لَا يَدْفَعُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ سَارَةَ تُوُفِّيَتْ بِالشَّامِ وَلَهَا مِائَةٌ وَسَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ بِقَرْيَةِ الْجَبَابِرَةِ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ، وَقِيلَ: عَاشَتْ هَاجَرُ بَعْدَ سَارَةَ مُدَّةً.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَاجَرَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ سَارَةَ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي مَسِيرِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى مَكَّةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَلَمَّا مَاتَتْ سَارَةُ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا قَطُورَا ابْنَةَ يَقْطُنَ امْرَأَةً مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ فَوَلَدَتْ لَهُ سِتَّةَ نَفَرٍ: نَفْشَانَ، وَمُرَّانَ، وَمَدْيَانَ، وَمُدَنَ، وَنَشَقَ، وَسَرَحَ، وَكَانَ جَمِيعُ أَوْلَادِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ بِكْرَهُ، وَقِيلَ فِي عَدَدِ أَوْلَادِهِ غَيْرُ ذَلِكَ. فَالْبَرْبَرُ مِنْ وَلَدِ نَفْشَانَ، وَأَهْلُ مَدْيَنَ قَوْمُ شُعَيْبٍ مِنْ وَلَدِ مَدْيَانَ. وَقِيلَ: تَزَوَّجَ بَعْدَ قَطُورًا امْرَأَةً أُخْرَى اسْمُهَا حَجُونُ ابْنَةُ أَهِيرَ.
ذِكْرُ وَفَاةِ إِبْرَاهِيمَ، وَعَدَدِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ
قِيلَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ قَبْضَ رُوحِ إِبْرَاهِيمَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَلَكَ الْمَوْتِ فِي صُورَةِ شَيْخٍ هَرِمٍ، فَرَآهُ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ يُطْعِمُ النَّاسَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فِي الْحَرِّ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِحِمَارٍ فَرَكِبَهُ حَتَّى أَتَاهُ، فَجَعَلَ الشَّيْخُ يَأْخُذُ اللُّقْمَةَ يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَهَا فَاهُ فَيُدْخِلَهَا فِي عَيْنِهِ وَأُذُنِهِ، ثُمَّ يُدْخِلَهَا فَاهُ، فَإِذَا دَخَلَتْ جَوْفَهُ خَرَجَتْ مِنْ دُبُرِهِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ لَا يَقْبِضَ رُوحَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُهُ الْمَوْتَ، فَقَالَ: يَا شَيْخُ مَالَكَ تَصْنَعُ هَذَا؟ قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ الْكِبَرُ. قَالَ: ابْنُ
[ ١ / ١١٠ ]
كَمْ أَنْتَ؟ فَزَادَ عَلَى عُمْرِ إِبْرَاهِيمَ سَنَتَيْنِ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّمَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَصِيرَ هَكَذَا سَنَتَانِ، اللَّهُمَّ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ! فَقَامَ الشَّيْخُ وَقَبَضَ رُوحَهُ وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ مِائَتَيْ سَنَةٍ.
وَقِيلَ: مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَى مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ بِسَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَنْ عَاشَ مِائَتَيْ سَنَةٍ كَيْفَ لَا يَرَى مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ بِهَذَا الْقَدْرِ الْقَرِيبِ؟ وَلَكِنْ هَكَذَا رُوِيَ، ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَ عُمْرَ نُوحٍ وَلَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِمَّا رَأَى بِذَلِكَ الرَّجُلِ.
وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرَ صَحَائِفَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: كَانَتْ أَمْثَالًا كُلُّهَا: أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ الْمُبْتَلَى الْمَغْرُورُ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنِّي لَا أَرُدُّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ.
وَكَانَ فِيهَا أَمْثَالٌ، مِنْهَا: وَعَلَى الْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ، سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُفَكِّرُ فِيهَا فِي صُنْعِ اللَّهِ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا بِحَاجَتِهِ مِنَ الْحَلَالِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ ظَاعِنًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادِهِ، وَمَرَمَّةٍ لِمَعَاشِهِ، وَلَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، وَمَنْ حَسَبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ.»
وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ، وَأَوَّلُ مَنْ أَضَافَ الضَّيْفَ، وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ السَّرَاوِيلَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقَاوِيلِ.
[ ١ / ١١١ ]