لَمَّا تُوُفِّيَ دَاوُدُ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ سُلَيْمَانُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ ابْنَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَآتَاهُ اللَّهُ مَعَ الْمُلْكِ النُّبُوَّةَ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ وَسَخَّرَ لَهُ الْإِنْسَ، وَالْجِنَّ، وَالشَّيَاطِينَ، وَالطَّيْرَ، وَالرِّيحَ، فَكَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى مَجْلِسِهِ عَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ وَقَامَ لَهُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ حَتَّى يَجْلِسَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا سَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ، وَالْجِنَّ، وَالشَّيَاطِينَ، وَالطَّيْرَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ زَالَ مُلْكُهُ، وَأَعَادَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَيْهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
وَكَانَ أَبْيَضَ جَسِيمًا كَثِيرَ الشَّعَرِ يَلْبَسُ الْبَيَاضَ، وَكَانَ أَبُوهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي حَيَاتِهِ وَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَصَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، الْآيَةَ. وَكَانَ خَبَرُهُ: أَنَّ غَنَمًا دَخَلَتْ كَرْمًا فَأَكَلَتْ عَنَاقِيدَهُ وَأَفْسَدَتْهُ، فَقَضَى دَاوُدُ بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْكَرْمِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ: أَنْ تُسَلِّمَ الْكَرْمَ إِلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ فَيَقُومَ
[ ١ / ٢٠٠ ]
عَلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ وَتَدْفَعَ الْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِ الْكَرْمِ فَيُصِيبَ مِنْهَا إِلَى أَنْ يَعُودَ كَرْمُهُ إِلَى حَالِهِ، ثُمَّ يَأْخُذَ كَرْمَهُ، وَيَدْفَعَ الْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِهَا. فَأَمْضَى دَاوُدُ قَوْلَهُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] .
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْأَحْكَامِ الْفُرُوعِيَّةِ مُصِيبٌ، فَإِنَّ دَاوُدَ أَخْطَأَ الْحُكْمَ الصَّحِيحَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَصَابَهُ سُلَيْمَانُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] . وَكَانَ سُلَيْمَانُ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْغَزْوِ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْغَزْوَ أَمَرَ بِعَمَلِ بِسَاطٍ مِنْ خَشَبٍ يَسَعُ عَسْكَرَهُ وَيَرْكَبُونَ عَلَيْهِ هُمْ وَدَوَابُّهُمْ وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ الرِّيحَ فَحَمَلَتْهُ فَسَارَتْ فِي غَدْوَتِهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَفِي رَوْحَتِهِ كَذَلِكَ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثُمِائَةِ زَوْجَةٍ وَسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، وَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرًا أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ بِشَيْءٍ إِلَّا حَمَلَتْهُ الرِّيحُ إِلَيْهِ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ.
ذِكْرُ مَا جَرَى لَهُ مَعَ بِلْقِيسَ
نَذْكُرُ أَوَّلًا مَا قِيلَ فِي نَسَبِهَا وَمُلْكِهَا، ثُمَّ مَا جَرَى لَهُ مَعَهَا، فَنَقُولُ قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْمِ آبَائِهَا، فَقِيلَ: إِنَّهَا هِيَ بِلْقَمَةُ ابْنَةُ لَيْشَرَحَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ سَبَإِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ، وَقِيلَ: هِيَ بِلْقَمَةُ ابْنَةُ هَادَدَ، وَاسْمُهُ لَيْشَرَحَ بْنُ تُبَّعٍ ذِي الْأَذْعَارِ بْنِ تُبَّعٍ ذِي الْمَنَارِ بْنِ تُبَّعٍ الرَّايِشِ، وَقِيلَ فِي نَسَبِهَا غَيْرُ ذَلِكَ لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ.
[ ١ / ٢٠١ ]
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّبَابِعَةِ وَتَقْدِيمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَزِيَادَةٍ فِي عَدَدِهِمْ وَنُقْصَانٍ، اخْتِلَافًا لَا يَحْصُلُ النَّاظِرُ فِيهِ عَلَى طَائِلٍ، وَكَذَا أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِي نَسَبِهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الرُّوَاةِ: إِنَّ أُمَّهَا جِنِّيَّةٌ ابْنَةُ مَلِكِ الْجِنِّ وَاسْمُهَا رَوَاحَةُ بَنَتُ السَّكَنِ. وَقِيلَ: اسْمُ أُمِّهَا يَلْقَمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الْجِنِّيِّ، وَإِنَّمَا نَكَحَ أَبُوهَا إِلَى الْجِنِّ لِأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْإِنْسِ لِي كُفُوَةٌ، فَخَطَبَ إِلَى الْجِنِّ فَزَوَّجُوهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ وُصُولِهِ إِلَى الْجِنِّ حَتَّى خَطَبَ إِلَيْهِمْ فَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ لَهِجًا بِالصَّيْدِ، فَرُبَّمَا اصْطَادَ الْجِنَّ عَلَى صُوَرِ الظِّبَاءِ فَيُخَلِّي عَنْهُنَّ فَظَهَرَ لَهُ مَلَكُ الْجِنِّ وَشَكَرَهُ عَلَى ذَلِكَ وَاتَّخَذَهُ صَدِيقًا، فَخَطَبَ ابْنَتَهُ، فَأَنْكَحَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ سَاحِلَ الْبَحْرِ مَا بَيْنَ يَبْرِينَ إِلَى عَدَنَ، وَقِيلَ: إِنَّ أَبَاهَا خَرَجَ يَوْمًا مُتَصَيِّدًا فَرَأَى حَيَّتَيْنِ تَقْتَتِلَانِ بَيْضَاءَ وَسَوْدَاءَ وَقَدْ ظَهَرَتِ السَّوْدَاءُ عَلَى الْبَيْضَاءِ فَأَمَرَ بِقَتْلِ السَّوْدَاءِ، وَحَمَلَ الْبَيْضَاءَ وَصَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَأَفَاقَتْ، فَأَطْلَقَهَا وَعَادَ إِلَى دَارِهِ وَجَلَسَ مُنْفَرِدًا، وَإِذَا مَعَهُ شَابٌّ جَمِيلٌ، فَذُعِرَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَخَفْ أَنَا الْحَيَّةُ الَّتِي أَنْجَيْتَنِي، وَالْأَسْوَدُ الَّذِي قَتَلْتَهُ غُلَامٌ لَنَا تَمَرَّدَ عَلَيْنَا وَقَتَلَ عِدَّةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمَالَ وَعِلْمَ الطِّبِّ، فَقَالَ: أَمَّا الْمَالُ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهِ، وَأَمَّا الطِّبُّ فَهُوَ قَبِيحٌ بِالْمَلِكِ، وَلَكِنْ إِنْ كَانَ لَكَ بِنْتٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَزَوَّجَهُ عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا يُغَيِّرَ عَلَيْهَا شَيْئًا تَعْمَلُهُ وَمَتَى غَيَّرَ عَلَيْهَا فَارَقَتْهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا فَأَلْقَتْهُ فِي النَّارِ فَجَزَعَ لِذَلِكَ وَسَكَتَ لِلشَّرْطِ، ثُمَّ حَمَلَتْ مِنْهُ فَوَلَدَتْ جَارِيَةً فَأَلْقَتْهَا إِلَى كَلْبَةٍ فَأَخَذَتْهَا، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَصَبَرَ لِلشَّرْطِ، ثُمَّ إِنَّهُ عَصَى عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَجَمَعَ عَسْكَرَهُ فَسَارَ إِلَيْهِ لِيُقَاتِلَهُ وَهِيَ مَعَهُ، فَانْتَهَى إِلَى مَفَازَةٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطَهَا
[ ١ / ٢٠٢ ]
رَأَى جَمِيعَ مَا مَعَهُمْ مِنَ الزَّادِ يُخْلَطُ بِالتُّرَابِ، وَإِذَا الْمَاءُ يُصَبُّ مِنَ الْقِرَبِ وَالْمَزَاوِدِ. فَأَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ وَعَلِمُوا أَنَّهُ مِنْ فِعَالِ الْجِنِّ عَنْ أَمْرِ زَوْجَتِهِ فَضَاقَ ذَرْعًا عَنْ حَمْلِ ذَلِكَ، فَأَتَاهَا وَجَلَسَ وَأَوْمَأَ إِلَى الْأَرْضِ وَقَالَ: يَا أَرْضُ، صَبَرْتُ لَكِ عَلَى إِحْرَاقِ ابْنِي وَإِطْعَامِ الْكَلْبَةِ ابْنَتِي، ثُمَّ أَنْتِ الْآنَ قَدْ فَجَعْتِنَا بِالزَّادِ وَالْمَاءِ وَقَدْ أَشْرَفْنَا عَلَى الْهَلَاكِ!
فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَوْ صَبَرْتَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ، وَسَأُخْبِرُكَ: إِنَّ عَدُوَّكَ خَدَعَ وَزِيرَكَ فَجَعَلَ السُّمَّ فِي الْأَزْوَادِ وَالْمِيَاهِ لِيَقْتُلَكَ وَأَصْحَابَكَ، فَمُرْ وَزِيرَكَ لِيَشْرَبَ مِنَ الْمَاءِ وَيَأْكُلَ مِنَ الزَّادِ، فَأَمَرَهُ فَامْتَنَعَ، فَقَتَلَهُ، وَدَلَّتْهُمْ عَلَى الْمَاءِ وَالْمِيرَةِ مِنْ قَرِيبٍ وَقَالَتْ: أَمَّا ابْنُكَ فَدَفَعْتُهُ إِلَى حَاضِنَةٍ تُرَبِّيهِ وَقَدْ مَاتَ، وَأَمَّا ابْنَتُكَ فَهِيَ بَاقِيَةٌ، وَإِذَا بِجُوَيْرِيَةٍ قَدْ خَرَجَتْ مِنَ الْأَرْضِ، وَهِيَ بِلْقِيسُ، وَفَارَقَتْهُ امْرَأَتُهُ وَسَارَ إِلَى عَدُوِّهِ فَظَفِرَ بِهِ.
وَقِيلَ فِي سَبَبِ نِكَاحِهِ إِلَيْهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْجَمِيعُ حَدِيثُ خُرَافَةٍ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا حَقِيقَةَ.
وَأَمَّا مُلْكُهَا الْيَمَنَ فَقِيلَ: إِنَّ أَبَاهَا فَوَّضَ إِلَيْهَا الْمُلْكَ فَمَلَكَتْ بَعْدَهُ، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ بِالْمُلْكِ لِأَحَدٍ فَأَقَامَ النَّاسُ ابْنَ أَخٍ لَهُ، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا فَاسِقًا لَا يَبْلُغُهُ عَنْ بِنْتِ قَيْلٍ وَلَا مَلِكٍ ذَاتِ جَمَالٍ إِلَّا أَحْضَرَهَا وَفَضَحَهَا، حَتَّى انْتَهَى إِلَى بِلْقِيسَ بِنْتِ عَمِّهِ، فَأَرَادَ ذَلِكَ مِنْهَا فَوَعَدَتْهُ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهَا إِلَى قَصْرِهَا وَأَعَدَّتْ لَهُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَقَارِبِهَا وَأَمَرَتْهُمَا بِقَتْلِهِ إِذَا دَخَلَ إِلَيْهَا وَانْفَرَدَ بِهَا، فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهَا وَثَبَا عَلَيْهِ فَقَتَلَاهُ. فَلَمَّا قُتِلَ أَحْضَرَتْ وُزَرَاءَهُ فَقَرَّعَتْهُمْ، فَقَالَتْ: أَمَا كَانَ فِيكُمْ مَنْ يَأْنَفُ لِكَرِيمَتِهِ، وَكَرَائِمِ عَشِيرَتِهِ! ثُمَّ أَرَتْهُمْ إِيَّاهُ قَتِيلًا، وَقَالَتِ: اخْتَارُوا رَجُلًا تُمَلِّكُونَهُ. فَقَالُوا: لَا نَرْضَى بِغَيْرِكِ، فَمَلَّكُوهَا.
وَقِيلَ: إِنَّ أَبَاهَا لَمْ يَكُنْ مَلِكًا، وَإِنَّمَا كَانَ وَزِيرَ الْمَلِكِ، وَكَانَ الْمَلِكُ خَبِيثًا، قَبِيحَ السِّيرَةِ يَأْخُذُ بَنَاتِ الْأَقْيَالِ، وَالْأَعْيَانِ، وَالْأَشْرَافِ، وَإِنَّهَا قَتَلَتْهُ، فَمَلَّكَهَا النَّاسُ عَلَيْهِمْ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا عَظَّمُوا مُلْكَهَا وَكَثْرَةِ جُنْدِهَا فَقِيلَ: كَانَ تَحْتَ يَدِهَا أَرْبَعُمِائَةِ مَلِكٍ، كُلُّ مَلِكٍ مِنْهُمْ عَلَى كُورَةٍ، مَعَ كُلِّ مَلِكٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَكَانَ لَهَا ثَلَاثُمِائَةِ وَزِيرٍ يَتَدَبَّرُونَ مُلْكَهَا، وَكَانَ لَهَا اثْنَا عَشَرَ قَائِدًا يَقُودُ كُلُّ قَائِدٍ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وَبَالَغَ آخَرُونَ مُبَالَغَةً تَدُلُّ عَلَى سُخْفِ عُقُولِهِمْ وَجَهْلِهِمْ، قَالُوا: كَانَ لَهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَيْلٍ، تَحْتَ يَدِ كُلِّ قَيْلٍ مِائَةُ أَلْفٍ مُقَاتِلٍ، مَعَ كُلِّ مُقَاتِلٍ سَبْعُونَ أَلْفَ جَيْشٍ، فِي كُلِّ جَيْشٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مُبَارِزٍ، لَيْسَ فِيهِمْ إِلَّا أَبْنَاءُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ رَاوِي هَذَا الْكَذِبِ الْفَاحِشِ عَرَفَ الْحِسَابَ حَتَّى يَعْلَمَ مِقْدَارَ جَهْلِهِ، وَلَوْ عَرَفَ مَبْلَغَ الْعَدَدِ لَأَقْصَرَ عَنْ إِقْدَامِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ السَّخِيفِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ لَا يَبْلُغُونَ جَمِيعُهُمْ، شَبَابُهُمْ وَشُيُوخُهُمْ، وَصِبْيَانُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ هَذَا الْعَدَدَ، فَكَيْفَ أَنْ يَكُونُوا أَبْنَاءَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً! فَيَا لَيْتَ شِعْرِي كَمْ يَكُونُ غَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَسْنَانِهِمْ، وَكَمْ تَكُونُ الرَّعِيَّةُ وَأَرْبَابُ الْحِرَفِ وَالْفِلَاحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْجُنْدُ بَعْضُ أَهْلِ الْبِلَادِ، وَإِنْ كَانَ الْحَاصِلُ مِنَ الْيَمَنِ قَدْ قَلَّ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّ رُقْعَةَ أَرْضِهِ لَمْ تَصْغُرْ، وَهِيَ لَا تَسَعُ هَذَا الْعَدَدَ قِيَامًا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى جَانِبِ الْآخَرِ.
ثُمَّ إِنَّهُمْ قَالُوا: أَنْفَقَتْ عَلَى كُوَّةِ بَيْتِهَا الَّتِي تَدْخُلُ الشَّمْسُ مِنْهَا فَتَسْجُدُ لَهَا ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ أُوقِيَّةٍ مِنَ الذَّهَبِ، وَقَالُوا غَيْرَ ذَلِكَ، وَذَكَرُوا مِنْ أَمْرِ عَرْشِهَا مَا يُنَاسِبُ كَثْرَةَ جَيْشِهَا، فَلَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهِ. وَقَدْ تَوَاطَئُوا عَلَى الْكَذِبِ وَالتَّلَاعُبِ بِعُقُولِ الْجُهَّالِ وَاسْتَهَانُوا بِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ اسْتِجْهَالِ الْعُقَلَاءِ لَهُمْ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا عَلَى قُبْحِهِ لِيَقِفَ بَعْضُ مَنْ كَانَ يُصَدِّقُ بِهِ عَلَيْهِ فَيَنْتَهِيَ إِلَى الْحَقِّ.
وَأَمَّا سَبَبُ مَجِيئِهَا إِلَى سُلَيْمَانَ وَإِسْلَامِهَا فَإِنَّهُ طَلَبَ الْهُدْهُدَ فَلَمْ يَرَهُ، وَإِنَّمَا طَلَبَهُ لِأَنَّ الْهُدْهُدَ يَرَى الْمَاءَ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ فَيَعْلَمُ هَلْ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ مَاءٌ أَمْ لَا، وَهَلْ هُوَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ، فَبَيْنَمَا سُلَيْمَانُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ احْتَاجَ إِلَى الْمَاءِ فَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ مِمَّنْ مَعَهُ بُعْدَهُ، فَطَلَبَ الْهُدْهُدَ لِيَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَهُ. وَقِيلَ: بَلْ نَزَلَتِ الشَّمْسُ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَنَظَرَ لِيَرَى مِنْ أَيْنَ نَزَلَتْ لِأَنَّ الطَّيْرَ كَانَتْ تُظِلُّهُ، فَرَأَى مَوْضِعَ الْهُدْهُدِ فَارِغًا، فَقَالَ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] .
[ ١ / ٢٠٤ ]
وَكَانَ الْهُدْهُدُ قَدْ مَرَّ عَلَى قَصْرِ بِلْقِيسَ فَرَأَى بُسْتَانًا لَهَا خَلْفَ قَصْرِهَا، فَمَالَ إِلَى الْخُضْرَةِ، فَرَأَى فِيهِ هُدْهُدًا فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ عَنْ سُلَيْمَانَ وَمَا تَصْنَعُ هَهُنَا؟ فَقَالَ لَهُ: وَمَنْ سُلَيْمَانُ؟ فَذَكَرَ لَهُ حَالَهُ وَمَا سُخِّرَ لَهُ مِنَ الطَّيْرِ وَغَيْرِهِ، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ هُدْهُدُ سُلَيْمَانَ: وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَثْرَةَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ تَمْلِكُهُمُ امْرَأَةٌ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] . وَجَعَلُوا الشُّكْرَ لِلَّهِ أَنْ سَجَدُوا لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِهِ، وَكَانَ عَرْشُهَا سَرِيرًا مِنْ ذَهَبٍ، مُكَلَّلٌ بِالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ مِنَ الْيَوَاقِيتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ.
ثُمَّ إِنَّ الْهُدْهُدَ عَادَ إِلَى سُلَيْمَانَ فَأَخْبَرَهُ بِعُذْرِهِ فِي تَأْخِيرِهِ، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهَا، فَوَافَاهَا وَهِيَ فِي قَصْرِهَا فَأَلْقَاهُ فِي حِجْرِهَا، فَأَخَذَتْهُ وَقَرَأَتْهُ، وَأَحْضَرَتْ قَوْمَهَا وَقَالَتْ: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ - إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ - يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ [النمل: ٢٩ - ٣٢] . . . . ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢]
﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣] قَالَتْ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَإِنْ قَبِلَهَا فَهُوَ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا فَنَحْنُ أَعَزُّ مِنْهُ وَأَقْوَى، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا فَهُوَ نَبِيٌّ مِنَ اللَّهِ.
فَلَمَّا جَاءَتِ الْهَدِيَّةُ إِلَى سُلَيْمَانَ قَالَ لِلرُّسُلِ: ﴿أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ [النمل: ٣٦]- إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧]، فَلَمَّا رَجَعَ الرُّسُلُ إِلَيْهَا سَارَتْ إِلَيْهِ وَأَخَذَتْ مَعَهَا الْأَقْيَالَ مِنْ قَوْمِهَا، وَهُمُ الْقُوَّادُ، وَقَدِمَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَارَبَتْهُ وَصَارَتْ مِنْهُ عَلَى نَحْوِ فَرْسَخٍ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ - قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٨ - ٣٩]،
[ ١ / ٢٠٥ ]
يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تَقُومَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَقْصِدُ فِيهِ بَيْتَكَ لِلْغَدَاءِ. قَالَ سُلَيْمَانُ: أُرِيدُ أَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ. فَـ ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠]- وَهُوَ آصَفُ بْنُ بَرْخِيَا، وَكَانَ يَعْرِفُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ - ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠]، وَقَالَ لَهُ انْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ وَأَدِمِ النَّظَرَ فَلَا تَرُدَّ طَرْفَكَ حَتَّى أُحْضِرَهُ عِنْدَكَ. وَسَجَدَ وَدَعَا، فَرَأَى سُلَيْمَانُ الْعَرْشَ قَدْ نَبَعَ مِنْ تَحْتِ سَرِيرِهِ، فَقَالَ: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾ [النمل: ٤٠] إِذْ أَتَانِي بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيَّ طَرْفِي ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] إِذْ جَعَلَ تَحْتَ يَدِي مَنْ هُوَ أَقْدَرُ مِنِّي عَلَى إِحْضَارِهِ.
فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] وَلَقَدْ تَرَكْتُهُ فِي حُصُونٍ وَعِنْدَهُ جُنُودٌ تَحْفَظُهُ فَكَيْفَ جَاءَ إِلَى هَهُنَا؟
فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِلشَّيَاطِينِ: ابْنُوا لِي صَرْحًا تَدْخُلُ عَلَيَّ فِيهِ بِلْقِيسُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ سُخِّرَ لَهُ مَا سُخِّرَ وَبِلْقِيسُ مَلِكَةُ سَبَإٍ يَنْكِحُهَا فَتَلِدُ غُلَامًا فَلَا نَنْفَكُّ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ أَبَدًا، وَكَانَتِ امْرَأَةً شَعْرَاءَ السَّاقَيْنِ، فَقَالَ لِلشَّيَاطِينِ: ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا يُرَى ذَلِكَ مِنْهَا فَلَا يَتَزَوَّجُهَا، فَبَنَوْا لَهُ صَرْحًا مِنْ قَوَارِيرَ خُضْرٍ وَجَعَلُوا لَهُ طَوَابِيقَ مِنْ قَوَارِيرَ بِيضٍ، فَبَقِيَ كَأَنَّهُ الْمَاءُ، وَجَعَلُوا تَحْتَ الطَّوَابِيقِ صُوَرَ دَوَابِّ الْبَحْرِ مِنَ السَّمَكِ وَغَيْرِهِ، وَقَعَدَ سُلَيْمَانُ عَلَى كُرْسِيٍّ، ثُمَّ أَمَرَ فَأُدْخِلَتْ بِلْقِيسُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَدْخُلَهُ وَرَأَتْ صُوَرَ السَّمَكِ وَدَوَابَّ الْمَاءِ حَسِبَتْهُ لُجَّةَ مَاءٍ فَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا لِتَدْخُلَ، فَلَمَّا رَآهَا سُلَيْمَانُ صَرَفَ نَظَرَهُ عَنْهَا وَقَالَ ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] .
فَاسْتَشَارَ سُلَيْمَانُ فِي شَيْءٍ يُزِيلُ الشَّعَرَ وَلَا يَضُرُّ الْجَسَدَ، فَعَمِلَ لَهُ الشَّيَاطِينُ النُّورَةَ، فَهِيَ أَوَّلُ مَا عَمِلَتِ النُّورَةَ،
[ ١ / ٢٠٦ ]
وَنَكَحَهَا سُلَيْمَانُ وَأَحَبَّهَا حُبًّا شَدِيدًا وَرَدَّهَا إِلَى مُلْكِهَا بِالْيَمَنِ، فَكَانَ يَزُورُهَا كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً يُقِيمُ عِنْدَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَنْكِحَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهَا فَامْتَنَعَتْ وَأَنِفَتْ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَكُونُ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا ذَلِكَ. فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَزَوِّجْنِي ذَا تُبَّعٍ مَلِكَ هَمْدَانَ، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى الْيَمَنِ، وَسَلَّطَ زَوْجَهَا ذَا تُبَّعٍ عَلَى الْمُلْكِ، وَأَمَرَ الْجِنَّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ بِطَاعَتِهِ، فَاسْتَعْمَلَهُمْ ذُو تُبَّعٍ، فَعَمِلُوا لَهُ عِدَّةَ حُصُونٍ بِالْيَمَنِ، مِنْهَا سَلَحِينُ، وَمَرَاوِحُ، وَفِلْيُونُ، وَهُنَيْدَةُ، وَغَيْرُهَا، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ لَمْ يُطِيعُوا ذَا تُبَّعٍ وَانْقَضَى مُلْكُ ذِي تُبَّعٍ، وَمُلْكُ بِلْقِيسَ مَعَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ.
وَقِيلَ: إِنَّ بِلْقِيسَ مَاتَتْ قَبْلَ سُلَيْمَانَ بِالشَّامِ وَإِنَّهُ دَفَنَهَا بِتَدْمُرَ، وَأَخْفَى قَبْرَهَا.
ذِكْرُ غَزْوَتِهِ أَبَا زَوْجَتِهِ جَرَادَةَ وَنِكَاحِهَا، وَعِبَادَةِ الصَّنَمِ فِي دَارِهِ، وَأَخْذِ خَاتَمِهِ، وَعَوْدِهِ إِلَيْهِ
قِيلَ: سَمِعَ سُلَيْمَانُ بِمَلِكٍ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ وَشِدَّةِ مُلْكِهِ، وَعِظَمِ شَأْنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إِلَيْهِ سَبِيلٌ، فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ إِلَى تِلْكَ الْجَزِيرَةِ وَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى نَزَلَ بِجُنُودِهِ بِهَا فَقَتَلَ مَلِكَهَا وَغَنِمَ مَا فِيهَا وَغَنِمَ بِنْتًا لِلْمَلِكِ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهَا حُسْنًا وَجَمَالًا فَاصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ وَدَعَاهَا لِلْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَتْ عَلَى قِلَّةِ رَغْبَةٍ فِيهِ، وَأَحَبَّهَا حُبًّا شَدِيدًا، وَكَانَتْ لَا يَذْهَبُ حُزْنُهَا وَلَا تَزَالُ تَبْكِي، فَقَالَ لَهَا: وَيْحَكِ مَا هَذَا الْحُزْنُ، وَالدَّمْعُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ؟ قَالَتْ: إِنِّي أَذْكُرُ أَبِي وَمُلْكَهُ وَمَا أَصَابَهُ فَيُحْزِنُنِي ذَلِكَ. قَالَ: فَقَدْ أَبْدَلَكِ اللَّهُ مُلْكًا خَيْرًا مِنْ مُلْكِهِ وَهَدَاكِ إِلَى الْإِسْلَامِ. قَالَتْ: إِنَّهُ كَذَلِكَ وَلَكِنِّي إِذَا ذَكَرْتُهُ أَصَابَنِي مَا تَرَى، فَلَوْ أَمَرْتَ الشَّيَاطِينَ فَصَوَّرُوا صُورَتَهُ فِي دَارِي أَرَاهَا بِكُرَةً وَعَشِيَّةً لَرَجَوْتُ أَنْ يُذْهِبَ ذَلِكَ حُزْنِي.
[ ١ / ٢٠٧ ]
فَأَمَرَ الشَّيَاطِينَ فَعَمِلُوا لَهَا مِثْلَ صُورَتِهِ لَا تُنْكِرُ مِنْهَا شَيْئًا، وَأَلْبَسَتْهَا ثِيَابًا مِثْلَ ثِيَابِ أَبِيهَا، وَكَانَتْ إِذَا خَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنْ دَارِهَا تَغْدُو عَلَيْهِ فِي جَوَارِيهَا فَتَسْجُدُ لَهُ وَيَسْجُدْنَ مَعَهَا، وَتَرُوحُ عَشِيَّةً وَيَرُحْنَ، فَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا يَعْلَمُ سُلَيْمَانُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهَا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ آصَفَ بْنَ بَرْخِيَّا، وَكَانَ صَدِيقًا، وَكَانَ لَا يَرِدُ مِنْ مَنَازِلِ سُلَيْمَانَ أَيَّ وَقْتٍ أَرَادَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ سَوَاءٌ كَانَ سُلَيْمَانُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا. فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ كَبِرَ سِنِّي وَدَقَّ عَظْمِي، وَقَدْ حَانَ مِنِّي ذَهَابُ عُمُرِي وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَقُومَ مَقَامًا أَذْكُرُ فِيهِ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَأُثْنِي عَلَيْهِمْ بِعِلْمِي فِيهِمْ، وَأُعَلِّمُ النَّاسَ بَعْضَ مَا يَجْهَلُونَ. قَالَ: افْعَلْ. فَجَمَعَ لَهُ سُلَيْمَانُ النَّاسَ، فَقَامَ آصَفُ خَطِيبًا فِيهِمْ فَذَكَرَ مَنْ مَضَى مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سُلَيْمَانَ، فَقَالَ: مَا كَانَ أَحْلَمَكَ فِي صِغَرِكَ، وَأَبْعَدَكَ مِنْ كُلِّ مَا يُكْرَهُ فِي صِغَرِكَ. ثُمَّ انْصَرَفَ.
فَمُلِئَ سُلَيْمَانُ غَضَبًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: يَا آصَفُ لَمَّا ذَكَرْتَنِي جَعَلْتَ تُثْنِي عَلَيَّ فِي صِغَرِي وَسَكَتَّ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ، فَمَا الَّذِي أَحْدَثْتُ فِي آخِرِ أَمْرِي؟ قَالَ: إِنَّ غَيْرَ اللَّهِ لَيُعْبَدُ فِي دَارِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي هَوَى امْرَأَةٍ. قَالَ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ مَا قُلْتُ إِلَّا عَنْ شَيْءٍ بَلَغَكَ، وَدَخَلَ دَارَهُ وَكَسَرَ الصَّنَمَ وَعَاقَبَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ وَجَوَارِيَهَا. ثُمَّ أَمَرَ بِثِيَابِ الطَّهَارَةِ فَأُتِيَ بِهَا، وَهِيَ ثِيَابٌ تَغْزِلُهَا الْأَبْكَارُ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَلَمْ تَمَسَّهَا امْرَأَةٌ ذَاتُ دَمٍ، فَلَبِسَهَا وَخَرَجَ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَفَرَشَ الرَّمَادَ، ثُمَّ أَقْبَلَ تَائِبًا إِلَى اللَّهِ وَتَمَعَّكَ فِي الرَّمَادِ بِثِيَابِهِ تَذَلُّلًا لِلَّهِ تَعَالَى وَتَضَرُّعًا، وَبَكَى وَاسْتَغْفَرَ يَوْمَهُ ذَلِكَ ثُمَّ عَادَ إِلَى دَارِهِ.
وَكَانَتْ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ لَا يَثِقُ إِلَّا بِهَا يُسَلِّمُ خَاتَمَهُ إِلَيْهَا، وَكَانَ لَا يَنْزِعُهُ إِلَّا عِنْدَ دُخُولِهِ الْخَلَاءَ، وَإِذَا أَرَادَ يُصِيبُ امْرَأَةً فَيُسَلِّمُهُ إِلَيْهَا حَتَّى يَتَطَهَّرَ، وَكَانَ مُلْكُهُ فِي خَاتَمِهِ، فَدَخَلَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الْخَلَاءَ وَسَلَّمَ خَاتَمَهُ إِلَيْهَا، فَأَتَاهَا شَيْطَانٌ اسْمُهُ صَخْرٌ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ فَأَخَذَ الْخَاتَمَ وَخَرَجَ إِلَى كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالطَّيْرُ. وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالَتُهُ وَهَيْئَتُهُ، فَقَالَ: خَاتَمِي! قَالَتْ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ. قَالَتْ: كَذَبْتَ لَسْتَ
[ ١ / ٢٠٨ ]
بِسُلَيْمَانَ! قَدْ جَاءَ سُلَيْمَانُ وَأَخَذَ خَاتَمَهُ مِنِّي وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ! فَعَرَفَ سُلَيْمَانُ خَطِيئَتَهُ فَخَرَجَ وَجَعَلَ يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنَا سُلَيْمَانُ، فَيَحْثُونَ عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَصَدَ الْبَحْرَ وَجَعَلَ يَنْقُلُ سَمَكَ الصَّيَّادِينَ وَيُعْطُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَمَكَتَيْنِ يَبِيعُ إِحْدَاهُمَا بِخُبْزٍ وَيَأْكُلُ الْأُخْرَى، فَبَقِيَ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
ثُمَّ إِنَّ آصَفَ وَعُظَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْكَرُوا حُكْمَ الشَّيْطَانِ الْمُشْتَبَهِ بِسُلَيْمَانَ، فَقَالَ آصَفُ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، هَلْ رَأَيْتُمْ مِنَ اخْتِلَافِ حُكْمِ سُلَيْمَانَ مَا رَأَيْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ وَأَسْأَلَهُنَّ هَلْ أَنْكَرْنَ مَا أَنْكَرْنَا مِنْهُ. فَدَخَلَ عَلَيْهِنَّ وَسَأَلَهُنَّ، فَذَكَرْنَ أَشَدَّ مِمَّا عِنْدَهُ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ.
ثُمَّ خَرَجَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَخْبَرَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا بِهِ طَارَ مِنْ مَجْلِسِهِ فَمَرَّ بِالْبَحْرِ فَأَلْقَى الْخَاتَمَ فِيهِ، فَبَلَعَتْهُ سَمَكَةٌ، وَاصْطَادَهَا صَيَّادٌ، وَحَمَلَ لَهُ سُلَيْمَانُ يَوْمَهُ ذَلِكَ فَأَعْطَاهُ سَمَكَتَيْنِ، تِلْكَ السَّمَكَةُ إِحْدَاهُمَا. فَأَخَذَهَا فَشَقَّهَا لِيُصْلِحَهَا، وَيَأْكُلَهَا فَرَأَى خَاتَمَهُ فِي جَوْفِهَا، فَأَخَذَهُ وَجَعَلَهُ فِي إِصْبُعِهِ وَخَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالطَّيْرُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَرَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ، وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَبَثَّ الشَّيَاطِينَ فِي إِحْضَارِ صَخْرٍ الَّذِي أَخَذَ الْخَاتَمَ، فَأَحْضَرُوهُ، فَثَقَبَ لَهُ صَخْرَةً، وَجَعَلَهُ فِيهَا وَسَدَّ النَّقَبَ بِالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ، وَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ.
وَكَانَ مُقَامُهُ فِي الْمُلْكِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، بِمِقْدَارِ عِبَادَةِ الصَّنَمِ فِي دَارِ سُلَيْمَانَ.
وَقِيلَ: كَانَ السَّبَبُ فِي ذَهَابِ مُلْكِهِ أَنَّ امْرَأَةً لَهُ كَانَتْ أَبَرَّ نِسَائِهِ عِنْدَهُ تُسَمَّى جَرَادَةَ وَلَا يَأْتَمِنُ عَلَى خَاتَمِهِ سِوَاهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَخِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ فُلَانٍ حُكُومَةٌ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَقْضِيَ لَهُ. فَقَالَ: أَفْعَلُ، وَلَمْ يَفْعَلْ، فَابْتُلِيَ، وَأَعْطَاهَا خَاتَمَهُ، وَدَخَلَ الْخَلَاءَ، فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فَأَخَذَهُ، وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ بَعْدَهُ فَطَلَبَ الْخَاتَمَ، فَقَالَتْ: أَلَمْ تَأْخُذْهُ؟ قَالَ: لَا، وَخَرَجَ مِنْ مَكَانِهِ تَائِهًا وَبَقِيَ الشَّيْطَانُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ، فَفَطِنُوا لَهُ وَأَحْدَقُوا بِهِ وَنَشَرُوا التَّوْرَاةَ فَقَرَءُوهَا، فَطَارَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَأَلْقَى الْخَاتَمَ فِي الْبَحْرِ، فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ، ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ قَصَدَ صَيَّادًا وَهُوَ جَائِعٌ فَاسْتَطْعَمَهُ، وَقَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ، فَكَذَّبَهُ، وَضَرَبَهُ فَشَجَّهُ، فَجَعَلَ يَغْسِلُ الدَّمَ، فَلَامَ الصَّيَّادُونَ صَاحِبَهُمْ، وَأَعْطَوْهُ سَمَكَتَيْنِ
[ ١ / ٢٠٩ ]
إِحْدَاهُمَا الَّتِي ابْتَلَعَتِ الْخَاتَمَ، فَشَقَّ بَطْنَهَا، وَأَخَذَ الْخَاتَمَ، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ مُلْكَهُ، فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَا أَحْمَدُكُمْ عَلَى عُذْرِكُمْ وَلَا أَلُومُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ.
وَسَخَّرَ اللَّهُ لَهُ الْجِنَّ وَالشَّيَاطِينَ وَالرِّيحَ، وَلَمْ يَكُنْ سَخَّرَهَا لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ - فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ - وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ - وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٥ - ٣٨] .
وَقِيلَ فِي سَبَبِ زَوَالِ مُلْكِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ وَفَاةِ سُلَيْمَانَ
لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِلَى سُلَيْمَانَ الْمُلْكَ لَبِثَ فِيهِ مُطَاعًا، وَالْجِنُّ تَعْمَلُ لَهُ ﴿مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُعَذِّبُ مِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ شَاءَ وَيَطْلُبُ مَنْ شَاءَ، حَتَّى إِذَا دَنَا أَجَلُهُ وَكَانَ عَادَتُهُ إِذَا صَلَّى كُلَّ يَوْمٍ رَأَى شَجَرَةً نَابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: مَا اسْمُكِ؟ فَتَقُولُ: كَذَا. فَيَقُولُ: لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْتِ؟ فَإِنْ كَانَتْ لِغَرْسٍ غُرِسَتْ وَإِنْ كَانَتْ لِدَوَاءٍ كُتِبَتْ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ رَأَى شَجَرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهَا: مَا اسْمُكِ؟ فَقَالَتِ: الْخُرْنُوبَةُ. فَقَالَ لَهَا: لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْتِ؟ قَالَتْ: لِخَرَابِ هَذَا الْبَيْتِ - يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ - فَقَالَ سُلَيْمَانُ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُخْرِبَهُ وَأَنَا حَيٌّ، أَنْتِ الَّتِي عَلَى وَجْهِكِ هَلَاكِي وَخَرَابُ الْبَيْتِ! وَقَلَعَهَا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَمِّ عَلَى الْجِنِّ مَوْتِي حَتَّى يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الْجِنَّ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ.
وَكَانَ سُلَيْمَانُ يَتَجَرَّدُ لِلْعِبَادَةِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ، وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ، يُدْخِلُ مَعَهُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَأَدْخَلَهُ فِي الْمَرَّةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصَاهُ أَدْرَكَهُ أَجَلُهُ فَمَاتَ، وَلَا تَعْلَمُ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَلَا الْجِنُّ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَعْمَلُونَ خَوْفًا مِنْهُ، فَأَكَلَتِ الْأَرَضَةُ عَصَاهُ فَانْكَسَرَتْ فَسَقَطَ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ مَاتَ، وَعَلِمَ النَّاسُ أَنَّ الْجِنَّ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ وَلَوْ عَلِمُوا الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ
[ ١ / ٢١٠ ]
وَمُقَاسَاةِ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ.
وَلَمَّا سَقَطَ أَرَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْلَمُوا مُذْ كَمْ مَاتَ، فَوَضَعُوا الْأَرَضَةَ عَلَى الْعَصَا يَوْمًا وَلَيْلَةً فَأَكَلَتْ مِنْهَا، فَحَسَبُوا بِنِسْبَتِهِ فَكَانَ أَكْلُ تِلْكَ الْعَصَا فِي سَنَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الشَّيَاطِينَ قَالُوا لِلْأَرَضَةِ: لَوْ كُنْتِ تَأْكُلِينَ الطَّعَامَ لَأَتَيْنَاكِ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ، وَلَوْ كُنْتِ تَشْرَبِينَ الشَّرَابَ لَأَتَيْنَاكِ بِأَطْيَبِ الشَّرَابِ، وَلَكِنَّا سَنَنْقُلُ لَكِ الْمَاءَ وَالطِّينَ، فَهُمْ يَنْقُلُونَ إِلَيْهَا ذَلِكَ حَيْثُ كَانَتْ. أَلَمْ تَرَ إِلَى الطِّينِ يَكُونُ فِي وَسَطِ الْخَشَبَةِ؟ فَهُوَ مَا يَنْقُلُونَهُ لَهَا!
قِيلَ: إِنَّ الْجِنَّ وَالشَّيَاطِينَ شَكَوْا مَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ التَّعَبِ، وَالنَّصَبِ إِلَى بَعْضِ أُولِي التَّجْرِبَةِ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: كَانَ إِبْلِيسُ، فَقَالَ لَهُمْ: أَلَسْتُمْ تَنْصَرِفُونَ بِأَحْمَالٍ وَتَعُودُونَ بِغَيْرِ أَحْمَالٍ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَلَكُمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ رَاحَةٌ، فَحَمَلَتِ الرِّيحُ الْكَلَامَ، فَأَلْقَتْهُ فِي أُذُنِ سُلَيْمَانَ، فَأَمَرَ الْمُوَكَّلِينَ بِهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا جَاءُوا بِالْأَحْمَالِ، وَالْآلَاتِ الَّتِي يُبْنَى بِهَا إِلَى مَوْضِعِ الْبِنَاءِ، وَالْعَمَلِ يُحَمِّلُهُمْ مَنْ هُنَاكَ فِي عَوْدِهِمْ مَا يَلْقَوْنَهُ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا الْأَعْمَالُ لِيَكُونَ أَشَقَّ عَلَيْهِمْ وَأَسْرَعَ فِي الْعَمَلِ، فَاجْتَازُوا بِذَلِكَ الَّذِي شَكَوْا إِلَيْهِ حَالَهُمْ فَأَعْلَمُوهُ حَالَهُمْ فَقَالَ لُهَمُ: انْتَظِرُوا الْفَرَجَ فَإِنَّ الْأُمُورَ إِذَا تَنَاهَتْ تَغَيَّرَتْ، فَلَمْ تَطُلْ مُدَّةُ سُلَيْمَانَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ، وَكَانَ مُدَّةُ عُمُرِهِ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَمُلْكُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
[ ١ / ٢١١ ]