هُوَ دَاوُدُ بْنُ إِيشَى بْنِ عَوِيدَ بْنِ بَاعَزَ بْنِ سَلْمُونَ بْنِ نَحْشُونَ بْنِ عَمِّيِّ نَوْذَبِ بْنِ رَامَ بْنِ حَصْرُونَ بْنِ فَارِضَ بْنِ يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، وَكَانَ قَصِيرًا أَزْرَقَ قَلِيلَ الشَّعَرِ.
فَلَمَّا قُتِلَ طَالُوتُ أَتَى بَنُو إِسْرَائِيلَ دَاوُدَ، فَأَعْطَوْهُ خَزَائِنَ طَالُوتَ وَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ دَاوُدَ مَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَ جَالُوتَ، وَسَبَبُ مُلْكِهِ حِينَئِذٍ أَنَّ اللَّهَ أَوْصَى إِلَى أَشْمُوِيلَ لِيَأْمُرَ طَالُوتَ بِغَزْوِ مَدْيَنَ وَقَتْلِ مَنْ بِهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا وَقَتَلَ مَنْ بِهَا إِلَّا مَلِكَهُمْ، فَإِنَّهُ أَخَذَهُ أَسِيرًا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَشْمُوِيلَ: قُلْ لِطَالُوتَ آمُرُكَ بِأَمْرٍ فَتَرَكْتَهُ! لَأَنْزِعَنَّ الْمُلْكَ مِنْكَ وَمِنْ بَنِيكَ ثُمَّ لَا يَعُودُ فِيكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَأَمَرَ أَشْمُوِيلَ بِتَمْلِيكِ دَاوُدَ، فَمَلَّكَهُ وَسَارَ إِلَى جَالُوتَ فَقَتَلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ١ / ١٩٤ ]
فَلَمَّا مَلَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَعَلَهُ اللَّهُ نَبِيًّا وَمَلِكًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الزَّبُورَ، وَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَهَا، وَأَلَانَ لَهُ الْحَدِيدَ، وَأَمَرَ الْجِبَالَ وَالطَّيْرَ يُسَبِّحُونَ مَعَهُ إِذَا سَبَّحَ، وَلَمْ يُعْطِ اللَّهُ أَحَدًا مِثْلَ صَوْتِهِ، كَانَ إِذَا قَرَأَ الزَّبُورَ تَدْنُو الْوُحُوشُ حَتَّى يَأْخُذَ بِأَعْنَاقِهَا وَإِنَّهَا لَمُصِيخَةٌ تَسْمَعُ صَوْتَهُ.
وَكَانَ شَدِيدَ الِاجْتِهَادِ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ وَالْبُكَاءِ، وَكَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ، وَكَانَ يَحْرُسُهُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ.
وَفِي مُلْكِهِ مُسِخَ أَهْلُ أَيْلَةَ قِرْدَةً، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ حِيتَانُ الْبَحْرِ كَثِيرًا، فَإِذَا كَانَ غَيْرُ يَوْمِ السَّبْتِ لَا يَجِيءُ إِلَيْهِمْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَعَمِلُوا عَلَى جَانِبِ الْبَحْرِ حِيَاضًا كَبِيرَةً، وَأَجْرَوْا إِلَيْهَا الْمَاءَ، فَإِذَا كَانَ آخِرُ نَهَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَتَحُوا الْمَاءَ إِلَى الْحِيَاضِ فَتَدْخُلُهَا الْحِيتَانُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ عَنْهَا، فَيَأْخُذُونَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ، فَنَهَاهُمْ بَعْضُ أَهْلِهَا فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً وَبَقُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهَلَكُوا.
ذِكْرُ فِتْنَتِهِ بِزَوْجَةِ أُورِيَّا
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُ بِزَوْجَةِ أُورِيَّا.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ قَسَّمَ زَمَانَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، يَوْمًا يَقْضِي فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَوْمًا يَخْلُو فِيهِ لِلْعِبَادَةِ، وَيَوْمًا يَخْلُو فِيهِ مَعَ نِسَائِهِ، وَكَانَ لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً، وَكَانَ يَحْسُدُ فَضْلَ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّي، أَرَى الْخَيْرَ قَدْ ذَهَبَ بِهِ آبَائِي فَأَعْطِنِي مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُمْ! فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّ آبَاءَكَ ابْتُلُوا بِبَلَاءٍ فَصَبَرُوا، ابْتُلِيَ إِبْرَاهِيمُ بِذَبْحِ ابْنِهِ، وَابْتُلِيَ إِسْحَاقُ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، وَابْتُلِيَ يَعْقُوبُ بِحُزْنِهِ عَلَى يُوسُفَ. فَقَالَ: رَبِّ ابْتَلِنِي بِمِثْلِ مَا ابْتَلَيْتَهُمْ، وَأَعْطِنِي بِمِثْلِ مَا أَعْطَيْتَهُمْ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّكَ مُبْتَلًى فَاحْتَرِسْ.
[ ١ / ١٩٥ ]
وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ الْبَلِيَّةِ أَنَّهُ حَدَّثَ نَفْسَهُ أَنَّهُ يُطِيقُ أَنْ يَقْطَعَ يَوْمًا بِغَيْرِ مُقَارَفَةِ سُوءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي يَخْلُو فِيهِ لِلْعِبَادَةِ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَقْطَعَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِغَيْرِ سُوءٍ وَأَغْلَقَ بَابَهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ، فَإِذَا هُوَ بِحَمَامَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا كُلُّ لَوْنٍ حَسَنٍ قَدْ وَقَعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَهْوَى لِيَأْخُذَهَا، فَطَارَتْ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَيْأَسَ مِنْ أَخْذِهَا، فَمَا زَالَ يَتْبَعُهَا وَهِيَ تَفِرُّ مِنْهُ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى امْرَأَةٍ تَغْتَسِلُ فَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَلَمَّا رَأَتْ ظِلَّهُ فِي الْأَرْضِ جَلَّلَتْ نَفْسَهَا بِشَعْرِهَا فَاسْتَتَرَتْ بِهِ، فَزَادَهُ ذَلِكَ رَغْبَةً، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَأُخْبِرَ أَنَّ زَوْجَهَا بِثَغْرِ كَذَا فَبَعَثَ إِلَى صَاحِبِ الثَّغْرِ بِأَنْ يُقَدِّمَ أُورِيَّا بَيْنَ يَدَيِ التَّابُوتِ فِي الْحَرْبِ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيِ التَّابُوتِ لَا يَنْهَزِمُ، إِمَّا أَنْ يَظْفَرَ أَوْ يُقْتَلَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِ فَقُتِلَ.
وَقِيلَ: إِنَّ دَاوُدَ لَمَّا نَظَرَ إِلَى الْمَرْأَةِ فَأَعْجَبَتْهُ سَأَلَ عَنْ زَوْجِهَا، فَقِيلَ: إِنَّهُ فِي جَيْشِ كَذَا، فَكَتَبَ إِلَى صَاحِبِ الْجَيْشِ أَنْ يَبْعَثَهُ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى عَدُوِّ كَذَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَى دَاوُدَ فَأَمَرَ دَاوُدُ أَنْ يُرْسَلَ أَيْضًا إِلَى عَدُوِّ كَذَا أَشَدَّ مِنْهُ، فَفَعَلَ، فَظَفِرَ، فَأَمَرَ دَاوُدُ أَنْ يُرْسَلَ إِلَى عَدُوٍّ ثَالِثٍ، فَفَعَلَ، فَقُتِلَ أُورِيَّا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، فَلَمَّا قُتِلَ تَزَوَّجَ دَاوُدُ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ أُمُّ سُلَيْمَانَ فِي قَوْلِ قَتَادَةَ.
وَقِيلَ: إِنَّ خَطِيئَةَ دَاوُدَ كَانَتْ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ حُسْنُ امْرَأَةِ أُورِيَّا تَمَنَّى أَنْ تَكُونَ لَهُ حَلَالًا، فَاتَّفَقَ أَنَّ أُورِيَّا سَارَ إِلَى الْجِهَادِ فَقُتِلَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ مِنَ الْهَمِّ مَا وَجَدَهُ لِغَيْرِهِ، فَبَيْنَمَا دَاوُدُ فِي الْمِحْرَابِ يَوْمَ عِبَادَتِهِ وَقَدْ أَغْلَقَ الْبَابَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ مَلَكَانِ أَرْسَلَهُمَا اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْبَابِ، فَرَاعَهُ ذَلِكَ فَقَالَا: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ - إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٢ - ٢٣]، أَيْ قَهَرَنِي، وَأَخَذَ نَعْجَتِي، فَقَالَ لِلْآخَرِ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: صَدَقَ، إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُكْمِلَ نِعَاجِي مِائَةً فَأَخَذْتُ نَعْجَتَهُ. فَقَالَ دَاوُدُ: إِذًا لَا نَدَعُكَ
[ ١ / ١٩٦ ]
وَذَاكَ، فَقَالَ الْمَلَكُ: مَا أَنْتَ بِقَادِرٍ عَلَيْهِ. قَالَ دَاوُدُ: فَإِنْ لَمْ تَرُدَّ عَلَيْهِ مَالَهُ ضَرَبْنَا مِنْكَ هَذَا وَهَذَا، وَأَوْمَأَ إِلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ. قَالَ: يَا دَاوُدُ أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يُضْرَبَ مِنْكَ هَذَا وَهَذَا حَيْثُ لَكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً وَلَمْ يَكُنْ لَأُورِيَّا إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى قُتِلَ وَتَزَوَّجْتَ امْرَأَتَهُ. ثُمَّ غَابَا عَنْهُ.
فَعَرَفَ مَا ابْتُلِيَ بِهِ وَمَا وَقَعَ فِيهِ، فَخَرَّ سَاجِدًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَأَدَامَ الْبُكَاءَ حَتَّى نَبَتَ مِنْ دُمُوعِهِ عُشْبٌ غَطَّى رَأْسَهُ، ثُمَّ نَادَى: يَا رَبِّ، قَرُحَ الْجَبِينُ، وَجَمُدَتِ الْعَيْنُ، وَدَاوُدُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ فِي خَطِيئَتِهِ بِشَيْءٍ. فَنُودِيَ: أَجَائِعٌ فَتُطْعَمَ، أَمْ مَرِيضٌ فَتُشْفَى، أَمْ مَظْلُومٌ فَتُنْصَرَ؟ قَالَ: فَنَحِبَ نَحْبَةً هَاجَ مَا نَبَتَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ، وَأَوْحَى إِلَيْهِ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ غَفَرْتَ لِي؟ وَأَنْتَ حَكَمٌ عَدْلٌ لَا تَحِيفُ فِي الْقَضَاءِ إِذَا جَاءَ أُورِيَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخِذًا رَأْسَهُ بِيَمِينِهِ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا قِبَلَ عَرْشِكَ يَقُولُ: يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ دَعَوْتُهُ وَأَسْتَوْهِبُكَ مِنْهُ فَيَهَبُكَ لِي فَأَهَبُهُ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ. قَالَ: يَا رَبِّ الْآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ قَدْ غَفَرْتَ لِي.
قَالَ: فَمَا اسْتَطَاعَ دَاوُدُ بَعْدَهَا أَنْ يَمْلَأَ عَيْنَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ حَيَاءً مِنْ رَبِّهِ حَتَّى قُبِضَ. وَنَقَشَ خَطِيئَتَهُ فِي يَدِهِ، فَكَانَ إِذَا رَآهَا اضْطَرَبَتْ يَدُهُ، وَكَانَ يُؤْتَى بِالشَّرَابِ لِيَشْرَبَهُ فَكَانَ يَشْرَبُ نِصْفَهُ أَوْ ثُلُثَيْهِ فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ فَيَنْتَحِبُ حَتَّى تَكَادَ مَفَاصِلُهُ يَزُولُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ يَمْلَأُ الْإِنَاءَ مِنْ دُمُوعِهِ. وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّ دَمْعَةَ دَاوُدَ تَعْدِلُ دُمُوعَ الْخَلَائِقِ، وَهُوَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَخَطِيئَتُهُ مَكْتُوبَةٌ فِي كَفِّهِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، ذَنْبِي قَدِّمْنِي، فَيُقَدَّمُ، فَلَا يَأْمَنُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَخِّرْنِي، فَلَا يَأْمَنُ.
وَأَزَالَتِ الْخَطِيئَةُ طَاعَةَ دَاوُدَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاسْتَخَفُّوا بِأَمْرِهِ، وَوَثَبَ عَلَيْهِ ابْنٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ إِيشَى، وَأُمُّهُ ابْنَةُ طَالُوتَ فَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، فَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَى دَاوُدَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ فَحَارَبَ ابْنَهُ حَتَّى هَزَمَهُ
[ ١ / ١٩٧ ]
وَوَجَّهَ إِلَيْهِ بَعْضَ قُوَّادِهِ وَأَمَرَهُ بِالرِّفْقِ بِهِ وَالتَّلَطُّفِ لَعَلَّهُ يَأْسِرُهُ وَلَا يَقْتُلُهُ، وَطَلَبَهُ الْقَائِدُ وَهُوَ مُنْهَزِمٌ فَاضْطَرَّهُ إِلَى شَجَرَةٍ فَقَتَلَهُ، فَحَزِنَ عَلَيْهِ دَاوُدُ حُزْنًا شَدِيدًا وَتَنَكَّرَ لِذَلِكَ الْقَائِدِ.
ذِكْرُ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَوَفَاةِ دَاوُدَ، ﵇
قِيلَ: أَصَابَ النَّاسَ فِي زَمَانِ دَاوُدَ طَاعُونٌ جَارِفٌ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى مَوْضِعِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ يَرَى الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ مِنْهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلِهَذَا قَصَدَهُ لِيَدْعُوَ فِيهِ، فَلَمَّا وَقَفَ مَوْضِعَ الصَّخْرَةِ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى فِي كَشْفِ الطَّاعُونِ عَنْهُمْ، فَاسْتَجَابَ لَهُ وَرُفِعَ الطَّاعُونُ، فَاتَّخَذُوا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مَسْجِدًا، وَكَانَ الشُّرُوعُ فِي بِنَائِهِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِهِ، وَتُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ بِنَاءَهُ، وَأَوْصَى إِلَى سُلَيْمَانَ بِإِتْمَامِهِ وَقَتْلِ الْقَائِدِ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ إِيشَى بْنَ دَاوُدَ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ دَاوُدُ، وَدَفَنَهُ سُلَيْمَانُ، تَقَدَّمَ بِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ، فَقَتَلَ الْقَائِدَ، وَاسْتَتَمَّ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ، بَنَاهُ بِالرُّخَامِ، وَزَخْرَفَهُ بِالذَّهَبِ، وَرَصَّعَهُ بِالْجَوَاهِرِ، وَقَوِيَ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعِهِ بِالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، فَلَمَّا فَرَغَ اتَّخَذَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا عَظِيمًا، وَقَرَّبَ قُرْبَانًا، فَتَقَبَّلَهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَكَانَ ابْتِدَاؤُهُ أَوَّلًا بِبِنَاءِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا ابْتَدَأَ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي صِفَةِ الْبِنَاءِ مِمَّا يُسْتَبْعَدُ وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ دَاوُدُ أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَهُ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّ هَذَا بَيْتٌ مُقَدَّسٌ وَإِنَّكَ قَدْ صَبَغْتَ يَدَكَ فِي الدِّمَاءِ فَلَسْتَ بِبَانِيهِ، وَلَكِنَّ ابْنَكَ سُلَيْمَانَ يَبْنِيهِ لِسَلَامَتِهِ مِنَ الدِّمَاءِ. فَلَمَّا مَلَكَ سُلَيْمَانُ بَنَاهُ.
ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ تُوُفِّيَ وَكَانَ لَهُ جَارِيَةٌ تُغْلِقُ الْأَبْوَابَ كُلَّ لَيْلَةٍ وَتَأْتِيهِ بِالْمَفَاتِيحِ فَيَقُومُ إِلَى عِبَادَتِهِ، فَأَغْلَقَتْهَا لَيْلَةً فَرَأَتْ فِي الدَّارِ رَجُلًا فَقَالَتْ: مَنْ أَدْخَلَكَ الدَّارَ؟ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَدْخُلُ عَلَى الْمُلُوكِ بِغَيْرِ إِذْنٍ. فَسَمِعَ دَاوُدُ قَوْلَهُ فَقَالَ: أَنْتَ مَلَكُ الْمَوْتِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ لِأَسْتَعِدَّ لِلْمَوْتِ؟ قَالَ: قَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ كَثِيرًا. قَالَ: مَنْ كَانَ رَسُولَكَ؟ قَالَ: أَيْنَ أَبُوكَ، وَأَخُوكَ، وَجَارُكَ، وَمَعَارِفُكَ؟ قَالَ: مَاتُوا. قَالَ: فَهُمْ كَانُوا رُسُلِي إِلَيْكَ لِأَنَّكَ تَمُوتُ كَمَا مَاتُوا! ثُمَّ قَبَضَهُ. فَلَمَّا مَاتَ وَرِثَ سُلَيْمَانُ مُلْكَهُ وَعِلْمَهُ وَنُبُوَّتَهُ.
[ ١ / ١٩٨ ]
وَكَانَ لَهُ تِسْعَةَ عَشَرَ وَلَدًا، فَوَرِثَهُ سُلَيْمَانُ دُونَهُمْ. وَكَانَ عُمُرُ دَاوُدَ لَمَّا تُوُفِّيَ مِائَةَ سَنَةٍ، صَحَّ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
[ ١ / ١٩٩ ]