ذَكَرُوا أَنَّ إِسْحَاقَ تُوُفِّيَ وَعُمُرُهُ سِتُّونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ، وَقَبْرُهُ عِنْدَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، قَبَرَهُ ابْنَاهُ يَعْقُوبُ وَعِيصٌ فِي مَزْرَعَةِ حَبْرُونَ، وَكَانَ عُمُرُ يَعْقُوبَ مِائَةً وَسَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ ابْنُهُ يُوسُفُ قَدْ قُسِمَ لَهُ وَلِأُمِّهِ شَطْرُ الْحُسْنِ، وَكَانَ يَعْقُوبُ قَدْ دَفَعَهُ إِلَى أُخْتِهِ ابْنَةِ إِسْحَاقَ تَحْضُنُهُ، فَأَحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا وَأَحَبَّهُ يَعْقُوبُ أَيْضًا حُبًّا شَدِيدًا، فَقَالَ لِأُخْتِهِ: يَا أُخَيَّةُ، سَلِّمِي إِلَيَّ يُوسُفَ فَوَاللَّهِ مَا أَقْدِرُ أَنْ يَغِيبَ عَنِّي سَاعَةً. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَنَا بِتَارِكَتِهِ سَاعَةً. فَأَصَرَّ يَعْقُوبُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهَا، فَقَالَتْ: اتْرُكْهُ عِنْدِي أَيَّامًا لَعَلَّ ذَلِكَ يُسَلِّينِي، ثُمَّ عَمَدَتْ إِلَى مِنْطَقَةِ إِسْحَاقَ، وَكَانَتْ عِنْدَهَا، لِأَنَّهَا كَانَتْ أَكْبَرَ وَلَدِهِ، فَحَزَمَتْهَا عَلَى وَسَطِ يُوسُفَ ثُمَّ قَالَتْ: قَدْ فَقَدْتُ الْمِنْطَقَةَ فَانْظُرُوا مَنْ أَخَذَهَا. فَالْتُمِسَتْ، فَقَالَتْ: اكْشِفُوا أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ. فَكَشَفُوهُمْ فَوَجَدُوهَا مَعَ يُوسُفَ، وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ صَاحِبَ السَّرِقَةِ يَأْخُذُ السَّارِقَ لَهُ لَا يُعَارِضُهُ فِيهِ أَحَدٌ، فَأَخَذَتْ يُوسُفَ فَأَمْسَكَتْهُ عِنْدَهَا حَتَّى مَاتَتْ وَأَخَذَهُ يَعْقُوبُ بَعْدَ مَوْتِهَا. فَهَذَا الَّذِي تَأَوَّلَ إِخْوَةُ يُوسُفَ: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] وَقِيلَ فِي سَرِقَتِهِ غَيْرُ هَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
فَلَمَّا رَأَى إِخْوَةُ يُوسُفَ مَحَبَّةَ أَبِيهِمْ لَهُ وَإِقْبَالَهُ عَلَيْهِ حَسَدُوهُ وَعَظُمَ عِنْدَهُمْ.
[ ١ / ١٢٣ ]
ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ تَسْجُدُ لَهُ، فَقَصَّهَا عَلَى أَبِيهِ، وَكَانَ عُمُرُهُ حِينَئِذٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥] . ثُمَّ عَبَرَ لَهُ رُؤْيَاهُ. فَقَالَ ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦] .
وَسَمِعَتِ امْرَأَةُ يَعْقُوبَ مَا قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ فَقَالَ لَهَا يَعْقُوبُ: اكْتُمِي مَا قَالَ يُوسُفُ وَلَا تُخْبِرِي أَوْلَادَكِ. قَالَتْ: نَعَمْ. فَلَمَّا أَقْبَلَ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ مِنَ الرَّعْيِ أَخْبَرَتْهُمْ بِالرُّؤْيَا، فَازْدَادُوا حَسَدًا وَكَرَاهَةً لَهُ، وَقَالُوا: مَا عَنَى بِالشَّمْسِ غَيْرَ أَبِينَا، وَلَا بِالْقَمَرِ غَيْرَكِ، وَلَا بِالْكَوَاكِبِ غَيْرَنَا، إِنَّ ابْنَ رَاحِيلَ يُرِيدُ أَنْ يَتَمَلَّكَ عَلَيْنَا وَيَقُولَ أَنَا سَيِّدُكُمْ. وَتَآمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ، وَقَالُوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨] فِي خَطَإٍ بَيِّنٍ فِي إِيثَارِهِمَا عَلَيْنَا ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩] أَيْ تَائِبِينَ.
فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ يَهُودَا، وَكَانَ أَفْضَلَهُمْ وَأَعْقَلَهُمْ: لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ فَإِنَّ الْقَتْلَ عَظِيمٌ، ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠]، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعُهُودَ أَنَّهُمْ لَا يَقْتُلُونَهُ، فَأَجْمَعُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَى يَعْقُوبَ وَيُكَلِّمُوهُ فِي إِرْسَالِ يُوسُفَ مَعَهُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ وَوَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ إِذَا أَرَادُوا مِنْهُ حَاجَةً، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: مَا حَاجَتُكُمْ؟ ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١] نَحْفَظُهُ حَتَّى نَرُدَّهُ ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾ [يوسف: ١٢] إِلَى الصَّحْرَاءِ ﴿غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] . فَقَالَ لَهُمْ يَعْقُوبُ: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف: ١٣] لَا تَشْعُرُونَ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ يُوسُفَ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَكَأَنَّ عَشَرَةً مِنَ الذِّئَابِ قَدْ شَدُّوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، وَإِذَا ذِئْبٌ مِنْهَا يَحْمِي عَنْهُ، وَكَأَنَّ الْأَرْضَ انْشَقَّتْ فَذَهَبَ فِيهَا فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلِذَلِكَ خَافَ عَلَيْهِ الذِّئْبَ.
[ ١ / ١٢٤ ]
فَقَالَ لَهُ بَنُوهُ: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [يوسف: ١٤] . فَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ يُوسُفُ: يَا أَبَتِ أَرْسِلْنِي مَعَهُمْ، قَالَ: أَوَ تُحِبُّ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُ، فَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَخَرَجَ مَعَهُمْ وَهُمْ يُكْرِمُونَهُ، فَلَمَّا بَرَزُوا إِلَى الْبَرِّيَّةِ أَظْهَرُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ وَجَعَلَ بَعْضُ إِخْوَتِهِ يَضْرِبُهُ فَيَسْتَغِيثُ بِالْآخَرِ فَيَضْرِبُهُ، فَجَعَلَ لَا يَرَى مِنْهُمْ رَحِيمًا، فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادُوا يَقْتُلُونَهُ، وَجَعَلَ يَصِيحُ: يَا أَبَتَاهُ يَا يَعْقُوبُ، لَوْ تَعْلَمُ مَا يَصْنَعُ بِابْنِكَ بَنُو الْإِمَاءِ.
فَلَمَّا كَادُوا يَقْتُلُونَهُ قَالَ لَهُمْ يَهُودَا: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتُمُونِي مَوْثِقًا أَلَّا تَقْتُلُوهُ؟ فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى الْجُبِّ، فَأَوْثَقُوهُ كِتَافًا وَنَزَعُوا قَمِيصَهُ، وَأَلْقَوْهُ فِيهِ، فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ، رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي أَتَوَارَى بِهِ فِي الْجُبِّ! فَقَالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا تُؤْنِسُكَ. قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرَ شَيْئًا، فَدَلَّوْهُ فِي الْجُبِّ، فَلَمَّا بَلَغَ نِصْفَهُ أَلْقَوْهُ، أَرَادُوا أَنْ يَمُوتَ، وَكَانَ فِي الْبِئْرِ مَاءٌ، فَسَقَطَ فِيهِ ثُمَّ أَوَى إِلَى صَخْرَةٍ فَأَقَامَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَادَوْهُ فَظَنَّ أَنَّهُمْ قَدْ رَحِمُوهُ فَأَجَابَهُمْ، فَأَرَادُوا أَنْ يَرْضَخُوهُ بِالْحِجَارَةِ فَمَنَعَهُمْ يَهُودَا.
ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥] بِالْوَحْيِ، وَقِيلَ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّهُ يُوسُفُ.
وَالْجُبُّ بِأَرْضِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعْرُوفٌ.
ثُمَّ عَادُوا إِلَى أَبِيهِمْ عِشَاءً يَبْكُونَ فَقَالُوا: ﴿يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٧] . فَقَالَ لَهُمْ أَبُوهُمْ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَرُونِي قَمِيصَهُ. فَأَرَوْهُ. فَقَالَ: تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ ذِئْبًا أَحْلَمَ مِنْ هَذَا! أَكَلَ ابْنِي وَلَمْ يَشُقَّ قَمِيصَهُ! ثُمَّ صَاحَ وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ سَاعَةً، فَلَمَّا أَفَاقَ بَكَى بُكَاءً طَوِيلًا فَأَخَذَ الْقَمِيصَ يُقَبِّلُهُ وَيَشُمُّهُ.
وَأَقَامَ يُوسُفُ فِي الْجُبِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ مَلَكًا فَحَلَّ كِتَافَهُ، ثُمَّ ﴿جَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ [يوسف: ١٩]، وَهُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ إِلَى الْمَاءِ، ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ [يوسف: ١٩] إِلَى الْبِئْرِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ
[ ١ / ١٢٥ ]
يُوسُفُ فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجُبِّ، وَ﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ [يوسف: ١٩] يَعْنِي الْوَارِدَ وَأَصْحَابَهُ خَافُوا أَنْ يَقُولُوا اشْتَرَيْنَاهُ فَيَقُولَ الرُّفْقَةُ أَشْرِكُونَا فِيهِ فَقَالُوا: إِنَّ أَهْلَ الْمَاءِ اسْتَبْضَعُونَا هَذَا الْغُلَامَ.
وَجَاءَ يَهُودَا بِطَعَامٍ لِيُوسُفَ فَلَمْ يَرَهُ فِي الْجُبِّ فَنَظَرَ فَرَآهُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْمَنْزِلِ فَأَخْبَرَ إِخْوَتَهُ بِذَلِكَ، فَأَتَوْا مَالِكًا وَقَالُوا: هَذَا عَبْدٌ آبِقٌ مِنَّا. وَخَافَهُمْ يُوسُفُ فَلَمْ يَذْكُرْ حَالَهُ، وَاشْتَرَوْهُ مِنْ إِخْوَتِهِ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، قِيلَ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَقِيلَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مِصْرَ، فَكَسَاهُ مَالِكٌ، وَعَرَضَهُ لِلْبَيْعِ، فَاشْتَرَاهُ قُطْفِيرُ وَقِيلَ أُطْفِيرُ، وَهُوَ الْعَزِيزُ، وَكَانَ عَلَى خَزَائِنِ مِصْرَ، وَالْمَلِكُ يَوْمَئِذٍ الرَّيَّانُ بْنُ الْوَلِيدِ رَجُلٌ مِنَ الْعَمَالِقَةِ، قِيلَ: إِنَّ هَذَا الْمَلِكَ لَمْ يَمُتْ حَتَّى آمَنَ بِيُوسُفَ وَمَاتَ وَيُوسُفُ حَيٌّ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ قَابُوسُ بْنُ مُصْعَبٍ، فَدَعَاهُ يُوسُفُ فَلَمْ يُؤْمِنْ.
فَلَمَّا اشْتَرَى يُوسُفَ وَأَتَى بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ، وَاسْمُهَا رَاعِيلُ ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ [يوسف: ٢١] [فَيَكْفِيَنَا] إِذَا [هُوَ بَلَغَ وَ] فَهِمَ الْأُمُورَ بَعْضَ مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف: ٢١]، وَكَانَ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ حَسْنَاءَ نَاعِمَةً فِي مُلْكٍ وَدُنْيَا.
فَلَمَّا خَلَا مِنْ عُمُرِ يُوسُفَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً آتَاهُ اللَّهُ الْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَرَاوَدَتْهُ رَاعِيلُ عَنْ نَفْسِهِ وَأَغْلَقَتِ الْأَبْوَابَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا وَدَعَتْهُ إِلَى نَفْسِهَا، فَقَالَ: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي﴾ [يوسف: ٢٣] يَعْنِي أَنَّ زَوْجَكِ سَيِّدِي ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣]، يَعْنِي أَنَّ خِيَانَتَهُ ظُلْمٌ، وَجَعَلَتْ تَذْكُرُ مَحَاسِنَهُ وَتُشَوِّقُهُ إِلَى نَفْسِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: يَا يُوسُفُ مَا أَحْسَنَ شَعْرَكَ! قَالَ: هُوَ أَوَّلُ مَا يَنْتَثِرُ مِنْ جَسَدِي. قَالَتْ: يَا يُوسُفُ مَا أَحْسَنَ عَيْنَيْكَ! قَالَ: هُمَا أَوَّلُ مَا يَسِيلُ مِنْ جَسَدِي. قَالَتْ: مَا أَحْسَنَ وَجْهَكَ! قَالَ: هُوَ لِلتُّرَابِ. فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى هَمَّتْ وَهَمَّ بِهَا وَذَهَبَ لِيَحُلَّ سَرَاوِيلَهُ، فَإِذَا هُوَ بِصُورَةِ يَعْقُوبَ قَدْ عَضَّ عَلَى إِصْبُعِهِ
[ ١ / ١٢٦ ]
يَقُولُ: يَا يُوسُفُ لَا تُوَاقِعْهَا إِنَّمَا مَثَلُكَ مَا لَمْ تُوَاقِعْهَا مَثَلُ الطَّيْرِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ لَا يُطَاقُ، وَمَثَلُكَ إِذَا وَاقَعْتَهَا مَثَلُهُ إِذَا مَاتَ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ.
وَقِيلَ: جَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا فَرَأَى فِي الْحَائِطِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] . فَقَامَ حِينَ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ هَارِبًا يُرِيدُ الْبَابَ، فَأَدْرَكَتْهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنَ الْبَابِ فَجَذَبَتْ قَمِيصَهُ مِنْ قِبَلِ ظَهْرِهِ فَقَدَّتْهُ، ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]- وَابْنَ عَمِّهَا مَعَهُ، فَقَالَتْ لَهُ - ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ [يوسف: ٢٥] . قَالَ يُوسُفُ: بَلْ ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦] فَهَرَبْتُ مِنْهَا فَأَدْرَكَتْنِي فَقَدَّتْ قَمِيصِي. قَالَ لَهَا ابْنُ عَمِّهَا: تِبْيَانُ هَذَا فِي الْقَمِيصِ فَإِنْ كَانَ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ، وَإِنْ كَانَ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ، فَأُتِيَ بِالْقَمِيصِ فَوَجَدَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَقَالَ: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] .
وَقِيلَ: كَانَ الشَّاهِدُ صَبِيًّا فِي الْمَهْدِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ فِي الْمَهْدِ وَهُمْ صِغَارٌ، ابْنُ مَاشِطَةِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.
وَقَالَ زَوْجُهَا لِيُوسُفَ: ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [هود: ٧٦] أَيْ ذِكْرِ مَا كَانَ مِنْهَا فَلَا تَذْكُرْهُ لِأَحَدٍ، ثُمَّ قَالَ لِزَوْجَتِهِ. ﴿اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩]
وَتَحَدَّثَتِ النِّسَاءُ بِأَمْرِ يُوسُفَ وَامْرَأَةِ الْعَزِيزِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ، ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ [مِنْ] وَسَائِدَ، وَحَضَرْنَ، وَقَدَّمَتْ لَهُنَّ أُتْرُنْجًا وَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا لِقَطْعِ الْأُتْرُنْجِ، وَقَدْ أَجْلَسَتْ يُوسُفَ فِي غَيْرِ الْمَجْلِسِ الَّذِي هُنَّ فِيهِ وَقَالَتْ لَهُ: ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣١]- فَخَرَجَ - ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١]- وَأَعْظَمْنَهُ - ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١]
[ ١ / ١٢٧ ]
بِالسَّكَاكِينِ وَلَا يَشْعُرْنَ، وَقُلْنَ: مَعَاذَ اللَّهِ ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]
فَلَمَّا حَلَّ بِهِنَّ مَا حَلَّ مِنْ قَطْعِهِنَّ أَيْدِيَهُنَّ وَذَهَابِ عُقُولِهِنَّ، وَعَرَفْنَ خَطَأَهُنَّ فِيمَا قُلْنَ أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا، وَقَالَتْ: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] . فَاخْتَارَ يُوسُفُ السَّجْنَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَقَالَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣٣] . ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣٤] . ثُمَّ بَدَا لِلْعَزِيزِ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَى الْآيَاتِ مِنَ الْقَمِيصِ، وَخَمْشِ الْوَجْهِ، وَشَهَادَةِ الطِّفْلِ، وَتَقْطِيعِ النِّسْوَةِ أَيْدِيَهُنَّ فِي تَرْكِ يُوسُفَ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: إِنَّهَا شَكَتْ إِلَى زَوْجِهَا، وَقَالَتْ: إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ قَدْ فَضَحَنِي فِي النَّاسِ يُخْبِرُهُمْ أَنَّنِي رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَسَجَنَهُ سَبْعَ سِنِينَ. فَلَمَّا حُبِسَ يُوسُفُ أُدْخِلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ مِنْ أَصْحَابِ فِرْعَوْنِ مِصْرَ، أَحَدُهُمَا صَاحِبُ طَعَامِهِ، وَالْآخَرُ صَاحِبُ شَرَابِهِ، لِأَنَّهُمَا نُقِلَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا يُرِيدَا أَنْ يَسُمَّا الْمَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ يُوسُفُ السِّجْنَ قَالَ: إِنِّي أَعْبُرُ الْأَحْلَامَ. فَقَالَ أَحَدُ الْفَتَيَيْنِ لِلْآخَرِ: هَلُمَّ فَلْنُجَرِّبْهُ. قَالَ الْخَبَّازُ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ [يوسف: ٣٦] وَقَالَ الْآخَرُ ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] . فَقَالَ لَهُمَا يُوسُفُ: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ [يوسف: ٣٧] . كَرِهَ أَنْ يَعْبُرَ لَهُمَا مَا سَأَلَاهُ عَنْهُ، وَأَخَذَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] وَكَانَ اسْمُ الْخَبَّازِ مَخْلَتَ، وَاسْمُ الْآخَرِ نَبْوَ، فَلَمْ يَدَعَاهُ حَتَّى أَخْبَرَهُمَا بِتَأْوِيلِ مَا سَأَلَاهُ عَنْهُ، فَقَالَ: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ [يوسف: ٤١]، وَهُوَ الَّذِي رَأَى أَنَّهُ يَعْصِرُ الْخَمْرَ، ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١]، يَعْنِي سَيِّدَهُ الْمَلِكَ، ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ [يوسف: ٤١]
[ ١ / ١٢٨ ]
فَلَمَّا عَبَرَ لَهُمَا قَالَا: مَا رَأَيْنَا شَيْئًا! قَالَ: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] . ثُمَّ قَالَ لِنَبْوَ، وَهُوَ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] الْمَلِكِ، وَأَخْبِرْهُ أَنِّي مَحْبُوسٌ ظُلْمًا. ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢] غَفْلَةٌ عَرَضَتْ لِيُوسُفَ مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا يُوسُفُ، اتَّخَذْتَ مِنْ دُونِي وَكِيلًا! لَأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ. فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ.
ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ، وَهُوَ الرَّيَّانُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْهَرَوَانِ بْنِ أَرَاشَةَ بْنِ فَارَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْلَاقِ بْنِ لَاوُذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، رَأَى رُؤْيَا هَائِلَةً، رَأَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ، وَرَأَى سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ، فَجَمَعَ السَّحَرَةَ وَالْكَهَنَةَ وَالْحَازَةَ وَالْعَافَةَ فَقَصَّهَا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ - وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٤ - ٤٥]- أَيْ حِينٍ - ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي﴾ [يوسف: ٤٥] . فَأَرْسَلُوهُ إِلَى يُوسُفَ، فَقَصَّ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا، فَقَالَ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ - ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ - ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٧ - ٤٩]، فَإِنَّ الْبَقَرَ السِّمَانَ: السِّنُونَ الْمَخَاصِيبُ، وَالْبَقَرَاتُ الْعِجَافُ: السِّنُونَ الْمُحُولُ، وَكَذَلِكَ السُّنْبُلَاتُ الْخُضْرُ وَالْيَابِسَاتُ، فَعَادَ نَبْوُ إِلَى الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ، فَعَلِمَ أَنَّ قَوْلَ يُوسُفَ حَقٌّ، فَقَالَ: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: ٥٠] . فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ وَدَعَاهُ إِلَى الْمَلِكِ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ وَقَالَ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠] فَلَمَّا رَجَعَ الرَّسُولُ مِنْ عِنْدِ يُوسُفَ سَأَلَ الْمَلِكُ أُولَئِكَ النِّسْوَةَ فَقُلْنَ: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] وَلَكِنَّ امْرَأَةَ
[ ١ / ١٢٩ ]
الْعَزِيزِ خَبَّرَتْنَا أَنَّهَا رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] . فَقَالَ يُوسُفُ: إِنَّمَا رَدَدْتُ الرُّسُلَ لِيَعْلَمَ سَيِّدِي ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] فِي زَوْجَتِهِ. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ لَهُ جَبْرَائِيلُ: وَلَا حِينَ هَمَمْتَ بِهَا؟ فَقَالَ يُوسُفُ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] .
فَلَمَّا ظَهَرَ لِلْمَلِكِ بَرَاءَةُ يُوسُفَ وَأَمَانَتُهُ قَالَ: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٤] . فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ خَرَجَ مَعَهُ وَدَعَا لِأَهْلِ السِّجْنِ وَكَتَبَ عَلَى بَابِهِ: هَذَا قَبْرُ الْأَحْيَاءِ وَبَيْتُ الْأَحْزَانِ وَتَجْرِبَةُ الْأَصْدِقَاءِ وَشَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ.
ثُمَّ اغْتَسَلَ وَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَقَصَدَ الْمَلِكَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ وَ﴿كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] . فَقَالَ يُوسُفُ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] . فَاسْتَعْمَلَهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَلَوْ لَمْ يَقُلِ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ لَاسْتَعْمَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ، فَسَلَّمَ خَزَائِنَهُ كُلَّهَا بَعْدَ سَنَةٍ وَجَعَلَ الْقَضَاءَ إِلَيْهِ وَحُكْمَهُ نَافِذًا، وَرَدَّ إِلَيْهِ عَمَلَ قُطْفِيرَ سَيِّدِهِ بَعْدَ أَنْ هَلَكَ، وَكَانَ هَلَاكُهُ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي، وَقِيلَ: بَلْ عَزَلَهُ فِرْعَوْنُ وَوَلَّى يُوسُفَ عَمَلَهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ يُوسُفَ تَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
وَلَمَّا وَلِيَ يُوسُفُ عَمَلَ مِصْرَ دَعَا الْمَلِكَ رَيَّانَ إِلَى الْإِيمَانِ، فَآمَنَ ثُمَّ تُوُفِّيَ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ مِصْرَ قَابُوسُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ نُمَيِرِ بْنِ السَّلْوَاسِ بْنِ فَارَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْلَاقٍ، فَدَعَاهُ يُوسُفُ إِلَى الْإِيمَانِ، فَلَمْ يُؤْمِنْ، وَتُوَفِّيَ يُوسُفُ فِي مُلْكِهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ الرَّيَّانَ زَوَّجَ يُوسُفَ رَاعِيلَ امْرَأَةَ سَيِّدِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ بِهَا قَالَ: أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِمَّا كُنْتِ تُرِيدِينَ؟ فَقَالَتْ: أَيُّهَا الصِّدِّيقُ لَا تَلُمْنِي فَإِنِّي كُنْتُ امْرَأَةً حَسْنَاءَ جَمِيلَةً فِي
[ ١ / ١٣٠ ]
مُلْكٍ وَدُنْيَا وَكَانَ صَاحِبِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ وَكُنْتَ كَمَا جَعَلَكَ اللَّهُ فِي حُسْنِكَ فَغَلَبَتْنِي نَفْسِي. وَوَجَدَهَا بِكْرًا، فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدَيْنِ إِفْرَائِيمَ وَمَنْشَا.
فَلَمَّا وَلِيَ يُوسُفُ خَزَائِنَ أَرْضِهِ وَمَضَتِ السِّنُونَ السَّبْعُ الْمُخْصِبَاتُ وَجَمَعَ فِيهَا الطَّعَامَ فِي سُنْبُلِهِ وَدَخَلَتِ السِّنُونَ الْمُجْدِبَةُ وَقَحَطَ النَّاسُ، وَأَصَابَهُمُ الْجُوعُ، وَأَصَابَ بِلَادَ يَعْقُوبَ الَّتِي هُوَ بِهَا بَعَثَ بَنِيهِ إِلَى مِصْرَ وَأَمْسَكَ بِنْيَامِينَ أَخَا يُوسُفَ لِأُمِّهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ عَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، وَإِنَّمَا أَنْكَرُوهُ لِبُعْدِ عَهْدِهِمْ مِنْهُ وَلِتَغَيُّرِ لُبْسَتِهِ، فَإِنَّهُ لَبِسَ ثِيَابَ الْمُلُوكِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ قَالَ: أَخْبِرُونِي مَا شَأْنُكُمْ. قَالُوا: نَحْنُ مِنَ الشَّامِ جِئْنَا نَمْتَارُ الطَّعَامَ. قَالَ: كَذَبْتُمْ، أَنْتُمْ عُيُونٌ، فَأَخْبِرُونِي خَبَرَكُمْ. قَالُوا: نَحْنُ عَشَرَةُ أَوْلَادِ رَجُلٍ وَاحِدٍ صِدِّيقٍ، كُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ، وَإِنَّهُ كَانَ لَنَا أَخٌ فَخَرَجَ مَعَنَا فِي الْبَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وَكَانَ أَحَبَّنَا إِلَى أَبِينَا. قَالَ: فَإِلَى مَنْ سَكَنَ أَبُوكُمْ بَعْدَهُ؟ قَالُوا: إِلَى أَخٍ لَنَا أَصْغَرَ مِنْهُ. قَالَ: فَأْتُونِي بِهِ أَنْظُرْ إِلَيْهِ ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ - قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ [يوسف: ٦٠ - ٦١] . قَالَ: فَاجْعَلُوا بَعْضَكُمْ عِنْدِي رَهِينَةً حَتَّى تَرْجِعُوا. فَوَضَعُوا شَمْعُونَ، أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ، وَجَهَّزَهُمْ يُوسُفُ بِجَهَازِهِمْ، وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ: اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ، يَعْنِي ثَمَنَ الطَّعَامِ، فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ أَمَانَتَهُمْ وَدِيَانَتَهُمْ تَحْمِلُهُمْ عَلَى رَدِّ الْبِضَاعَةِ فَيَرْجِعُونَ إِلَيْهِ لِأَجْلِهَا.
وَقِيلَ: رَدَّ مَالَهُمْ لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَ أَبِيهِ مَا يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، فَإِذَا رَأَوْا مَعَهُمْ بِضَاعَةً عَادُوا. وَكَانَ يُوسُفُ حِينَ رَأَى مَا بِالنَّاسِ مِنَ الْجُهْدِ قَدْ أَسَى بَيْنَهُمْ، وَكَانَ لَا يَحْمِلُ لِلرَّجُلِ إِلَّا بَعِيرًا.
فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ بِأَحْمَالِهِمْ قَالُوا: يَا أَبَانَا إِنَّ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ أَكْرَمَنَا كَرَامَةً لَوْ أَنَّهُ بَعْضُ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ مَا زَادَ عَلَى كَرَامَتِهِ، وَإِنَّهُ ارْتَهَنَ شَمْعُونَ، وَقَالَ: ائْتُونِي بِأَخِيكُمُ الَّذِي عَطَفَ عَلَيْهِ أَبُوكُمْ بَعْدَ أَخِيكُمْ، ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف: ٦٠] .
[ ١ / ١٣١ ]
قَالَ: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ - وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ - قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٤ - ٦٥]، قَالَ يَعْقُوبُ: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥]، فَقَالَ يَعْقُوبُ: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦] . ثُمَّ أَوْصَاهُمْ أَبُوهُمْ بَعْدَ أَنْ أَذِنَ لِأَخِيهِمْ فِي الرَّحِيلِ مَعَهُمْ ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧]، خَافَ عَلَيْهِمُ الْعَيْنَ، وَكَانُوا ذَوِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ، فَفَعَلُوا كَمَا أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ، ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٦٩] وَعَرَفَهُ وَأَنْزَلَهُمْ مَنْزِلًا وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْوَظَائِفَ وَقَدَّمَ لَهُمُ الطَّعَامَ وَأَجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ عَلَى مَائِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيَامِينُ وَحْدَهُ، فَبَكَى وَقَالَ: لَوْ كَانَ أَخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأَجْلَسَنِي مَعَهُ! فَقَالَ يُوسُفُ: لَقَدْ بَقِيَ أَخُوكُمْ هَذَا وَحِيدًا، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ وَقَعَدَ يُؤَاكِلُهُ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ جَاءَهُمْ بِالْفِرَاشِ وَقَالَ: لِيَنَمْ كُلُّ أَخَوَيْنِ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشٍ، وَبَقِيَ بِنْيَامِينُ وَحْدَهُ، فَقَالَ: هَذَا يَنَامُ مَعِي، فَبَاتَ مَعَهُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَبَقِيَ يَشُمُّهُ وَيَضُمُّهُ إِلَيْهِ حَتَّى أَصْبَحَ، وَذَكَرَ لَهُ بِنْيَامِينُ حُزْنَهُ عَلَى يُوسُفَ، فَقَالَ لَهُ: أَتُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَخَاكَ عِوَضَ أَخِيكَ الذَّاهِبِ؟ فَقَالَ بِنْيَامِينُ: وَمَنْ يَجِدُ أَخًا مِثْلَكَ! وَلَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ وَلَا رَاحِيلُ. فَبَكَى يُوسُفُ وَقَامَ إِلَيْهِ فَعَانَقَهُ، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ يُوسُفُ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا فَعَلُوهُ بِنَا فِيمَا مَضَى، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا، وَلَا تُعْلِمْهُمْ بِمَا عَلَّمْتُكَ.
وَقِيلَ: لَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ نَقَرَ الصُّوَاعَ وَقَالَ: إِنَّهُ يُخْبِرُنِي أَنَّكُمْ كُنْتُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وَأَنَّكُمْ بِعْتُمْ أَخَاكُمْ. فَلَمَّا سَمِعَهُ بِنْيَامِينُ سَجَدَ لَهُ وَقَالَ: سَلْ صُوَاعَكَ هَذَا عَنْ أَخِي أَحِيٌّ هُوَ؟ فَنَقَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ حَيٌّ، وَسَتَرَاهُ. قَالَ: فَاصْنَعْ بِي مَا شِئْتَ فَإِنَّهُ إِنْ عَلِمَ بِي فَسَوْفَ يَسْتَقِدُّنِي، قَالَ: فَدَخَلَ يُوسُفُ فَبَكَى ثُمَّ تَوَضَّأَ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، قَالَ: فَلَمَّا حَمَّلَ يُوسُفُ إِبِلَ إِخْوَتِهِ مِنَ الْمِيرَةِ جَعَلَ الْإِنَاءَ الَّذِي يَكِيلُ بِهِ الطَّعَامَ، وَهُوَ الصُّوَاعُ، وَكَانَ مِنْ فِضَّةٍ، فِي رَحْلِ أَخِيهِ.
[ ١ / ١٣٢ ]
وَقِيلَ: كَانَ إِنَاءً يَشْرَبُ فِيهِ. وَلَمْ يَشْعُرْ أَخُوهُ بِذَلِكَ.
وَقِيلَ: إِنَّ بِنْيَامِينَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ يُوسُفَ أَخُوهُ قَالَ: لَا أُفَارِقُكَ. قَالَ يُوسُفُ: أَخَافُ غَمَّ أَبَوَيْنَا وَلَا يُمْكِنُنِي حَبْسُكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أُشْهِرَكَ بِأَمْرٍ فَظِيعٍ. قَالَ: افْعَلْ. قَالَ: فَإِنِّي أَجْعَلُ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِكَ، ثُمَّ أُنَادِي عَلَيْكَ بِالسَّرِقَةِ لِآخُذَكَ مِنْهُمْ. قَالَ: افْعَلْ: فَلَمَّا ارْتَحَلُوا ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] . ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣] لِأَنَّنَا رَدَدْنَا ثَمَنَ الطَّعَامِ إِلَى يُوسُفَ. فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ - قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٤ - ٧٥] تَأْخُذُونَهُ لَكُمْ. ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ [يوسف: ٧٦] فَفَتَّشَهَا ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦] . فَقَالُوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]، يَعْنُونَ يُوسُفَ، وَكَانَتْ سَرِقَتُهُ حِينَ سَرَقَ صَنَمًا لِجَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْمِنْطَقَةِ.
فَلَمَّا اسْتُخْرِجَتِ السَّرِقَةُ مِنْ رَحْلِ الْغُلَامِ قَالَ إِخْوَتُهُ: يَا بَنِي رَاحِيلَ، لَا يَزَالُ لَنَا مِنْكُمْ بَلَاءٌ! فَقَالَ بِنْيَامِينُ: بَلْ بَنُو رَاحِيلَ مَا يَزَالُ لَهُمْ مِنْكُمْ بَلَاءٌ! وَضَعَ هَذَا الصُّوَاعَ فِي رَحْلِيَ الَّذِي وَضَعَ الدَّرَاهِمَ فِي رِحَالِكُمْ.
فَأَخَذَ يُوسُفُ أَخَاهُ بِحُكْمِ إِخْوَتِهِ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا سَبِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِ سَأَلُوهُ أَنْ يَتْرُكَهُ لَهُمْ وَ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ [يوسف: ٧٨] . فَقَالَ: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] . فَلَمَّا أَيِسُوا مِنْ خَلَاصِهِ خَلَصُوا نَجِيًّا لَا يَخْتَلِطُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ، فَقَالَ كَبِيرُهُمْ، وَهُوَ شَمْعُونُ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٠]
[ ١ / ١٣٣ ]
أَنْ نَأْتِيَهُ بِأَخِينَا إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِنَا، وَمِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْمَرَّةِ ﴿مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠] بِالْخُرُوجِ، وَقِيلَ: بِالْحَرْبِ، فَارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُصُّوا عَلَيْهِ خَبَرَكُمْ.
فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ فَأَخْبَرُوهُ بِخَبَرِ بِنْيَامِينَ وَتَخَلَّفَ شَمْعُونُ ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٨٣] بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ وَشَمْعُونَ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُمْ، وَقَالَ: وَاحُزْنَاهْ عَلَى يُوسُفَ! ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] مَمْلُوءٌ مِنَ الْحُزْنِ وَالْغَيْظِ فَقَالَ لَهُ بَنُوهُ: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ [يوسف: ٨٥]- أَيْ: دَنِفًا - ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥] . فَأَجَابَهُمْ يَعْقُوبُ فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] مِنْ صِدْقِ رُؤْيَا يُوسُفَ.
وَقِيلَ: بَلَغَ مِنْ وَجْدِ يَعْقُوبَ وَجْدَ سَبْعِينَ مُبْتَلًى، وَأُعْطِيَ عَلَى ذَلِكَ أَجْرَ مِائَةِ شَهِيدٍ.
قِيلَ: دَخَلَ عَلَى يَعْقُوبَ جَارٌ لَهُ فَقَالَ: يَا يَعْقُوبُ، قَدِ انْهَشَمْتَ وَفَنِيتَ وَلَمْ تَبْلُغْ مِنَ السِّنِّ مَا بَلَغَ أَبُوكَ! فَقَالَ: هَشَمَنِي وَأَفْنَانِي مَا ابْتَلَانِي اللَّهُ بِهِ مِنْ هَمِّ يُوسُفَ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَتَشْكُونِي إِلَى خَلْقِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَطِيئَةٌ فَاغْفِرْهَا. قَالَ: قَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ. فَكَانَ يَعْقُوبُ إِذَا سُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لَوْ كَانَا مَيِّتَيْنِ لَأَحْيَيْتُهُمَا لَكَ، إِنَّمَا ابْتَلَيْتُكَ لِأَنَّكَ قَدْ شَوَيْتَ وَقَتَّرْتَ عَلَى جَارِكَ وَلَمْ تُطْعِمْهُ.
وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ ابْتِلَائِهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ بَقَرَةٌ لَهَا عُجُولٌ فَذَبَحَ عُجُولَهَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَهِيَ تَخُورُ فَلَمْ يَرْحَمْهَا يَعْقُوبُ، فَابْتُلِيَ بِفَقْدِ أَعَزِّ وَلَدِهِ عِنْدَهُ، وَقِيلَ: ذَبَحَ شَاةً، فَقَامَ بِبَابِهِ مِسْكِينٌ فَلَمْ يُطْعِمْهُ مِنْهَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ
[ ١ / ١٣٤ ]
وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ سَبَبُ ابْتِلَائِهِ، فَصَنَعَ طَعَامًا وَنَادَى: مَنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُفْطِرْ عِنْدَ يَعْقُوبَ.
ثُمَّ إِنَّ يَعْقُوبَ أَمَرَ بَنِيهِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ مِصْرَ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَتَجَسُّسِ الْأَخْبَارِ عَنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ، فَرَجَعُوا إِلَى مِصْرَ فَدَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ، وَقَالُوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨]- يَعْنِي قَلِيلَةً - ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ [يوسف: ٨٨]، قِيلَ: كَانَتْ بِضَاعَتُهُمْ دَرَاهِمَ زُيُوفًا، وَقِيلَ: كَانَتْ سَمْنًا وَصُوفًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٨] بِفَضْلِ مَا بَيْنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ، وَقِيلَ: بِرَدِّ أَخِينَا عَلَيْنَا. فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَهُمْ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فَارْفَضَّ دَمْعُهُ بَاكِيًا ثُمَّ بَاحَ لَهُمْ بِالَّذِي كَانَ يَكْتُمُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا أَظْهَرَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ إِلَيْهِ، حِينَ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ أَخَذَ ابْنَهُ لِأَنَّهُ سَرَقَ - كِتَابًا:
مِنْ يَعْقُوبَ إِسْرَائِيلِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إِلَى عَزِيزِ مِصْرَ الْمُظْهِرِ الْعَدْلَ
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مُوَكَّلٌ بِنَا الْبَلَاءُ، وَأَمَّا جَدِّي فَشُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ فَجَعَلَهَا اللَّهُ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَأَمَّا أَبِي فَشُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَوُضِعَ السِّكِّينُ عَلَى حَلْقِهِ لِيُذْبَحَ فَفَدَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا أَنَا فَكَانَ لِيَ ابْنٌ وَكَانَ أَحَبَّ أَوْلَادِي إِلَيَّ فَذَهَبَ بِهِ إِخْوَتُهُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَعَادُوا وَمَعَهُمْ قَمِيصُهُ مُلَطَّخًا بِدَمٍ، وَقَالُوا: أَكَلَهُ الذِّئْبُ، وَكَانَ لِيَ ابْنٌ آخَرُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ فَكُنْتُ أَتَسَلَّى بِهِ فَذَهَبُوا بِهِ، ثُمَّ رَجَعُوا، وَقَالُوا: إِنَّهُ سَرَقَ وَإِنَّكَ حَبَسْتَهُ، وَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَسْرِقُ، وَلَا نَلِدُ سَارِقًا، فَإِنْ رَدَدْتَهُ عَلَيَّ وَإِلَّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السَّابِعَ مِنْ وَلَدِكَ.
فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَكَى وَأَظْهَرَ لَهُمْ فَقَالَ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ - قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٩ - ٩٠] بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَنَا، فَاعْتَذَرُوا وَ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ - قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩١ - ٩٢] .
[ ١ / ١٣٥ ]
أَيْ لَا أَذْكُرُ لَكُمْ ذَنْبَكُمْ، ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢]، ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ أَبِيهِ، فَقَالُوا: لَمَّا فَاتَهُ بِنْيَامِينُ عَمِيَ مِنَ الْحُزْنِ، فَقَالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] . فَقَالَ يَهُودَا: أَنَا أَذْهَبُ بِهِ لِأَنِّي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ بِالْقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ وَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ يُوسُفَ أَكَلَهُ الذِّئْبُ، فَأَنَا أُخْبِرُهُ أَنَّهُ حَيٌّ فَأُفْرِحُهُ كَمَا أَحْزَنْتُهُ. وَكَانَ هُوَ الْبَشِيرَ.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤] عَنْ مِصْرَ حَمَلَتِ الرِّيحُ إِلَى يَعْقُوبَ رِيحَ يُوسُفَ، وَبَيْنَهُمَا ثَمَانُونَ فَرْسَخًا، يُوسُفُ بِمِصْرَ وَيَعْقُوبُ بِأَرْضِ كَنْعَانَ. فَقَالَ يَعْقُوبُ: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤]؟ فَقَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ﴾ [يوسف: ٩٥] مِنْ ذِكْرِ يُوسُفَ ﴿لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ - فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٥ - ٩٦] بِقَمِيصِ يُوسُفَ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِ يَعْقُوبَ فَعَادَ بَصِيرًا وَ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٩٦]، يَعْنِي تَصْدِيقَ اللَّهِ تَأْوِيلَ رُؤْيَا يُوسُفَ، وَ﴿لَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦] قَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: كَيْفَ تَرَكْتَ يُوسُفَ؟ قَالَ: إِنَّهُ مَلِكُ مِصْرَ. قَالَ: مَا أَصْنَعُ بِالْمُلْكِ! عَلَى أَيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ؟ قَالَ: عَلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ: الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. فَلَمَّا رَأَى مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ قَمِيصَ يُوسُفَ وَخَبَرَهُ قَالُوا لَهُ: ﴿يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا - قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٧ - ٩٨] أَخَّرَ الدُّعَاءَ إِلَى السَّحَرِ مِنْ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ.
ثُمَّ ارْتَحَلَ يَعْقُوبُ وَوَلَدُهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ مِصْرَ خَرَجَ يُوسُفُ يَتَلَقَّاهُ وَمَعَهُ أَهْلُ مِصْرَ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَهُ، فَلَمَّا دَنَا أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ نَظَرَ يَعْقُوبُ إِلَى النَّاسِ وَالْخَيْلِ، وَكَانَ يَعْقُوبُ يَمْشِي وَيَتَوَكَّأُ عَلَى ابْنِهِ يَهُودَا، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ هَذَا فِرْعَوْنُ مِصْرَ. قَالَ: لَا، هَذَا ابْنُكَ يُوسُفُ. فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ أَرَادَ يُوسُفُ أَنْ يَبْدَأَهُ بِالسَّلَامِ، فَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ:
[ ١ / ١٣٦ ]
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذْهِبَ الْأَحْزَانِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ الْحُزْنُ وَالْبُكَاءُ مُدَّةَ غَيْبَةِ يُوسُفَ عَنْهُ.
قَالَ: فَلَمَّا دَخَلُوا مِصْرَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ، يَعْنِي أُمَّهُ وَأَبَاهُ، وَقِيلَ: كَانَتْ خَالَتَهُ. وَكَانَتْ أَمُّهُ قَدْ مَاتَتْ، وَخَرَّ لَهُ يَعْقُوبُ وَأُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ سُجَّدًا، وَكَانَ السُّجُودُ تَحِيَّةَ النَّاسِ لِلْمُلُوكِ، وَلَمْ يُرِدْ بِالسُّجُودِ وَضْعَ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْخُضُوعَ وَالتَّوَاضُعَ وَالِانْحِنَاءَ عِنْدَ السَّلَامِ كَمَا يُفْعَلُ الْآنَ بِالْمُلُوكِ. وَالْعَرْشُ: السَّرِيرُ. وَقَالَ: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] .
وَكَانَ بَيْنَ رُؤْيَا يُوسُفَ وَمَجِيءِ يَعْقُوبَ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ سَنَةً، فَإِنَّهُ أُلْقِيَ فِي الْجُبِّ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَقِيَهُ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَعَاشَ بَعْدَ جَمْعِ شَمْلِهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَأَوْصَى إِلَى أَخِيهِ يَهُودَا. وَقِيلَ كَانَتْ غَيْبَةُ يُوسُفَ عَنْ يَعْقُوبَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ دَخَلَ مِصْرَ وَلَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَاسْتَوْزَرَهُ فِرْعَوْنُ بَعْدَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ قُدُومِهِ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَتْ مُدَّةُ غَيْبَتِهِ عَنْ يَعْقُوبَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ مُقَامُ يَعْقُوبَ بِمِصْرَ وَأَهْلِهِ مَعَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا مَاتَ يَعْقُوبُ أَوْصَى إِلَى يُوسُفَ أَنْ يَدْفِنَهُ مَعَ أَبِيهِ إِسْحَاقَ، فَفَعَلَ يُوسُفُ، فَسَارَ بِهِ إِلَى الشَّامِ فَدَفَنَهُ عِنْدَ أَبِيهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مِصْرَ وَأَوْصَى يُوسُفُ أَنْ يُحْمَلَ مِنْ مِصْرَ وَيُدْفَنَ عِنْدَ آبَائِهِ، فَحَمَلَهُ مُوسَى لَمَّا خَرَجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَوَلَدَ يُوسُفُ إِفْرَائِيمَ وَمَنْشَى، فَوُلِدَ لِإِفْرَائِيمَ نُونٌ، وَلِنُونَ يُوشَعُ فَتَى مُوسَى، وَوُلِدَ لِمَنْشَى مُوسَى، قَبْلَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَزَعَمَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّهُ مُوسَى الْخَضِرُ، وَوُلِدَ لَهُ رَحْمَةُ امْرَأَةُ أَيُّوبَ فِي قَوْلٍ.
[ ١ / ١٣٧ ]