٥٩٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ عِمَادِ الدِّينِ وَمُلْكِ وَلَدِهِ قُطْبِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، تُوُفِّيَ عِمَادُ الدِّينِ زِنْكِي بْنُ مَوْدُودِ بْنِ زِنْكِي بْنِ آقَسُنْقُرْ - صَاحِبُ سِنْجَارَ وَنَصِيبِينَ وَالْخَابُورِ وَالرِّقَّةِ - وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ كَيْفَ مَلَكَهَا سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ]، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قُطْبُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ، وَتَوَلَّى تَدْبِيرَ دَوْلَتِهِ مُجَاهِدُ الدِّينِ يَرَنْقَشْ مَمْلُوكُ أَبِيهِ، وَكَانَ دَيِّنًا خَيِّرًا عَادِلًا، حَسَنَ السِّيرَةِ فِي رَعِيَّتِهِ، عَفِيفًا عَنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَمْلَاكِهِمْ، مُتَوَاضِعًا يُحِبُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَيَحْتَرِمُهُمْ وَيَجْلِسُ مَعَهُمْ وَيَرْجِعُ إِلَى أَقْوَالِهِمْ، وَكَانَ ﵀ شَدِيدَ التَّعَصُّبِ عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، كَثِيرَ الذَّمِّ لِلشَّافِعِيَّةِ، فَمِنْ تَعَصُّبِهِ أَنَّهُ بَنَى مَدْرَسَةً لِلْحَنَفِيَّةِ بِسِنْجَارَ، وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَوْلَادِهِ دُونَ الشَّافِعِيَّةِ، وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْبَوَّابُ وَالْفَرَّاشُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَشَرَطَ لِلْفُقَهَاءِ طَبِيخًا طُبِخَ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ، وَهَذَا نَظَرٌ حَسَنٌ - ﵀.
ذِكْرُ مُلْكِ نُورِ الدِّينِ نَصِيبِينَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، سَارَ نُورُ الدِّينِ أَرْسِلَانُ شَاهْ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودٍ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ إِلَى مَدِينَةِ نَصِيبِينَ، فَمَلَكَهَا وَأَخَذَهَا مِنِ ابْنِ عَمِّهِ قُطْبِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَمَّهُ عِمَادَ الدِّينِ كَانَ لَهُ نَصِيبِينُ، فَتَطَاوَلَ نُوَّابُهُ بِهَا، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى عِدَّةِ قُرًى مِنْ أَعْمَالٍ بَيْنَ النَّهْرَيْنِ مِنْ وِلَايَةِ الْمَوْصِلِ، وَهِيَ تُجَاوِرُ نَصِيبِينَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ مُجَاهِدَ الدِّينِ قَايْمَازَ الْقَائِمَ بِتَدْبِيرِ مَمْلَكَةِ نُورِ الدِّينِ بِالْمَوْصِلِ وَأَعْمَالِهَا وَالْمَرْجُوعَ إِلَيْهِ فِيهَا، فَلَمْ يُعْلِمْ مَخْدُومَهُ نُورَ الدِّينِ بِذَلِكَ، لِمَا عَلِمَ مِنْ قِلَّةِ صَبْرِهِ عَلَى احْتِمَالِ مِثْلِ
[ ١٠ / ١٥١ ]
هَذَا، وَخَافَ أَنْ يَجْرِيَ خُلْفٌ بَيْنَهُمْ، فَأَرْسَلَ مِنْ عِنْدِهِ رَسُولًا إِلَى عِمَادِ الدِّينِ فِي الْمَعْنَى، وَقَبَّحَ هَذَا الْفِعْلَ الَّذِي فَعَلَهُ النُّوَّابُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَقَالَ: إِنَّنِي مَا أَعْلَمْتُ نُورَ الدِّينِ بِالْحَالِ لِئَلَّا يَخْرُجَ عَنْ يَدِكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَوَالِدِهِ، وَأَخَافُ [أَنْ] يَبْدُوَ مِنْهُ مَا يُخْرِجُ الْأَمْرَ فِيهِ عَنْ يَدِي، فَأَعَادَ الْجَوَابَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا إِلَّا مَا أَمَرْتُهُمْ بِهِ، وَهَذِهِ الْقُرَى مِنْ أَعْمَالِ نَصِيبِينَ.
فَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، فَلَمْ يَرْجِعْ عِمَادُ الدِّينِ عَنْ أَخْذِهَا، فَحِينَئِذٍ أَعْلَمَ مُجَاهِدُ الدِّينِ نُورَ الدِّينِ بِالْحَالِ، فَأَرْسَلَ نُورُ الدِّينِ رَسُولًا مِنْ مَشَايِخِ دَوْلَتِهِ مِمَّنْ خَدَمَ جَدَّهُمُ الشَّهِيدَ زِنْكِي وَمَنْ بَعْدَهُ، وَحَمَّلَهُ رِسَالَةً فِيهَا بَعْضُ الْخُشُونَةِ، فَمَضَى الرَّسُولُ فَلَحِقَ عِمَادَ الدِّينِ وَقَدْ مَرِضَ، فَلَمَّا سَمِعَ الرِّسَالَةَ لَمْ يَلْتَفِتْ، وَقَالَ: لَا أُعِيدُ مُلْكِي، فَأَشَارَ الرَّسُولُ مَنْ عِنْدَهُ، حَيْثُ هُوَ مِنْ مَشَايِخِ دَوْلَتِهِمْ، بِتَرْكِ اللَّجَاجِ، وَتَسْلِيمِ مَا أَخَذَهُ، وَحَذَّرَهُ عَاقِبَةَ ذَلِكَ، فَأَغْلَظَ عَلَيْهِ عِمَادُ الدِّينِ الْقَوْلَ، وَعَرَّضَ بِذَمِّ نُورِ الدِّينِ وَاحْتِقَارِهِ، فَعَادَ الرَّسُولُ وَحَكَى لِنُورِ الدِّينِ جَلِيَّةِ الْحَالِ، فَغَضِبَ لِذَلِكَ، وَعَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى نَصِيبِينَ وَأَخْذِهَا مِنْ عَمِّهِ.
فَاتُّفِقَ أَنَّ عَمَّهُ مَاتَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ، فَقَوِيَ طَمَعُهُ، فَمَنَعَهُ مُجَاهِدُ الدِّينِ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ، وَتَجَهَّزَ وَسَارَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا سَمِعَ قُطْبُ الدِّينِ صَاحِبُهَا سَارَ إِلَيْهَا مِنْ سِنْجَارَ فِي عَسْكَرِهِ، وَنَزَلَ عَلَيْهَا لِيَمْنَعَ نُورَ الدِّينِ عَنْهَا، فَوَصَلَ نُورُ الدِّينِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْبَلَدِ وَكَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ، فَجَازَهُ بَعْضُ أُمَرَائِهِ، وَقَاتَلَ مَنْ بِإِزَائِهِ، فَلَمْ يَثْبُتُوا لَهُ، فَعَبَرَ جَمِيعُ الْعَسْكَرِ النُّورِيِّ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى قُطْبِ الدِّينِ، فَصَعِدَ هُوَ وَنَائِبُهُ مُجَاهِدُ الدِّينِ يَرَنْقَشْ إِلَى قَلْعَةِ نَصِيبِينَ. وَأَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، فَخَرَجُوا مِنْهَا هَارِبِينَ إِلَى حَرَّانَ، وَرَاسَلُوا الْمَلِكَ الْعَادِلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَيُّوبَ صَاحِبَ حَرَّانَ وَغَيْرِهَا وَهُوَ بِدِمَشْقَ، وَبَذَلُوا لَهُ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ لِيُنْجِدَهُمْ وَيُعِيدَ نَصِيبِينَ إِلَيْهِمْ.
وَأَقَامَ نُورُ الدِّينِ بِنَصِيبِينَ مَالِكًا لَهَا، فَتَضَعْضَعَ عَسْكَرُهُ بِكَثْرَةِ الْأَمْرَاضِ، وَعَوَّدَهُمْ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَمَاتَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَوَصَلَ الْعَادِلُ إِلَى الدِّيَارِ الْجَزَرِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ فَارَقَ نُورُ الدِّينِ نَصِيبِينَ وَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا فَارَقَهَا تَسَلَّمَهَا قُطْبُ الدِّينِ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ مِنْ أُمَرَاءِ الْمَوْصِلِ: عِزُّ الدِّينِ جُورْدِيكْ، وَشَمْسُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَفَخْرُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى الْمُهْرَانِيَّانِ، وَمُجَاهِدُ الدِّينِ قَايْمَازُ، وَظَهِيرُ الدِّينِ يُولَقُ ابْنُ بِلِنْكِرِي، وَجَمَالُ الدِّينِ مُحَاسِنُ، وَغَيْرُهُمْ. وَلَمَّا عَادَ نُورُ الدِّينِ إِلَى
[ ١٠ / ١٥٢ ]
الْمَوْصِلِ قَصَدَ الْعَادِلُ قَلْعَةَ مَارْدِينَ فَحَصَرَهَا، وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ذِكْرُ مُلْكِ الْغُورِيَّةِ مَدِينَةَ بَلْخَ مِنَ الْخَطَا الْكَفَرَةِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ بَهَاءُ الدِّينِ سَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ غِيَاثِ الدِّينِ [وَشِهَابِ الدِّينِ] صَاحِبَيْ غَزْنَةَ وَغَيْرِهَا وَلَهُ بَامِيَانُ، مَدِينَةُ بَلْخَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا تُرْكِيًّا اسْمُهُ أَزْيَهْ، وَكَانَ يَحْمِلُ الْخَرَاجَ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى الْخَطَا، بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَتُوُفِّيَ هَذِهِ السَّنَّةَ، فَسَارَ بَهَاءُ الدِّينِ سَامُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَلَكَهَا، وَتَمَكَّنَ فِيهَا، وَقَطَعَ الْحَمْلَ إِلَى الْخَطَا، وَخَطَبَ لِغِيَاثِ الدِّينِ، وَصَارَتْ مِنْ جُمْلَةِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ فِي طَاعَةِ الْكَافِرِ.
ذِكْرُ انْهِزَامِ الْخَطَا مَنِ الْغُورِيَّةِ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبَرَ الْخَطَا نَهْرَ جَيْحُونَ إِلَى نَاحِيَةِ خُرَاسَانَ، فَعَاثُوا فِي الْبِلَادِ وَأَفْسَدُوا، فَلَقِيَهُمْ عَسْكَرُ غِيَاثِ الدِّينِ الْغَوْرِيِّ وَقَاتَلَهُمْ فَانْهَزَمَ الْخَطَا.
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ خُوَارِزْمَ شَاهْ تُكُشَ كَانَ قَدْ سَارَ إِلَى بَلَدِ الرَّيِّ وَهَمَذَانَ وَأَصْفَهَانَ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْبِلَادِ وَمَلَكَهَا، وَتَعَرَّضَ إِلَى عَسَاكِرِ الْخَلِيفَةِ، وَأَظْهَرَ طَلَبَ السَّلْطَنَةِ وَالْخُطْبَةِ بِبَغْدَادَ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ مَلِكِ الْغَوْرِ وَغَزْنَةَ [يَأْمُرُهُ] بِقَصْدِ بِلَادِ خُوَارِزْمَ شَاهْ [لِيَعُودَ عَنْ قَصْدِ الْعِرَاقِ، وَكَانَ خُوَارِزْمُ شَاهْ] قَدْ عَادَ إِلَى خُوَارِزْمَ، فَرَاسَلَهُ غِيَاثُ الدِّينِ يُقَبِّحُ لَهُ فِعْلَهُ، وَيَتَهَدَّدُهُ بِقَصْدِ بِلَادِهِ وَأَخْذِهَا، فَأَرْسَلَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى الْخَطَا يَشْكُو إِلَيْهِمْ مِنْ غِيَاثِ الدِّينِ، وَيَقُولُ: إِنْ لَمْ تُدْرِكُوهُ بِإِنْفَاذِ الْعَسَاكِرِ، وَإِلَّا أَخَذَ غِيَاثُ الدِّينِ بِلَادَهُ. كَمَا أَخَذَ مَدِينَةَ بَلْخَ، وَقَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَادَهُمْ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ مَنْعُهُ، وَيَعْجِزُونَ عَنْهُ، وَيَضْعُفُونَ عَنْ رَدِّهِ عَمَّا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَجَهَّزَ مَلِكُ الْخَطَا جَيْشًا كَثِيفًا، وَجَعَلَ مُقَدَّمَهُمُ الْمَعْرُوفَ بِطَايِنْكُوَا، وَهُوَ كَالْوَزِيرِ لَهُ، فَسَارُوا وَعَبَرُوا جَيْحُونَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ الزَّمَانُ شِتَاءً، وَكَانَ شِهَابُ الدِّينِ الْغُورِيُّ أَخُو غِيَاثِ الدِّينِ بِبِلَادِ الْهِنْدِ، وَالْعَسَاكِرُ مَعَهُ، وَغِيَاثُ الدِّينِ بِهِ مِنَ النِّقْرِسِ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْحَرَكَةِ، إِنَّمَا يُحْمَلُ فِي مِحَفَّةٍ، وَالَّذِي يَقُودُ الْجَيْشَ وَيُبَاشِرُ الْحُرُوبَ أَخُوهُ شِهَابُ
[ ١٠ / ١٥٣ ]
الدِّينِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْخَطَا إِلَى جَيْحُونَ، وَسَارَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى طُوسَ، عَازِمًا عَلَى قَصْدِ هَرَاةَ وَمُحَاصَرَتِهَا، وَعَبَرَ الْخَطَا النَّهْرَ، وَوَصَلُوا إِلَى بِلَادِ الْغَوْرِ مِثْلَ: كُرُزْبَانَ وَسُرْقَانَ وَغَيْرِهِمَا، وَقَتَلُوا وَأَسَرُوا وَنَهَبُوا وَسَبَوْا كَثِيرًا لَا يُحْصَى، فَاسْتَغَاثَ النَّاسُ بِغِيَاثِ الدِّينِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ مَا يَلْقَاهُمْ بِهَا، فَرَاسَلَ الْخَطَا بَهَاءَ الدِّينِ سَامَ مَلِكَ بَامِيَانَ يَأْمُرُونَهُ بِالْإِفْرَاجِ عَنْ بَلْخَ، أَوْ أَنَّهُ يَحْمِلُ مَا كَانَ مَنْ قَبْلَهُ يَحْمِلُهُ مِنَ الْمَالِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ.
وَعَظُمَتِ الْمُصِيبَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَا فَعَلَهُ الْخَطَا، فَانْتُدِبَ الْأَمِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرْبَكَ الْغُورِيُّ، وَهُوَ مُقْطَعُ الطَّالْقَانِ مِنْ قِبَلِ غِيَاثِ الدِّينِ، وَكَانَ شُجَاعًا، وَكَاتِبُ الْحُسَيْنِ بْنِ خَرْمِيلَ، وَكَانَ بِقَلْعَةِ كُرْزُبَانَ. وَاجْتَمَعَ مَعَهُمَا الْأَمِيرُ حَرُّوشٌ الْغُورِيُّ، وَسَارُوا بِعَسَاكِرِهِمْ إِلَى الْخَطَا، فَبَيَّتُوهُمْ، وَكَبَسُوهُمْ لَيْلًا، وَمِنْ عَادَةِ الْخَطَا أَنَّهُمْ لَا يُخْرِجُونَ مِنْ خِيَامِهِمْ لَيْلًا، وَلَا يُفَارِقُونَهَا، فَأَتَاهُمْ هَؤُلَاءِ الْغُورِيَّةُ وَقَاتَلُوهُمْ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِي الْخَطَا، وَانْهَزَمَ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ مَنِ الْقَتْلِ، وَأَيْنَ يَنْهَزِمُونَ وَالْعَسْكَرُ الْغُورِيُّ خَلْفَهُمْ، وَجَيْحُونُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ! وَظَنَّ الْخَطَا أَنَّ غِيَاثَ الدِّينِ قَدْ قَصَدَهُمْ فِي عَسَاكِرِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَعَرَفُوا مَنْ قَاتَلَهُمْ وَعَلِمُوا أَنَّ غِيَاثَ الدِّينِ بِمَكَانِهِ، قَوِيَتْ قُلُوبُهُمْ، وَثَبَتُوا [وَاقْتَتَلُوا] عَامَّةَ نَهَارِهِمْ، فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ عَظِيمٌ، وَلَحِقَتِ الْمُتَطَوِّعَةُ بِالْغُورِيِّينَ، وَأَتَاهُمْ مَدَدٌ مِنْ غِيَاثِ الدِّينِ وَهُمْ فِي الْحَرْبِ، فَثَبَتَ الْمُسْلِمُونَ، وَعَظُمَتْ نِكَايَتُهُمْ فِي الْكُفَّارِ.
وَحَمَلَ الْأَمِيرُ حَرُّوشٌ عَلَى قَلْبِ الْخَطَا، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَأَصَابَهُ جِرَاحَةٌ تُوُفِّيَ مِنْهَا، ثُمَّ إِنَّ مَحْمُودَ بْنَ جَرْبَكَ وَابْنَ خَرْمِيلَ حَمَلَا فِي أَصْحَابِهِمَا، وَتَنَادَوْا: لَا يَرْمِ أَحَدٌ بِقَوْسٍ، وَلَا يَطْعَنُ بِرُمْحٍ، وَأَخَذُوا اللُّتُوتَ، وَحَمَلُوا عَلَى الْخَطَا فَهَزَمُوهُمْ وَأَلْحَقُوهُمْ بِجَيْحُونَ، فَمَنْ صَبَرَ قُتِلَ، وَمَنْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ غَرِقَ.
وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى مَلِكِ الْخَطَا، فَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ يَقُولُ لَهُ: أَنْتَ قَتَلْتَ رِجَالِي، وَأُرِيدُ عَنْ كُلِّ قَتِيلٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَكَانَ الْقَتْلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا،
[ ١٠ / ١٥٤ ]
وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ مَنْ رَدَّهُ إِلَى خُوَارِزْمَ، وَأَلْزَمُوهُ بِالْحُضُورِ عِنْدَهُ، فَأَرْسَلَ حِينَئِذٍ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يُعَرِّفُهُ حَالَهُ مَعَ الْخَطَا، وَيَشْكُو إِلَيْهِ وَيَسْتَعْطِفُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ يَأْمُرُهُ بِطَاعَةِ الْخَلِيفَةِ، وَإِعَادَةِ مَا أَخَذَهُ الْخَطَا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَنْفَصِلْ بَيْنَهُمَا حَالٌ.
ذِكْرُ مُلْكِ خُوَارِزْمَ شَاهْ مَدِينَةَ بُخَارَى
لَمَّا وَرَدَ رَسُولُ مَلِكِ الْخَطَا عَلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، أَعَادَ الْجَوَابَ: إِنَّ عَسْكَرَكَ إِنَّمَا قَصَدَ انْتِزَاعَ بَلْخَ، وَلَمْ يَأْتُوا إِلَى نُصْرَتِي، وَلَا اجْتَمَعْتُ بِهِمْ، وَلَا أَمَرْتُهُمْ بِالْعُبُورِ، وَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَنَا مُقِيمٌ بِالْمَالِ الْمَطْلُوبِ مِنِّي، وَلَكِنْ حَيْثُ عَجَزْتُمْ أَنْتُمْ عَنِ الْغُورِيَّةِ عُدْتُمْ عَلَيَّ بِهَذَا الْقَوْلِ وَهَذَا الْمَطْلَبِ، وَأَمَّا أَنَا فَقَدَ أَصْلَحَتُ الْغُورِيَّةَ، وَدَخَلْتُ فِي طَاعَتِهِمْ، وَلَا طَاعَةَ لَكُمْ عِنْدِي.
فَعَادَ الرَّسُولُ بِالْجَوَابِ، فَجَهَّزَ مَلِكُ الْخَطَا جَيْشًا عَظِيمًا وَسَيَّرَهُ إِلَى خُوَارِزْمَ فَحَصَرُوهَا، فَكَانَ خُوَارِزْمُ شَاهْ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَيَقْتُلُ مِنْهُمْ خَلْقًا، وَأَتَاهُ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَلَمْ يَزَلْ هَذَا فِعْلَهُ بِهِمْ حَتَّى أَتَى عَلَى أَكْثَرِهِمْ، فَدَخَلَ الْبَاقُونَ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَرَحَلَ خُوَارِزْمُ شَاهْ فِي آثَارِهِمْ، وَقَصَدَ بُخَارَى فَنَازَلَهَا وَحَصَرَهَا، وَامْتَنَعَ أَهْلُهَا مِنْهُ، وَقَاتَلُوهُ مَعَ الْخَطَا، حَتَّى أَنَّهُمْ أَخَذُوا كَلْبًا أَعَوَرًا وَأَلْبَسُوهُ قَبَاءً وَقَلَنْسُوَةً، وَقَالُوا: هَذَا خُوَارِزْمُ شَاهْ، لِأَنَّهُ كَانَ أَعْوَرَ، وَطَافُوا بِهِ عَلَى السُّورِ، ثُمَّ أَلْقَوْهُ فِي مَنْجَنِيقٍ [إِلَى] الْعَسْكَرِ، وَقَالُوا: هَذَا سُلْطَانُكُمْ. وَكَانَ الْخُوَارِزْمِيُّونَ يَسُبُّونَهُمْ وَيَقُولُونَ: يَا أَجْنَادَ الْكُفَّارِ، أَنْتُمْ قَدِ ارْتَدَدْتُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَزَلْ هَذَا دَأْبُهُمْ حَتَّى مَلَكَ خُوَارِزْمُ شَاهْ الْبَلَدَ، بَعْدَ أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ، عَنْوَةً وَعَفَا عَنْ أَهْلِهِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَفَرَّقَ فِيهِمْ مَالًا كَثِيرًا، وَأَقَامَ بِهِ مُدَّةً وَعَادَ إِلَى خُوَارِزْمَ.
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ زِيَادَةَ، كَاتِبُ
[ ١٠ / ١٥٥ ]
الْإِنْشَاءِ بِدِيوَانِ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ عَالِمًا فَاضِلًا، لَهُ كِتَابَةٌ حَسَنَةٌ، وَكَانَ رَجُلًا عَاقِلًا خَيِّرًا، كَثِيرَ النَّفْعِ لِلنَّاسِ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ.
وَفِيهَا حَصَرَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيُّوبَ قَلْعَةَ مَارْدِينَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقَاتَلَ مَنْ بِهَا، وَكَانَ صَاحِبُهَا حُسَامَ الدِّينِ (يَوْلَقَ) أَرْسِلَانَ بْنَ إِيلِغَازِي بْنِ أَلْبِي بْنِ تِمِرْتَاشْ بْنِ إِيلِغَازِي بْنِ أُرْتُقْ، كُلُّ هَؤُلَاءِ مُلُوكُ مَارْدِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ مَا يُعْلَمُ بِهِ مَحَلُّهُمْ، وَكَانَ صَبِيًّا، وَالْحَاكِمُ فِي بَلَدِهِ وَدَوْلَتِهِ مَمْلُوكُ أَبِيهِ الْعَادِلِ النِّظَامِ يَرَنْقَشَ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ مَعَهُ حُكْمٌ الْبَتَّةَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ، وَلَمَّا حَصَرَ الْعَادِلُ مَارْدِينَ وَدَامَ عَلَيْهَا سَلَّمَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِهَا الرَّبَضَ بِمُخَامَرَةٍ بَيْنَهُمْ، فَنَهَبَ الْعَسْكَرُ أَهْلَهُ نَهْبًا قَبِيحًا، وَفَعَلُوا بِهِمْ أَفْعَالًا عَظِيمَةً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، فَلَمَّا تَسَلَّمَ الرَّبَضَ تَمَكَّنَ مِنْ حَصْرِ الْقَلْعَةِ، وَقَطَعَ الْمِيرَةَ عَنْهَا، وَبَقِيَ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ رَحَلَ عَنْهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ [وَخَمْسِمِائَةٍ] عَلَى مَا نَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ -.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْقَادِسِيُّ الزَّاهِدُ، الْمُقِيمُ بِبَغْدَادَ، وَالْقَادِسِيَّةُ الَّتِي يُنْسَبُ إِلَيْهَا قَرْيَةٌ بِنَهْرِ عِيسَى مِنْ أَعْمَالِ بَغْدَادَ، وَكَانَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ الْعَامِلِينَ، وَدُفِنَ بِقَرْيَتِهِ.
وَأَبُو الْمَجْدِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ النَّاصِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ مُدَرِّسُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ مِنْ أَوْلَادِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -.
[ ١٠ / ١٥٦ ]