[ ١ / ٤٣٣ ]
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ سَكَنَ دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، وَكَانَ طَاقُ مَجْلِسِهِ قَدْ بُنِيَ بُنْيَانًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، وَكَانَ عِنْدَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ رَجُلًا مِنَ الْحُزَاةِ مِنْ بَيْنِ كَاهِنٍ وَسَاحِرٍ وَمُنَجِّمٍ، وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ اسْمُهُ السَّايِبُ، بَعَثَ بِهِ بَاذَانُ مِنَ الْيَمَنِ، وَكَانَ كِسْرَى إِذَا أَحْزَنَهُ أَمْرُ جَمَعَهُمْ فَقَالَ: انْظُرُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ مَا هُوَ.
فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - ﷺ - أَصْبَحَ كِسْرَى وَقَدِ انْقَصَمَ طَاقُ مُلْكِهِ مِنْ غَيْرِ ثُقْلٍ، وَانْحَرَفَتْ عَلَيْهِ دِجْلَةُ الْعَوْرَاءُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ حَزَنَهُ فَقَالَ: انْقَصَمَ طَاقُ مُلْكِي مِنْ غَيْرِ ثُقْلٍ، وَانْخَرَقَتْ دِجْلَةُ الْعَوْرَاءُ " شَاهْ بِشْكَسْتَ "، يَقُولُ: الْمُلْكُ انْكَسَرَ. ثُمَّ دَعَا كُهَّانَهُ وَسُحَّارَهُ وَمُنَجِّمِيهِ، وَفِيهِمُ السَّايِبُ، فَقَالَ لَهُمْ: انْظُرُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ. فَنَظَرُوا فِي أَمْرِهِ فَأَخَذَتْ عَلَيْهِ أَقْطَارُ السَّمَاءِ وَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ، فَلَمْ يَمْضِ لَهُمْ مَا رَامُوهُ، وَبَاتَ السَّايِبُ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ عَلَى رَبْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَنْظُرُ، فَرَأَى بَرْقًا مِنْ قِبَلِ الْحِجَازِ اسْتِطَارَ فَبَلَغَ الْمَشْرِقَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَأَى تَحْتَ قَدَمَيْهِ رَوْضَةً خَضْرَاءَ، فَقَالَ فِيمَا يَعْتَافُ: إِنْ صَدَقَ مَا أَرَى لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الْحِجَازِ سُلْطَانٌ يَبْلُغُ الْمَشْرِقَ تَخْصُبُ عَلَيْهِ الْأَرْضُ كَأَفْضَلِ مَا أَخْصَبَتْ عَلَى مَلِكٍ.
فَلَمَّا خَلُصَ الْكُهَّانُ وَالْمُنَجِّمُونَ وَالسُّحَّارُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَرَأَوْا مَا أَصَابَهُمْ، وَرَأَى السَّايِبُ مَا رَأَى، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: وَاللَّهِ مَا حِيلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عِلْمِكُمْ إِلَّا لِأَمْرٍ جَاءَ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنَّهُ لَنَبِيٌّ بُعِثَ أَوْ هُوَ مَبْعُوثٌ يَسْلُبُ هَذَا الْمُلْكَ وَيَكْسِرُهُ، وَلَئِنْ نَعَيْتُمْ لِكِسْرَى مُلْكَهُ لَيَقْتُلَنَّكُمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكْتُمُوهُ الْأَمْرَ وَقَالُوا لَهُ: قَدْ نَظَرْنَا فَوَجَدْنَا أَنَّ وَضْعَ دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ وَطَاقَ الْمُلْكِ قَدْ وُضِعَ عَلَى النُّحُوسِ، فَلَمَّا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَقَعَتِ النُّحُوسُ
[ ١ / ٤٣٤ ]
مَوَاقِعَهَا فَزَالَ كُلُّ مَا وُضِعَ عَلَيْهَا، وَإِنَّا نَحْسِبُ لَكَ حِسَابًا تَضَعُ عَلَيْهِ بُنْيَانَكَ فَلَا يَزُولُ، فَحَسَبُوا وَأَمَرُوهُ بِالْبِنَاءِ، فَبَنَى دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ فِي ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا أَمْوَالًا جَلِيلَةً حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهَا قَالَ لَهُمْ: أَجْلِسُ عَلَى سُورِهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَجَلَسَ فِي أَسَاوِرَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ هُنَاكَ انْتَسَفَتْ دِجْلَةُ الْبُنْيَانَ مِنْ تَحْتِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بِآخِرِ رَمَقٍ. فَلَمَّا أَخْرَجُوهُ جَمَعَ كُهَّانَهُ وَسُحَّارَهُ وَمُنَجِّمِيهِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَةٍ وَقَالَ: قَرَّبْتُكُمْ وَأَجْرَيْتُ عَلَيْكُمُ الْأَرْزَاقَ ثُمَّ أَنْتُمْ تَلْعَبُونَ بِي! فَقَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ أَخْطَأْنَا كَمَا أَخْطَأَ مَنْ قَبْلَنَا. ثُمَّ حَسَبُوا لَهُ وَبَنَاهُ وَفَرَغَ مِنْهُ وَأَمَرُوهُ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، فَخَافَ فَرَكِبَ فَرَسًا وَسَارَ عَلَى الْبِنَاءِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ انْتَسَفَتْهُ دِجْلَةُ فَلَمْ يُدْرَكْ إِلَّا بِآخِرِ رَمَقٍ، فَدَعَاهُمْ وَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ أَوْ لَتَصْدُقُونِي. فَصَدَقُوهُ الْأَمْرَ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ هَلَّا بَيَّنْتُمْ لِي فَأَرَى فِيهِ رَأْيِي؟ قَالُوا: مَنَعَنَا الْخَوْفُ. فَتَرَكَهُمْ وَلَهَا عَنْ دِجْلَةَ حِينَ غَلَبَتْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْبَطَائِحِ، وَلَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَانَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا عَامِرَةً.
فَلَمَّا جَاءَتْ سَنَةُ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ إِلَى كِسْرَى، فَزَادَتِ الْفُرَاتُ وَالدِّجْلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً لَمْ يُرَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا مِثْلَهَا، فَانْبَثَقَتِ الْبُثُوقُ وَانْتَسَفَتْ مَا كَانَ بَنَاهُ كِسْرَى وَاجْتَهَدَ أَنْ يَكْسِرَهَا فَغَلَبَهُ الْمَاءُ، كَمَا بَيَّنَّا، وَمَالَ إِلَى مَوْضِعِ الْبَطَائِحِ فَطَمَا الْمَاءُ عَلَى الزُّرُوعِ وَغَرِقَ عِدَّةُ طَسَاسِيجَ، ثُمَّ دَخَلَتِ الْعَرَبُ أَرْضَ الْفُرْسِ، وَشَغَلَتْهُمْ عَنْ عَمَلِهَا بِالْحُرُوبِ وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ. فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ الْحَجَّاجِ تَفَجَّرَتْ بُثُوقٌ أُخَرُ فَلَمْ يَسُدَّهَا مُضَارَّةً لِلدَّهَاقِينِ لِأَنَّهُ اتَّهَمَهُمْ بِمُمَالَأَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَعَظُمَ الْخَطْبُ فِيهَا وَعَجِزَ النَّاسُ عَنْ عَمَلِهَا، فَبَقِيَتْ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْآنَ.
وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: بَعَثَ اللَّهُ إِلَى كِسْرَى مَلَكًا وَهُوَ فِي بَيْتِ إِيوَانِهِ الَّذِي لَا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُعْهُ إِلَّا بِهِ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ فِي يَدِهِ عَصًا بِالْهَاجِرَةِ فِي سَاعَتِهِ الَّتِي يُقِيلُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا كِسْرَى أَتُسْلِمُ أَوْ أَكْسِرُ هَذِهِ الْعَصَا؟ فَقَالَ: بِهِلْ بِهِلْ! وَانْصَرَفَ عَنْهُ فَدَعَا بِحُرَّاسِهِ وَحُجَّابِهِ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: مَنْ أَدْخَلَ هَذَا الرَّجُلَ؟ فَقَالُوا: مَا دَخَلَ عَلَيْنَا أَحَدٌ وَلَا رَأَيْنَاهُ! حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ أَتَاهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ أَوْ أَكْسِرُ الْعَصَا؟ فَقَالَ: بِهِلْ بِهِلْ! وَتَغَيَّظَ عَلَى حُجَّابِهِ وَحُرَّاسِهِ. فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ
[ ١ / ٤٣٥ ]
الثَّالِثُ أَتَاهُ فَقَالَ: أَتُسْلِمُ أَوْ أَكْسِرُ الْعَصَا؟ فَقَالَ: بِهِلْ بِهِلْ! فَكَسَرَ الْعَصَا ثُمَّ خَرَجَ. فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا تَهَوُّرُ مُلْكِهِ وَانْبِعَاثُ ابْنِهِ وَالْفُرْسِ حَتَّى قَتَلُوهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: «قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى كِسْرَى فِيكَ؟ قَالَ: (بَعَثَ إِلَيْهِ مَلَكًا، فَأَخْرَجَ يَدَهُ إِلَيْهِ مِنْ جِدَارِ بَيْتِهِ تَلَأْلَأُ نُورًا، فَلَمَّا رَآهَا فَزِعَ فَقَالَ لَهُ: لَا تُرَعْ يَا كِسْرَى! إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا فَاتَّبِعْهُ تَسْلَمْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ. قَالَ: سَأَنْظُرُ)» .
ذِكْرُ وَقْعَةِ ذِي قَارٍ وَسَبَبِهِ
ذَكَرُوا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ «قَالَ لَمَّا بَلَغَهُ مَا كَانَ مِنْ ظَفَرِ رَبِيعَةَ بِجَيْشِ كِسْرَى: (هَذَا أَوَّلُ يَوْمٍ انْتَصَفَ الْعَرَبُ فِيهِ مِنَ الْعَجَمِ وَبِي نُصِرُوا)» . فَحَفِظَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَكَانَ يَوْمَ الْوَاقِعَةِ.
قَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ: كَانَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ التَّمِيمِيُّ وَأَخُوهُ عَمَّارٌ، وَهُوَ أُبَيٌّ، وَعَمْرٌو، وَهُوَ سُمَيٌّ، يَكُونُونَ مَعَ الْأَكَاسِرَةِ وَلَهُمْ إِلَيْهِمُ انْقِطَاعٌ، وَكَانَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ لَمَّا مَلَكَ جَعَلَ ابْنَهُ النُّعْمَانَ فِي حِجْرِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ لَهُ غَيْرَ النُّعْمَانِ أَحَدَ عَشَرَ وَلَدًا وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْأَشَاهِبَ لِجَمَالِهِمْ. فَلَمَّا مَاتَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَخَلَّفَ أَوْلَادَهُ أَرَادَ كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ أَنْ يُمَلِّكَ عَلَى الْعَرَبِ مَنْ يَخْتَارُهُ، فَأَحْضَرَ عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ وَسَأَلَهُ عَنْ أَوْلَادِ الْمُنْذِرِ، فَقَالَ: هُمْ رِجَالٌ، فَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِهِمْ. فَكَتَبَ عَدِيٌّ فَأَحْضَرَهُمْ وَأَنْزَلَهُمْ، وَكَانَ يُفَضِّلُ إِخْوَةَ النُّعْمَانِ عَلَيْهِ وَيُرِيهِمْ أَنَّهُ لَا يَرْجُو النُّعْمَانَ وَيَخْلُو بِوَاحِدٍ وَاحِدٍ وَيَقُولُ لَهُ: إِذَا سَأَلَكَ الْمَلِكُ أَتَكْفُونَنِي الْعَرَبَ؟ قُولُوا: نَكْفِيكَهُمْ إِلَّا النُّعْمَانَ. وَقَالَ لِلنُّعْمَانِ: إِذَا سَأَلَكَ الْمَلِكُ عَنْ إِخْوَتِكَ فَقُلْ لَهُ: إِذَا عَجِزْتُ عَنْ إِخْوَتِي فَأَنَا عَنْ غَيْرِهِمْ أَعْجَزُ.
وَكَانَ مِنْ بَنِي مَرِينَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عَدِيُّ بْنُ أَوْسِ بْنِ مَرِينَا، وَكَانَ دَاهِيًا شَاعِرًا، وَكَانَ
[ ١ / ٤٣٦ ]
يَقُولُ لِلْأَسْوَدِ بْنِ الْمُنْذِرِ: قَدْ عَرَفْتَ أَنِّي أَرْجُوكَ وَعَيْنِي إِلَيْكَ، وَإِنَّنِي أُرِيدُكَ أَنْ تُخَالِفَ عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَا يَنْصَحُ لَكَ أَبَدًا! فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ.
فَلَمَّا أَمَرَ كِسْرَى عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ أَنْ يُحْضِرَهُمْ، أَحْضَرَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا وَسَأَلَهُمْ كِسْرَى: أَتَكْفُونَنِي الْعَرَبَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ إِلَّا النُّعْمَانَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ النُّعْمَانُ رَأَى رَجُلًا دَمِيمًا أَحْمَرَ أَبْرَشَ قَصِيرًا فَقَالَ لَهُ: أَتَكْفِينِي إِخْوَتَكَ وَالْعَرَبَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ عَجَزْتُ عَنْ إِخْوَتِي فَأَنَا عَنْ غَيْرِهِمْ أَعْجَزُ. فَمَلَّكَهُ وَكَسَاهُ وَأَلْبَسَهُ تَاجًا قِيمَتُهُ سِتُّونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ عَدِيُّ بْنُ مَرِينَا لِلْأَسْوَدِ: دُونَكَ فَقَدْ خَالَفْتَ الرَّأْيَ.
ثُمَّ صَنَعَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ طَعَامًا وَدَعَا عَدِيَّ بْنَ مَرِينَا إِلَيْهِ وَقَالَ: إِنِّي عَرَفْتُ أَنَّ صَاحِبَكَ الْأَسْوَدَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ صَاحِبِي النُّعْمَانِ، فَلَا تَلُمْنِي عَلَى شَيْءٍ كُنْتَ عَلَى مِثْلِهِ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَلَّا تَحْقِدَ عَلَيَّ، وَإِنَّ نَصِيبِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ لَيْسَ بِأَوْفَرَ مِنْ نَصِيبِكَ، وَحَلَفَ لِابْنِ مَرِينَا أَنْ لَا يَهْجُوهُ وَلَا يَبْغِيهِ غَائِلَةً أَبَدًا، فَقَامَ ابْنُ مَرِينَا وَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَهْجُوهُ وَيَبْغِيهِ الْغَوَائِلَ. وَسَارَ النُّعْمَانُ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ، وَقَالَ ابْنُ مَرِينَا لِلْأَسْوَدِ: إِذَا فَاتَكَ فَلَا تَعْجَزْ أَنْ تَطْلُبَ بِثَأْرِكَ مِنْ عَدِيٍّ فَإِنَّ مَعَدًّا لَا يَنَامُ مُكْرَهًا، وَأَمَرْتُكَ بِمَعْصِيَتِهِ فَخَالَفْتَنِي، وَأُرِيدُ أَنْ لَا يَأْتِيَكَ مِنْ مَالِكَ شَيْءٌ إِلَّا عَرَضْتَهُ عَلَيَّ. فَفَعَلَ.
وَكَانَ ابْنُ مَرِينَا كَثِيرَ الْمَالِ، وَكَانَ لَا يُخَلِّي النُّعْمَانَ يَوْمًا مِنْ هَدِيَّةٍ وَطُرْفَةٍ، فَصَارَ مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَكَانَ إِذَا ذُكِرَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ وَصَفَهُ وَقَالَ: إِلَّا أَنَّهُ فِيهِ مَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ، وَاسْتَمَالَ أَصْحَابَ النُّعْمَانِ، فَمَالُوا إِلَيْهِ، وَوَاضَعَهُمْ عَلَى أَنْ قَالُوا لِلنُّعْمَانِ: إِنَّ عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ إِنَّكَ عَامِلُهُ، وَلَمْ يَزَالُوا بِالنُّعْمَانِ حَتَّى أَضْغَنُوهُ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَدِيٍّ يَسْتَزِيرُهُ، فَاسْتَأْذَنَ عَدِيٌّ كِسْرَى فِي ذَلِكَ فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ لَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ حَتَّى حَبَسَهُ وَمَنَعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ عَدِيٌّ يَقُولُ الشِّعْرَ وَهُوَ فِي السِّجْنِ، وَبَلَغَ النُّعْمَانَ قَوْلُهُ فَنَدِمَ عَلَى حَبْسِهِ إِيَّاهُ وَخَافَ مِنْهُ إِذَا أَطْلَقَهُ.
فَكَتَبَ عَدِيٌّ إِلَى أَخِيهِ أُبَيٍّ أَبْيَاتًا يُعْلِمُهُ بِحَالِهِ، فَلَمَّا قَرَأَ أَبْيَاتَهُ وَكِتَابَهُ كَلَّمَ كِسْرَى فِيهِ، فَكَتَبَ إِلَى النُّعْمَانِ وَأَرْسَلَ رَجُلًا فِي إِطْلَاقِ عَدِيٍّ، وَتَقَدَّمَ أَخُو عَدِيٍّ إِلَى الرَّسُولِ بِالدُّخُولِ إِلَى عَدِيٍّ قَبْلَ النُّعْمَانِ، فَفَعَلَ وَدَخَلَ عَلَى عَدِيٍّ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ أُرْسِلَ لِإِطْلَاقِهِ،
[ ١ / ٤٣٧ ]
فَقَالَ لَهُ عَدِيٌّ: لَا تَخْرُجْ مِنْ عِنْدِي وَأَعْطِنِي الْكِتَابَ حَتَّى أُرْسِلَهُ، فَإِنَّكَ إِنْ خَرَجْتَ مِنْ عِنْدِي قَتَلَنِي، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَدَخَلَ أَعْدَاءُ عَدِيٍّ عَلَى النُّعْمَانِ فَأَعْلَمُوهُ الْحَالَ وَخَوَّفُوهُ مِنْ إِطْلَاقِهِ، فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِ فَخَنَقُوهُ ثُمَّ دَفَنُوهُ.
وَجَاءَ الرَّسُولُ فَدَخَلَ عَلَى النُّعْمَانِ بِالْكِتَابِ فَقَالَ: نَعَمْ وَكَرَامَةٌ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ مِثْقَالٍ وَجَارِيَةٍ وَقَالَ: إِذَا أَصْبَحْتَ ادْخُلْ إِلَيْهِ فَخُذْهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ الرَّسُولُ غَدَا إِلَى السِّجْنِ فَلَمْ يَرَ عَدِيًّا، وَقَالَ لَهُ الْحَرَسُ: إِنَّهُ مَاتَ مُنْذُ أَيَّامٍ. فَرَجَعَ إِلَى النُّعْمَانِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَآهُ بِالْأَمْسِ وَلَمْ يَرَهُ الْيَوْمَ، فَقَالَ: كَذَبْتَ! وَزَادَهُ رِشْوَةً وَاسْتَوْثَقَ مِنْهُ أَنْ لَا يُخْبِرَ كِسْرَى، إِلَّا أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى النُّعْمَانِ. قَالَ: وَنَدِمَ النُّعْمَانُ عَلَى قَتْلِهِ، وَاجْتَرَأَ أَعْدَاءُ عَدِيٍّ عَلَى النُّعْمَانِ وَهَابَهُمْ هَيْبَةً شَدِيدَةً. فَخَرَجَ النُّعْمَانُ فِي بَعْضِ صَيْدِهِ، فَرَأَى ابْنًا لِعَدِيٍّ يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ، فَكَلَّمَهُ وَفَرِحَ بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ أَبِيهِ وَسَيَّرَهُ، إِلَى كِسْرَى وَوَصَفَهُ لَهُ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ مَكَانَ أَبِيهِ، فَفَعَلَ كِسْرَى، وَكَانَ يَلِي مَا يُكْتَبُ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَسَأَلَهُ كِسْرَى عَنِ النُّعْمَانِ فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَأَقَامَ عِنْدَ الْمَلِكِ سَنَوَاتٍ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ، وَكَانَ يُكْثِرُ الدُّخُولَ عَلَى كِسْرَى.
وَكَانَ لِمُلُوكِ الْأَعَاجِمِ صِفَةٌ لِلنِّسَاءِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُمْ، وَكَانُوا يَبْعَثُونَ فِي طَلَبِ مَنْ يَكُونُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَلَا يَقْصِدُونَ الْعَرَبَ، فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ عَدِيٍّ: إِنِّي أَعْرِفُ عِنْدَ عَبْدِكَ النُّعْمَانِ مِنْ بَنَاتِهِ وَبَنَاتِ عَمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ امْرَأَةً عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. قَالَ: فَتَكْتُبُ فِيهِنَّ. قَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ شَرَّ شَيْءٍ فِي الْعَرَبِ، وَفِي النُّعْمَانِ أَنَّهُمْ يَتَكَرَّمُونَ بِأَنْفُسِهِمْ عَنِ الْعَجَمِ، فَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تُعْنِتَهُنَّ، وَإِنْ قَدِمْتُ أَنَا عَلَيْهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَابْعَثْنِي وَابْعَثْ مَعِيَ رَجُلًا يَفْقَهُ الْعَرَبِيَّةَ، فَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا جَلْدًا، فَخَرَجَا حَتَّى بَلَغَا الْحِيرَةَ وَدَخَلَا عَلَى النُّعْمَانِ. قَالَ لَهُ زَيْدٌ: إِنَّ الْمَلِكَ احْتَاجَ إِلَى نِسَاءٍ لِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَأَرَادَ كَرَامَتَكَ فَبَعَثَ إِلَيْكَ. قَالَ: وَمَا هَؤُلَاءِ النِّسْوَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ صِفَتُهُنَّ قَدْ جِئْنَا بِهَا.
وَكَانَتِ الصِّفَةُ أَنَّ الْمُنْذِرَ أَهْدَى إِلَى أَنُوشِرْوَانَ جَارِيَةً أَصَابَهَا عِنْدَ الْغَارَةِ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ، وَكَتَبَ يَصِفُهَا أَنَّهَا مُعْتَدِلَةُ الْخَلْقِ، نَقِيَّةُ اللَّوْنِ وَالثَّغْرِ، بَيْضَاءُ، وَطْفَاءُ، قَمْرَاءُ، دَعْجَاءُ، حَوْرَاءُ، عَيْنَاءُ، قَنْوَاءُ، شَمَّاءُ، زَجَّاءُ
[ ١ / ٤٣٨ ]
بَرْجَاءُ، أَسِيلَةُ الْخَدِّ، شَهِيَّةُ الْقَدِّ، جَثِيلَةُ الشَّعْرِ، بَعِيدَةُ مَهْوَى الْقُرْطِ، عَيْطَاءُ، عَرِيضَةُ الصَّدْرِ، كَاعِبُ الثَّدْيِ، ضَخْمَةُ مُشَاشَةِ الْمَنْكِبِ وَالْعَضُدِ، حَسَنَةُ الْمِعْصَمِ، لَطِيفَةُ الْكَفِّ، سَبْطَةُ الْبَنَانِ، لَطِيفَةُ طَيِّ الْبَطْنِ، خَمِيصَةُ الْخَصْرِ، غَرْثَى الْوِشَاحِ، رَدَاحُ الْقَبَلِ، رَابِيَةُ الْكَفَلِ، لَفَّاءُ الْفَخِذَيْنِ، رَيَّا الرَّوَادِفِ، ضَخْمَةُ الْمَأْكِمَتَيْنِ، عَظِيمَةُ الرُّكْبَةِ، مُفْعَمَةُ السَّاقِ، مُشْبَعَةُ الْخَلْخَالِ، لَطِيفَةُ الْكَعْبِ وَالْقَدَمِ، قَطُوفُ الْمَشْيِ، مِكْسَالُ الضُّحَى، بَضَّةُ الْمُتَجَرَّدِ، سَمُوعٌ لِلسَّيِّدِ، لَيْسَتْ بِخَنْسَاءَ وَلَا سَفْعَاءَ، ذَلِيلَةُ الْأَنْفِ، عَزِيزَةُ النَّفَرِ، لَمْ تُغَذَّ فِي بُؤْسٍ، حَيِيَّةٌ، رَزِينَةٌ، رَكِينَةٌ،
[ ١ / ٤٣٩ ]
كَرِيمَةُ الْخَالِ، تَقْتَصِرُ بِنَسَبِ أَبِيهَا دُونَ فَصِيلَتِهَا، وَبِفَصِيلَتِهَا دُونَ جِمَاعِ قَبِيلَتِهَا، قَدْ أَحْكَمَتْهَا الْأُمُورُ فِي الْأَدَبِ، فَرَأْيُهَا رَأْيُ أَهْلِ الشَّرَفِ، وَعَمَلُهَا عَمَلُ أَهْلِ الْحَاجَةِ، صَنَاعُ الْكَفَّيْنِ، قَطِيعَةُ اللِّسَانِ، رَهْوَةُ الصَّوْتِ، تَزِينُ الْبَيْتَ وَتَشِينُ الْعَدُوَّ، إِنْ أَرَدْتَهَا اشْتَهَتْ، وَإِنْ تَرَكْتَهَا انْتَهَتْ، تُحَمْلِقُ عَيْنَاهَا، وَيَحْمَرُّ خَدَّاهَا، وَتَذَبْذَبُ شَفَتَاهَا، وَتُبَادِرُ الْوَثْبَةَ، وَلَا تَجْلِسُ إِلَّا بِأَمْرِكَ إِذَا جَلَسَتْ.
فَقَبِلَهَا كِسْرَى وَأَمَرَ بِإِثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَبَقِيَتْ إِلَى أَيَّامِ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ. فَقَرَأَ زَيْدٌ هَذِهِ الصِّفَةَ عَلَى النُّعْمَانِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالَ لِزَيْدٍ، وَالرَّسُولُ يَسْمَعُ: أَمَا فِي عَيْنِ السَّوَادِ وَفَارِسَ مَا تَبْلُغُونَ حَاجَتَكُمْ! قَالَ الرَّسُولُ لِزَيْدٍ: مَا الْعَيْنُ؟ قَالَ: الْبَقَرُ.
وَأَنْزَلَهُمَا يَوْمَيْنِ وَكَتَبَ إِلَى كِسْرَى: إِنَّ الَّذِي طَلَبَ الْمَلِكُ لَيْسَ عِنْدِي وَقَالَ لِزَيْدٍ اعْذُرْنِي عِنْدَهُ.
فَلَمَّا عَادَ إِلَى كِسْرَى قَالَ لِزَيْدٍ: أَيْنَ مَا كُنْتَ أَخْبَرْتَنِي بِهِ؟ قَالَ: قَدْ قُلْتُ لِلْمَلِكِ وَعَرَّفْتُهُ بُخْلَهُمْ بِنِسَائِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ وَأَنَّ ذَلِكَ لِشَقَائِهِمْ وَسُوءِ اخْتِيَارِهِمْ، وَسَلْ هَذَا الرَّسُولَ عَنِ الَّذِي قَالَ، فَإِنِّي أُكْرِمُ الْمَلِكَ عَنْ ذَلِكَ. فَسَأَلَ الرَّسُولَ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَالَ: أَمَا فِي بَقَرِ السَّوَادِ وَفَارِسَ مَا يَكْفِيهِ حَتَّى يَطْلُبَ مَا عِنْدَنَا؟ فَعُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ وَقَالَ: رُبَّ عَبْدٍ قَدْ أَرَادَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا فَصَارَ أَمْرُهُ إِلَى التَّبَابِ.
وَبَلَغَ هَذَا الْكَلَامُ النُّعْمَانَ، وَسَكَتَ كِسْرَى عَلَى ذَلِكَ أَشْهُرًا وَالنُّعْمَانُ يَسْتَعِدُّ، حَتَّى أَتَاهُ كِتَابُ كِسْرَى يَسْتَدْعِيهِ. فَحِينَ وَصَلَ الْكِتَابُ أَخَذَ سِلَاحَهُ وَمَا قَوِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ
[ ١ / ٤٤٠ ]
لَحِقَ بِجَبَلَيْ طَيِّءٍ، وَكَانَ مُتَزَوِّجًا إِلَيْهِمْ، وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ. فَأَبَوْا عَلَيْهِ خَوْفًا مِنْ كِسْرَى، فَأَقْبَلَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْبَلُهُ، حَتَّى نَزَلَ فِي ذِي قَارٍ فِي بَنِي شَيْبَانَ سِرًّا، فَلَقِيَ هَانِئَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ وَكَانَ سَيِّدًا مَنِيعًا، وَالْبَيْتُ مِنْ رَبِيعَةَ فِي آلِ ذِي الْجَدَّيْنِ لِقَيْسِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ ذِي الْجَدَّيْنِ، وَكَانَ كِسْرَى قَدْ أَطْعَمَهُ الْأُبُلَّةَ، فَكَرِهَ النُّعْمَانُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ أَهْلَهُ لِذَلِكَ، وَعَلِمَ أَنَّ هَانِئًا يَمْنَعُهُ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْهُ أَهْلَهُ، فَأَوْدَعَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَفِيهِ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْعٍ، وَقِيلَ: ثَمَانِمِائَةِ دِرْعٍ.
وَتَوَجَّهَ النُّعْمَانُ إِلَى كِسْرَى فَلَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَدِيٍّ عَلَى قَنْطَرَةِ سَابَاطَ، فَقَالَ: انْجُ نُعَيْمُ. فَقَالَ: أَنْتَ يَا زَيْدُ فَعَلْتَ هَذَا! أَمَا وَاللَّهِ لَئِنِ انْفَلَتُّ لِأَفْعَلَنَّ بِكَ مَا فَعَلْتُ بِأَبِيكَ. فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: امْضِ نُعَيْمُ فَقَدْ وَاللَّهِ وَضَعْتُ لَكَ عِنْدَهُ أَخِيَّةً لَا يَقْطَعُهَا الْمُهْرُ الْأَرِنُ.
فَلَمَّا بَلَغَ كِسْرَى أَنَّهُ بِالْبَابِ بَعَثَ إِلَيْهِ فَقَيَّدَهُ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى خَانِقِينَ حَتَّى وَقَعَ الطَّاعُونُ فَمَاتَ فِيهِ، قَالَ: وَالنَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّهُ مَاتَ بِسَابَاطَ بِبَيْتِ الْأَعْشَى وَهُوَ يَقُولُ:
فَذَاكَ وَمَا أَنْجَى مِنَ الْمَوْتِ رَبُّهُ بِسَابَاطَ حَتَّى مَاتَ وَهْوَ مُحَرْزَقُ
؟
[ ١ / ٤٤١ ]
وَكَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ.
فَلَمَّا مَاتَ اسْتَعْمَلَ كِسْرَى إِيَاسَ بْنَ قَبِيصَةَ الطَّائِيَّ عَلَى الْحِيرَةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ النُّعْمَانُ. وَكَانَ كِسْرَى اجْتَازَ بِهِ لَمَّا سَارَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَشَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ كِسْرَى بِأَنْ يَجْمَعَ مَا خَلَّفَهُ النُّعْمَانُ وَيُرْسِلَهُ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ إِيَاسٌ إِلَى هَانِئِ بْنِ مَسْعُودٍ الشَّيْبَانِيِّ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ مَا اسْتَوْدَعَهُ النُّعْمَانُ، فَأَبَى هَانِئٌ أَنْ يُسَلِّمَ مَا عِنْدَهُ. فَلَمَّا أَبَى هَانِئٌ غَضِبَ كِسْرَى، وَعِنْدَهُ النُّعْمَانُ بْنُ زُرْعَةَ التَّغْلِبِيُّ، وَهُوَ يُحِبُّ هَلَاكَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَقَالَ لِكِسْرَى: أَمْهِلْهُمْ حَتَّى يَقِيظُوا وَيَتَسَاقَطُوا عَلَى ذِي قَارٍ تَسَاقُطَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ فَتَأْخُذَهُمْ كَيْفَ شِئْتَ.
فَصَبَرَ كِسْرَى حَتَّى جَاءُوا حِنْوَ ذِي قَارٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ كِسْرَى النُّعْمَانَ بْنَ زُرْعَةَ يُخَيِّرُهُمْ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعْطُوا بِأَيْدِيهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكُوا دِيَارَهُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُحَارِبُوا. فَوَلُّوا أَمْرَهُمْ حَنْظَلَةَ بْنَ ثَعْلَبَةَ الْعِجْلِيَّ، فَأَشَارَ بِالْحَرْبِ، فَآذَنُوا الْمَلِكَ بِالْحَرْبِ، فَأَرْسَلَ كِسْرَى إِيَاسَ بْنَ قَبِيصَةَ الطَّائِيَّ أَمِيرَ الْجَيْشِ، وَمَعَهُ مَرَازِبَةُ الْفُرْسِ وَالْهَامَرْزُ التُّسْتَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعَرَبِ تَغْلِبَ وَإِيَادَ وَقَيْسَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ قَيْسِ بْنِ ذِي الْجَدَّيْنِ، وَكَانَ عَلَى طَفِّ سَفَوَانَ، فَأَرْسَلَ الْفُيُولَ، وَكَانَ قَدْ بُعِثَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَسَّمَ هَانِئُ بْنُ مَسْعُودٍ دُرُوعَ النُّعْمَانِ وَسِلَاحَهُ.
فَلَمَّا دَنَتِ الْفُرْسُ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ قَالَ هَانِئُ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا مَعْشَرَ بَكْرٍ، إِنَّهُ لَا طَاقَةَ لَكُمْ فِي قِتَالِ كِسْرَى فَارْكَنُوا إِلَى الْفَلَاةِ. فَسَارَعَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ، فَوَثَبَ حَنْظَلَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الْعِجْلِيُّ وَقَالَ: يَا هَانِئُ أَرَدْتَ نَجَاءَنَا فَأَلْقَيْتَنَا فِي الْهَلَكَةِ، وَرَدَّ النَّاسَ وَقَطَّعَ وُضُنَ الْهَوَادِجِ، وَهِيَ الْحُزُمُ لِلرِّجَالِ، فَسُمِّيَ مُقَطِّعَ الْوُضُنِ، وَضَرَبَ عَلَى نَفْسِهِ قُبَّةً، وَأَقْسَمَ أَلَّا يَفِرَّ حَتَّى تَفِرَّ الْقُبَّةُ، فَرَجَعَ النَّاسُ وَاسْتَقَوْا مَاءً لِنِصْفِ شَهْرٍ. فَأَتَتْهُمُ الْعَجَمُ فَقَاتَلَتْهُمْ بِالْحِنْوِ، فَانْهَزَمَتِ الْعَجَمُ خَوْفًا مِنَ الْعَطَشِ إِلَى الْجُبَابَاتِ، فَتَبِعَتْهُمْ بَكْرٌ وَعِجْلٌ وَأَبْلَتْ يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا، وَاضْطَمَّتْ عَلَيْهِمْ جُنُودُ الْعَجَمِ، فَقَالَ النَّاسُ: هَلَكَتْ عِجْلٌ.
[ ١ / ٤٤٢ ]
ثُمَّ حَمَلَتْ بَكْرٌ فَوَجَدَتْ عِجْلًا تُقَاتِلُ، وَامْرَأَةً مِنْهُمْ تَقُولُ:
إِنْ يَظْفَرُوا يُحَرِّزُوا فِينَا الْغُرَلْ إِيهًا فِدَاءٌ لَكُمْ بَنِي عِجِلْ
فَقَاتَلُوهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَمَالَتِ الْعَجَمُ إِلَى بَطْحَاءِ ذِي قَارٍ خَوْفًا مِنَ الْعَطَشِ، فَأَرْسَلَتْ إِيَادٌ إِلَى بَكْرٍ، وَكَانُوا مَعَ الْفُرْسِ، وَقَالُوا لَهُمْ: إِنْ شِئْتُمْ هَرَبْنَا اللَّيْلَةَ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَقَمْنَا وَنَفِرُّ حِينَ تُلَاقُونَ النَّاسَ. فَقَالُوا: بَلْ تُقِيمُونَ وَتَنْهَزِمُونَ إِذَا الْتَقَيْنَا. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ حَسَّانَ السَّكُونِيُّ، وَكَانَ حَلِيفًا لَبَنِي شَيْبَانَ: أَطِيعُونِي وَاكْتُمُوا لَهُمْ فَفَعَلُوا، ثُمَّ قَاتَلُوا وَحَرَّضَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَالَتِ ابْنَةُ الْقَرِينِ الشَّيْبَانِيَّةُ:
وَيْهًا بَنِي شَيْبَانَ صَفًّا بَعْدَ صَفْ إِنْ تُهْزَمُوا يُصَبِّغُوا فِينَا الْقُلَفْ
فَقَطَعَ سَبْعُمِائَةٍ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ أَيْدِي أَقْبِيَتِهِمْ مِنْ مَنَاكِبِهِمْ لِتَخِفَّ أَيْدِيهِمْ لِضَرْبِ السُّيُوفِ، فَجَالَدُوهُمْ وَبَارَزَ الْهَامَرْزُ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ بُرْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْيَشْكُرِيُّ فَقَتَلَهُ بُرْدٌ، ثُمَّ حَمَلَتْ مَيْسَرَةُ بَكْرٍ وَمَيْمَنَتُهَا، وَخَرَجَ الْكَمِينُ فَشَدُّوا عَلَى قَلْبِ الْجَيْشِ وَفِيهِمْ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ، وَوَلَّتْ إِيَادٌ مُنْهَزِمَةً كَمَا وَعَدَتْهُمْ، فَانْهَزَمَتِ الْفُرْسُ وَاتَّبَعَتْهُمْ بَكْرٌ تَقْتُلُ وَلَا تَلْتَفِتُ إِلَى سَلَبٍ وَغَنِيمَةٍ. وَقَالَ الشُّعَرَاءُ فِي وَقْعَةِ ذِي قَارٍ فَأَكْثَرُوا.