبَاذُ وَمَلَكَ، فَلَمَّا مَلَكَ بَلَاشُ أَكْرَمَ سُوخْرَا وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ لِمَا كَانَ مِنْهُ، وَلَمْ يَزَلْ حَسَنَ السِّيرَةِ حَرِيصًا عَلَى الْعِمَارَةِ، وَكَانَ لَا يَبْلُغُهُ أَنَّ بَيْتًا خُرِّبَ وَجَلَا أَهْلُهُ إِلَّا عَاقَبَ صَاحِبَ تِلْكَ
[ ١ / ٣٧٥ ]
الْقَرْيَةِ عَلَى تَرْكِهِ سَدَّ فَاقَتِهِمْ حَتَّى لَا يُضْطَرُّوا إِلَى مُفَارَقَةِ أَوْطَانِهِمْ، وَبَنَى مَدِينَةَ سَابَاطَ بِقُرْبِ الْمَدَائِنِ، وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ.
ذِكْرُ مُلْكِ قُبَاذَ بْنِ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ
وَكَانَ قُبَاذُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ الْمُلْكُ إِلَيْهِ، قَدْ سَارَ إِلَى خَاقَانَ مُسْتَنْصِرًا بِهِ عَلَى أَخِيهِ بَلَاشَ، فَمَرَّ فِي طَرِيقِهِ بِحُدُودِ نَيْسَابُورَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مُتَنَكِّرِينَ، وَفِيهِمْ زَرْمِهْرُ بْنُ سُوخْرَا، فَتَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى النِّكَاحِ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى زَرْمِهْرَ وَطَلَبَ مِنْهُ امْرَأَةً، فَسَارَ إِلَى امْرَأَةِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ، وَكَانَ مِنَ الْأَسَاوِرَةِ، وَكَانَ لَهَا بِنْتٌ حَسْنَاءُ، فَخَطَبَهَا مِنْهَا وَأَطْمَعَهَا وَزَوَّجَهَا، فَزَوَّجَا قُبَاذَ بِهَا، فَدَخَلَ بِهَا مِنْ لَيْلَتِهِ، فَحَمَلَتْ بِأَنُوشِرْوَانَ، وَأَمَرَ لَهَا بِجَائِزَةٍ سَنِيَّةٍ وَرَدَّهَا، وَسَأَلَتْهَا أُمُّهَا عَنْ قُبَاذَ وَحَالِهِ. فَذَكَرَتْ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ مِنْ حَالِهِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ سَرَاوِيلَهُ مَنْسُوجَةٌ بِالذَّهَبِ، فَعَلِمَتْ أَنَّهُ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ.
وَمَضَى قُبَاذُ إِلَى خَاقَانَ وَاسْتَنْصَرَهُ عَلَى أَخِيهِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَهُوَ يُعِدُّهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ مَعَهُ جَيْشًا. فَلَمَّا صَارَ بِالْقُرْبِ مِنَ النَّاحِيَةِ الَّتِي بِهَا زَوْجَتُهُ سَأَلَ عَنْهَا فَأُحْضِرَتْ وَمَعَهَا أَنُوشِرْوَانُ وَأَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ ابْنُهُ. وَوَرَدَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ أَنَّ أَخَاهُ بَلَاشَ قَدْ هَلَكَ، فَتَيَمَّنَ بِالْمَوْلُودِ وَحَمَلَهُ وَأُمَّهُ عَلَى مَرَاكِبِ نِسَاءِ الْمُلُوكِ وَاسْتَوْثَقَ لَهُ الْمَلِكُ وَخَصَّ سُوخْرَا وَشَكَرَ لِوَلَدِهِ خِدْمَتَهُ. وَتَوَلَّى سُوخْرَا الْأَمْرَ، فَمَالَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَهَاوَنُوا بِقُبَاذَ، فَلَمْ يَحْتَمِلْ ذَلِكَ. فَكَتَبَ إِلَى سَابُورَ الرَّازِيِّ، وَهُوَ أَصْبِهْبَذَ دِيَارِ الْجَبَلِ، وَيُقَالُ لِلْبَيْتِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ مِهْرَانُ، فَاسْتَقْدَمَهُ وَمَعَهُ جُنْدُهُ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ عَزْمَهُ عَلَى قَتْلِ سُوخْرَا وَأَمَرَهُ بِكِتْمَانِ ذَلِكَ، فَأَتَاهُ يَوْمًا سَابُورُ وَسُوخْرَا عِنْدَ قُبَاذَ فَأَلْقَى فِي عُنُقِهِ وَهَقًا، وَأَخَذَهُ وَحَبَسَهُ ثُمَّ خَنَقَهُ قُبَاذُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى أَهْلِهِ وَقَدَّمَ عِوَضَهُ سَابُورَ الرَّازِيَّ.
[ ١ / ٣٧٦ ]
وَفِي أَيَّامِهِ ظَهَرَ مَزْدَكُ، وَابْتَدَعَ وَوَافَقَ زَرَادِشْتَ فِي بَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ، وَزَادَ وَنَقَصَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ يَدْعُو إِلَى شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ حَسَبَ مَا دَعَا إِلَيْهِ زَرَادِشْتَ، وَاسْتَحَلَّ الْمَحَارِمَ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَسَوَّى بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأَمْوَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ ; حَتَّى لَا يَكُونَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ فِي شَيْءٍ الْبَتَّةَ، فَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ مِنَ السِّفْلَةِ وَالْأَغْتَامِ، فَصَارُوا عَشَرَاتِ أُلُوفٍ، فَكَانَ مَزْدَكُ يَأْخُذُ امْرَأَةَ هَذَا فَيُسَلِّمُهَا إِلَى الْآخَرِ، وَكَذَا فِي الْأَمْوَالِ وَالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَغَيْرِهَا مِنَ الضِّيَاعِ وَالْعَقَارِ، فَاسْتَوْلَى وَعَظُمَ شَأْنُهُ وَتَبِعَهُ الْمَلِكُ قُبَاذُ. فَقَالَ يَوْمًا لِقُبَاذَ: الْيَوْمَ نَوْبَتِي مِنَ امْرَأَتِكَ أُمِّ أَنُوشِرْوَانَ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَقَامَ أَنُوشِرْوَانُ إِلَيْهِ وَنَزَعَ خُفَّيْهِ بِيَدِهِ وَقَبَّلَ رِجْلَيْهِ وَشَفَعَ إِلَيْهِ حَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ لِأُمِّهِ، وَلَهُ حُكْمُهُ فِي سَائِرِ مُلْكِهِ، فَتَرَكَهَا.
وَحَرَّمَ ذِبَاحَةَ الْحَيَوَانِ وَقَالَ: يَكْفِي فِي طَعَامِ الْإِنْسَانِ مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنَ الْحَيَوَانِ كَالْبَيْضِ وَاللَّبَنِ وَالسَّمْنِ وَالْجُبْنِ، فَعَظُمَتِ الْبَلِيَّةُ بِهِ عَلَى النَّاسِ فَصَارَ الرَّجُلُ لَا يَعْرِفُ وَلَدَهُ وَالْوَلَدُ لَا يَعْرِفُ أَبَاهُ.
فَلَمَّا مَضَى عَشْرُ سِنِينَ مِنْ مُلْكِ قُبَاذَ، اجْتَمَعَ مُوبَذَانْ مُوبَذْ وَالْعُظَمَاءُ وَخَلَعُوهُ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِ أَخَاهُ جَامَسِبْ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّكَ قَدْ أَثِمْتَ بِاتِّبَاعِكَ مَزْدَكَ وَبِمَا عَمِلَ أَصْحَابُهُ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ يُنْجِيكَ إِلَّا إِبَاحَةُ نَفْسِكَ وَنِسَائِكَ، وَأَرَادُوهُ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ إِلَيْهِمْ لِيَذْبَحُوهُ وَيُقَرِّبُوهُ إِلَى النَّارِ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَحَبَسُوهُ وَتَرَكُوهُ لَا يَصِلُ إِلَى أَحَدٍ. فَخَرَجَ زَرْمِهْرُ بْنُ سُوخْرَا، فَقَتَلَ مِنَ الْمَزْدَكِيَّةِ خَلْقًا، وَأَعَادَ قُبَاذَ إِلَى مُلْكِهِ وَأَزَالَ أَخَاهُ جَامَسِبْ. ثُمَّ إِنَّ قُبَاذَ قَتَلَ بَعْدَ ذَلِكَ زَرْمِهْرَ.
وَقِيلَ: لَمَّا حُبِسَ قُبَاذُ وَتَوَلَّى أَخُوهُ دَخَلَتْ أُخْتٌ لِقُبَاذَ عَلَيْهِ كَأَنَّهَا تَزُورُهُ، ثُمَّ لَفَّتْهُ فِي بِسَاطٍ وَحَمَلَهُ غُلَامٌ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ سَأَلَهُ السَّجَّانُ عَمَّا مَعَهُ، فَقَالَتْ: هُوَ مُوحِلٌ كُنْتُ أَحِيضُ فِيهِ، فَلَمْ يَمَسَّ الْبِسَاطَ، فَمَضَى الْغُلَامُ بِقُبَاذَ، وَهَرَبَ قُبَاذُ فَلَحِقَ بِمَلِكِ الْهَيَاطِلَةِ يَسْتَجِيشُهُ، فَلَمَّا صَارَ بِإِيرَانَ شَهْرَ، وَهِيَ نَيْسَابُورُ، نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِهَا، لَهُ ابْنَةٌ بِكْرٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ فَنَكَحَهَا، وَهِيَ أُمُّ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانُ، فَكَانَ نِكَاحُهُ إِيَّاهَا فِي هَذِهِ السَّفْرَةِ لَا فِي تِلْكَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَعَادَ أَنُوشِرْوَانُ فَغَلَبَ أَخَاهُ جَامَسِبْ عَلَى الْمُلْكِ، وَكَانَ مُلْكُ جَامَسِبْ عَلَى سِتِّ سِنِينَ.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وَغَزَا قُبَاذُ بَعْدَ ذَلِكَ الرُّومَ، فَفَتَحَ مَدِينَةَ آمِدٍ، وَبَنَى مَدِينَةَ أَرَّجَانَ وَمَدِينَةَ حُلْوَانَ وَمَاتَ، فَمَلَكَ ابْنُهُ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانُ بَعْدَهُ، فَكَانَ مُلْكُ قُبَاذَ مَعَ سِنِيِّ أَخِيهِ جَامَسِبْ ثَلَاثًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَتَوَلَّى أَنُوشِرْوَانُ مَا كَانَ أَبُوهُ أَمَرَ لَهُ بِهِ.
وَفِي أَيَّامِهِ خَرَجَتِ الْخَزَرُ فَأَغَارَتْ عَلَى بِلَادِهِ، فَبَلَغَتِ الدِّينَوَرَ، فَوَجَّهَ قُبَاذُ قَائِدًا مِنْ عُظَمَاءِ قُوَّادِهِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَوَطِئَ بِلَادَ أَرَّانَ، وَفَتَحَ مَا بَيْنَ النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ بِالرَّسِّ إِلَى شِرْوَانَ، ثُمَّ إِنَّ قُبَاذَ لَحِقَ بِهِ، فَبَنَى بِأَرَّانَ مَدِينَةَ الْبَيْلَقَانَ وَمَدِينَةَ بَرْذَعَةَ، وَهِيَ مَدِينَةُ الثَّغْرِ كُلِّهِ، وَغَيْرَهُمَا، وَبَقِيَ الْخَزَرُ، ثُمَّ بَنَى سَدًّا لِلَانَ فِيمَا بَيْنَ أَرْضِ شِرْوَانَ وَبَابِ اللَّانِ، وَبَنَى عَلَى السَّدِّ مُدُنًا كَثِيرَةً خُرِّبَتْ بَعْدَ بِنَاءِ الْبَابِ وَالْأَبْوَابِ.