فَلَمَّا انْقَطَعَ إِلْيَاسُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعَثَ اللَّهُ الْيَسَعَ، فَكَانَ فِيهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ وَعَظُمَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ وَعِنْدَهُمُ التَّابُوتُ يَتَوَارَثُونَهُ، فِيهِ السَّكِينَةُ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَكَانُوا لَا يَلْقَاهُمْ عَدُوٌّ فَيُقَدِّمُونَ التَّابُوتَ إِلَّا هَزَمَ اللَّهُ الْعَدُوَّ، وَكَانَتِ السَّكِينَةُ شِبْهَ رَأْسِ هِرٍّ، فَإِذَا صَرَخَتْ فِي التَّابُوتِ بِصُرَاخِ هِرٍّ أَيْقَنُوا بِالنَّصْرِ وَجَاءَهُمُ الْفَتْحُ.
ثُمَّ خَلَّفَ فِيهَا مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ إِيلَافُ، وَكَانَ اللَّهُ يَمْنَعُهُمْ وَيَحْمِيهِمْ، فَلَمَّا عَظُمَتْ أَحْدَاثُهُمْ نَزَلَ بِهِمْ عَدُوٌّ فَخَرَجُوا إِلَيْهِ وَأَخْرَجُوا التَّابُوتَ، فَاقْتَتَلُوا فَغَلَبَهُمْ عَدُوُّهُمْ عَلَى التَّابُوتِ وَأَخَذَهُ مِنْهُمْ وَانْهَزَمُوا، فَلَمَّا عَلِمَ مَلِكُهُمْ أَنَّ التَّابُوتَ أُخِذَ مَاتَ كَمَدًا، وَدَخَلَ الْعَدُوُّ أَرْضَهُمْ وَنَهَبَ وَسَبَى، وَعَادَ، فَمَكَثُوا عَلَى اضْطِرَابٍ مِنْ أَمْرِهِمْ وَاخْتِلَافٍ، وَكَانُوا يَتَمَادَوْنَ أَحْيَانًا فِي غَيِّهِمْ فَيُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَنْتَقِمُ مِنْهُمْ، فَإِذَا رَاجَعُوا التَّوْبَةَ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُمْ شَرَّ عَدُوِّهِمْ، فَكَانَ هَذَا حَالَهُمْ مِنْ لَدُنْ تَوَفِّي يُوشَعَ بْنِ نُونٍ إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ أَشْمُوِيلَ وَمَلِكَهُمْ طَالُوتَ، وَرَدَّ عَلَيْهِمُ التَّابُوتَ.
وَكَانَتْ مُدَّةُ مَا بَيْنَ وَفَاةِ يُوشَعَ، الَّذِي كَانَ يَلِي أَمْرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْضَهَا الْقُضَاةُ، وَبَعْضَهَا الْمُلُوكُ، وَبَعْضَهَا الْمُتَغَلِّبُونَ إِلَى أَنْ ثَبَتَ الْمُلْكُ فِيهِمْ وَرَجَعَتِ النُّبُوَّةُ إِلَى أَشْمُوِيلَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مَنْ نَسْلِ لُوطٍ يُقَالُ لَهُ كُوشَانُ فَقَهَرَهُمْ وَأَذَلَّهُمْ
[ ١ / ١٨٦ ]
ثَمَانِيَ سِنِينَ، ثُمَّ أَنْقَذَهُمْ مِنْ يَدِهِ أَخٌ لِكَالَبَ الْأَصْغَرِ يُقَالُ لَهُ عِتْنِيلُ فَقَامَ بِأَمْرِهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ عَجْلُونُ، فَمَلَكَهُمْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُمْ مِنْهُ رَجُلٌ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ يُقَالُ لَهُ أَهُوذُ، وَقَامَ بِأَمْرِهِمْ ثَمَانِينَ سَنَةً.
ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ يُقَالُ لَهُ يَابِينُ، فَمَلَكَهُمْ عِشْرِينَ سَنَةً وَاسْتَنْقَذَهُمْ مِنْهُ امْرَأَةٌ مَنْ بَنِي أَنْبِيَائِهِمْ يُقَالُ لَهَا دَبُورَا، وَدَبَّرَ الْأَمْرَ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِهَا يُقَالُ لَهُ بَارَاقُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ نَسْلِ لُوطٍ فَمَلَكُوهُمْ سَبْعَ سِنِينَ، وَاسْتَنْقَذَهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جَدْعُونُ بْنُ بَوَاشَ مَنْ وَلَدِ نَفْتَالِي بْنِ يَعْقُوبَ، فَدَبَّرَ أَمْرَهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَتُوُفِّيَ، وَدَبَّرَ أَمْرَهُمْ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبِيمَالَخُ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ دَبَّرَهُمْ بَعْدَهُ فَوْلَعُ بْنُ فَوَّا ابْنُ خَالِ أَبِيمَالَخَ، وَيُقَالُ ابْنُ عَمِّهِ، ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ دَبَّرَ أَمْرَهُمْ بَعْدَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ يَائِيرُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ بَنِي عَمُّونَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ قَامَ بِأَمْرِهِمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ يَفْتَحُ سِتَّ سِنِينَ. ثُمَّ دَبَّرَ أَمْرَهُمْ بَعْدَهُ يُبَحْسُونُ سَبْعَ سِنِينَ. ثُمَّ بَعْدَهُ آلُوَنُ عَشْرَ سِنِينَ. ثُمَّ بَعْدَهُ لِتْرُونُ، وَيُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ عِكْرُونَ ثَمَانِيَ سِنِينَ ثُمَّ قَهَرَهُمْ أَهْلُ فِلَسْطِينَ وَمَلَكُوهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً. ثُمَّ وَلِيَهُمْ شَمْسُونُ عِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ
[ ١ / ١٨٧ ]
عَشْرَ سِنِينَ بِغَيْرِ مُدَبِّرٍ وَلَا رَئِيسٍ.
ثُمَّ قَامَ بِأَمْرِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَالِي الْكَاهِنُ. وَفِي أَيَّامِهِ غَلَبَ أَهْلُ فِلَسْطِينَ عَلَى التَّابُوتِ فِي قَوْلٍ، فَلَمَّا مَضَى مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً بُعِثَ أَشْمُوِيلُ نَبِيًّا فَدَبَّرَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ. ثُمَّ سَأَلُوا أَشْمُوِيلَ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُ بِهِمْ أَعْدَاءَهُمْ.
[ ١ / ١٨٨ ]