٥٢٤ -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ
ذِكْرُ مُلْكِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ مَدِينَةَ سَمَرْقَنْدَ مِنْ مُحَمَّدْ خَانْ، وَمُلْكِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدْ خَانَ الْمَذْكُورِ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، مَلَكَ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ مَدِينَةَ سَمَرْقَنْدَ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَتَّبَ فِيهَا لَمَّا مَلَكَهَا أَوَّلًا أَرْسِلَانْ خَانْ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ بَغْرَاخَانْ دَاوُدَ، فَأَصَابَهُ فَالِجٌ فَاسْتَنَابَ ابْنًا لَهُ يُعْرَفُ بِنَصْرِخَانْ، وَكَانَ شَهْمًا شُجَاعًا، وَكَانَ بِسَمَرْقَنْدَ إِنْسَانٌ عَلَوِيٌّ فَقِيهٌ مُدَرِّسٌ، إِلَيْهِ الْحَلُّ وَالْعَقْدُ وَالْحُكْمُ فِي الْبَلَدِ، فَاتَّفَقَ هُوَ وَرَئِيسُ الْبَلَدِ عَلَى قَتْلِ نَصْرِخَانْ، فَقَتَلَاهُ لَيْلًا، وَكَانَ أَبُوهُ مُحَمَّدْ خَانْ غَائِبًا، فَعَظُمَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ، وَكَانَ لَهُ ابْنٌ آخَرُ غَائِبٌ فِي بِلَادِ تُرْكِسْتَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَاسْتَدْعَاهُ، فَلَمَّا قَارَبَ سَمَرْقَنْدَ خَرَجَ الْعَلَوِيُّ وَرَئِيسُ الْبَلَدِ إِلَى اسْتِقْبَالِهِ، فَقَتَلَ الْعَلَوِيَّ فِي الْحَالِ، وَقَبَضَ عَلَى الرَّئِيسِ.
وَكَانَ وَالِدُهُ أَرْسِلَانْ خَانْ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ سَنْجَرَ رَسُولًا يَسْتَدْعِيهِ ; ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ ابْنَهُ لَا يَتِمُّ أَمْرُهُ مَعَ الْعَلَوِيِّ وَالرَّئِيسِ، فَتَجَهَّزَ سَنْجَرُ، وَسَارَ يُرِيدُ سَمَرْقَنْدَ، فَلَمَّا ظَفِرَ ابْنُ أَرْسِلَانْ خَانْ بِهِمَا نَدَمَ عَلَى اسْتِدْعَائِهِ السُّلْطَانَ سَنْجَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يُعَرِّفُهُ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِالْعَلَوِيِّ وَالرَّئِيسِ، وَأَنَّهُ وَابْنَهُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَيَسْأَلُهُ الْعَوْدَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَغَضِبَ سَنْجَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَقَامَ أَيَّامًا، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الصَّيْدِ إِذْ رَأَى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فِي السِّلَاحِ التَّامِّ، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ وَعَاقَبَهُمْ، فَأَقَرُّوا أَنَّ مُحَمَّدْ خَانْ أَرْسَلَهُمْ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَتَلَهُمْ ثُمَّ سَارَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ فَمَلَكَهَا عَنْوَةً، وَنَهَبَ بَعْضَهَا وَمُنِعَ مِنَ الْبَاقِي، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ مُحَمَّدْ خَانْ بِبَعْضِ تِلْكَ الْحُصُونِ، فَاسْتَنْزَلَهُ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ بِأَمَانٍ بَعْدَ مُدَّةٍ، فَلَمَّا نَزَلَ إِلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى ابْنَتِهِ زَوْجَةِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، فَبَقِيَ عِنْدَهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ.
وَأَقَامَ سَنْجَرُ بِسَمَرْقَنْدَ مُدَّةً حَتَّى أَخَذَ الْمَالَ وَالسِّلَاحَ وَالْخَزَائِنَ، وَسَلَّمَ الْبَلَدَ إِلَى
[ ٩ / ٢١ ]
الْأَمِيرِ حَسَنْ تِكِينْ، وَعَادَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَلَمْ يَلْبَثْ حَسَنْ تِكِينْ أَنْ مَاتَ، فَمَلَّكَ سَنْجَرُ بَعْدَهُ عَلَيْهَا مَحْمُودَ بْنَ خَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، الْمُقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقِيلَ إِنَّ السَّبَبَ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ لِلْحَاجَةِ إِلَى ذِكْرِهِ هُنَاكَ.
ذِكْرُ فَتْحِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي حِصْنَ الْأَثَارِبِ وَهَزِيمَةِ الْفِرِنْجِ
لَمَّا فَرَغَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي مِنْ أَمْرِ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ - حَلَبَ وَأَعْمَالِهَا - وَلَمَّا مَلَكَهُ وَقَرَّرَ قَوَاعِدَهُ، عَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ لِيَسْتَرِيحَ عَسْكَرُهُ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالتَّجَهُّزِ لِلْغُزَاةِ، فَتَجَهَّزُوا وَأَعَدُّوا وَاسْتَعَدُّوا، وَعَادَ إِلَى الشَّامِ وَقَصَدَ حَلَبَ، فَقَوِيَ عَزْمُهُ عَلَى قَصْدِ حِصْنِ الْأَثَارِبِ وَمُحَاصَرَتِهِ ; لِشِدَّةِ ضَرَرِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَهَذَا الْحِصْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَلَبَ نَحْوُ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْطَاكِيَّةَ، وَكَانَ مَنْ بِهِ مِنَ الْفِرِنْجِ يُقَاسِمُونَ حَلَبَ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِهَا الْغَرْبِيَّةِ، حَتَّى عَلَى رَحَىً لِأَهْلِ حَلَبَ بِظَاهِرِ بَابِ الْجِنَانِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَلَدِ عَرْضُ الطَّرِيقِ، وَكَانَ أَهْلُ الْبَلَدِ مَعَهُمْ فِي ضُرٍّ شَدِيدٍ وَضِيقٍ، كُلَّ يَوْمٍ قَدْ أَغَارُوا عَلَيْهِمْ وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ.
فَلَمَّا رَأَى الشَّهِيدُ هَذِهِ الْحَالَ صَمَّمَ الْعَزْمَ عَلَى حَصْرِ هَذَا الْحِصْنِ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَنَازَلَهُ.
فَلَمَّا عَلِمَ الْفِرِنْجُ بِذَلِكَ جَمَعُوا فَارِسَهُمْ وَرَاجِلَهُمْ، وَعَلِمُوا أَنَّ هَذِهِ وَقْعَةٌ لَهَا مَا بَعْدَهَا، فَحَشَدُوا وَجَمَعُوا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ طَاقَتِهِمْ شَيْئًا إِلَّا اسْتَنْفَدُوهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ أَمْرِهِمْ سَارُوا نَحْوَهُ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِيمَا يَفْعَلُ، وَكُلٌّ أَشَارَ بِالْعَوْدِ عَنِ الْحِصْنِ، فَإِنَّ لِقَاءَ الْفِرِنْجِ فِي بِلَادِهِمْ خَطَرٌ لَا يُدْرَى عَلَى أَيِ شَيْءٍ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْفِرِنْجَ مَتَّى رَأَوْنَا قَدْ عُدْنَا مِنْ أَيْدِيهِمْ طَمِعُوا وَسَارُوا فِي أَثَرِنَا، وَخَرَّبُوا بِلَادَنَا، وَلَا بُدَ مِنْ لِقَائِهِمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
ثُمَّ تَرَكَ الْحِصْنَ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا وَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، وَصَبَرَ كُلُّ فَرِيقٍ لِخَصْمِهِ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ نَصْرَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَظَفِرُوا
[ ٩ / ٢٢ ]
وَانْهَزَمَ الْفِرِنْجُ أَقْبَحَ هَزِيمَةٍ، وَوَقَعَ كَثِيرٌ مِنْ فُرْسَانِهِمْ فِي الْأَسْرِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَتَقَدَّمَ عِمَادُ الدِّينِ إِلَى عَسْكَرِهِ بِالْإِنْجَازِ، وَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ مَصَافٍّ عَمِلْنَاهُ مَعَهُمْ، فَلْنُذِقْهُمْ مِنْ بَأْسِنَا مَا يَبْقَى رُعْبُهُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، وَلَقَدِ اجْتَزْتُ بِتِلْكَ الْأَرْضِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ لَيْلًا، فَقِيلَ لِي: إِنَّ كَثِيرًا مِنِ الْعِظَامِ بَاقٍ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ.
فَلَمَّا فَرَغَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ظَفَرِهِمْ عَادُوا إِلَى الْحِصْنِ فَتَسَلَّمُوهُ عَنْوَةً، وَقَتَلُوا وَأَسَرُوا كُلَّ مَنْ فِيهِ، وَأَخْرَبَهُ عِمَادُ الدِّينِ وَجَعَلَهُ دَكًّا، وَبَقِيَ إِلَى الْآنَ خَرَابًا، ثُمَّ سَارَ مِنْهُ إِلَى قَلْعَةِ حَارِمٍ، وَهِيَ بِالْقُرْبِ مِنْ أَنْطَاكِيَّةَ، فَحَصَرَهَا وَهِيَ أَيْضًا لِلْفِرِنْجِ، فَبَذَلَ لَهُ أَهْلُهَا نِصْفَ دَخْلِ بَلَدِ حَارِمٍ وَهَادَنُوهُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَعَادَ عَنْهُمْ وَقَدِ اسْتَدَارَ الْمُسْلِمُونَ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَضَعُفَتْ قُوَى الْكَافِرِينَ، وَعَلِمُوا أَنَّ الْبِلَادَ قَدْ جَاءَهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابٍ، وَصَارَ قُصَارَاهُمْ حِفْظَ مَا بِأَيْدِيهِمْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا قَدْ طَمِعُوا فِي مُلْكِ الْجَمِيعِ.
ذِكْرُ مُلْكِ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي أَيْضًا مَدِينَةَ سَرْجِي وَدَارًا
لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ الْأَثَارِبِ وَتِلْكَ النَّوَاحِي عَادَ إِلَى دِيَارِ الْجَزِيرَةِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ عَنْ حُسَامِ الدِّينْ تَمْرُتَاشَ بْنِ إِيلْغَازِي صَاحِبِ مَارِدِينَ، وَابْنِ عَمِّهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ دَاوُدَ بْنِ سَقْمَانَ صَاحِبِ حِصْنِ كِيفَا، قَوَارِصَ، فَعَادَ إِلَيْهِمْ وَحَصَرَ مَدِينَةَ سَرْجِي، وَهِيَ بَيْنَ مَارِدِينَ وَنَصِيبِينَ، فَاجْتَمَعَ حُسَامُ الدِّينِ وَرُكْنُ الدَّوْلَةِ وَصَاحِبُ آمِدَ وَغَيْرُهُمْ، وَجَمَعُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ التُّرْكُمَانِ بَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَسَارُوا إِلَيْهِ، فَتَصَافُّوا بِتِلْكَ النَّوَاحِي، فَهَزَمَهُمْ عِمَادُ الدِّينِ وَمَلَكَ سَرْجِي.
فَحَكَى لِي وَالِدِي قَالَ:
لَمَّا انْهَزَمَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ دَاوُدُ قَصَدَ بَلَدَ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ وَنَهَبَهُ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ، فَسَارَ نَحْوَ الْجَزِيرَةِ، وَأَرَادَ دُخُولَ بَلَدٍ دَاوُدَ، ثُمَّ عَادَ لِضِيقِ مَسَالِكِهِ وَخُشُونَةِ الْجِبَالِ الَّتِي فِي الطَّرِيقِ، وَسَارَ إِلَى
[ ٩ / ٢٣ ]
دَارَا فَمَلَكَهَا، وَهِيَ مِنِ الْقِلَاعِ فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ.
ذِكْرُ وَفَاةِ الْآمِرِ، وَخِلَافَةِ الْحَافِظِ الْعَلَوِيِّ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثَانِي ذِي الْقَعْدَةِ، قُتِلَ الْآمِرُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْمُسْتَعْلِي الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ، خَرَجَ إِلَى مُنْتَزَهٍ لَهُ، فَلَمَّا عَادَ وَثَبَ عَلَيْهِ الْبَاطِنِيَّةُ فَقَتَلُوهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ سَيِّئَ السِّيرَةِ فِي رَعِيَّتِهِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَعُمْرُهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَهُوَ الْعَاشِرُ مِنْ وَلَدِ الْمَهْدِيِّ عُبَيْدِ اللَّهِ الَّذِي ظَهَرَ بِسِجِلْمَاسَةَ وَبَنَى الْمَهْدِيَّةَ بِإِفْرِيقِيَّةِ، وَهُوَ أَيْضًا الْعَاشِرُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الْعَلَوِيِّينَ مِنْ أَوْلَادِ الْمَهْدِيِّ أَيْضًا.
وَلَمَّا قُتِلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَهُ، فَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُ عَمِّهِ الْمَيْمُونُ عَبْدُ الْمَجِيدِ ابْنُ الْأَمِيرِ الْقَاسِمِ بْنِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ، وَلَمْ يُبَايَعْ بِالْخِلَافَةِ وَإِنَّمَا بُويِعَ لَهُ لِيَنْظُرَ فِي الْأَمْرِ نِيَابَةً، حَتَّى يُكْشَفَ عَنْ حَمْلٍ إِنْ كَانَ لِلْآمِرِ فَتَكُونُ الْخِلَافَةُ فِيهِ، وَيَكُونُ هُوَ نَائِبًا عَنْهُ.
وَمَوْلِدُ الْحَافِظِ بِعَسْقَلَانَ، لِأَنَّ أَبَاهُ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ إِلَيْهَا فِي الشِّدَّةِ فَأَقَامَ بِهَا، فَوُلِدَ ابْنَهُ عَبْدُ الْمَجِيدِ هُنَاكَ، وَلَمَّا وَلِيَ اسْتَوْزَرَ أَبَا عَلِيٍّ أَحْمَدَ بْنَ الْأَفْضَلِ بْنِ بَدْرٍ الْجَمَالِيِّ، وَاسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ، وَتَغَلَّبَ عَلَى الْحَافِظِ وَحَجَرَ عَلَيْهِ، وَأَوْدَعَهُ فِي خِزَانَةٍ، وَلَا يَدْخُلُ إِلَيْهِ إِلَّا مَنْ يُرِيدُهُ أَبُو عَلِيٍّ، وَبَقِيَ الْحَافِظُ لَهُ اسْمٌ لَا مَعْنًى تَحْتَهُ، وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ كُلَّ مَا كَانَ فِي الْقَصْرِ إِلَى دَارِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ قُتِلَ أَبُو عَلِيٍّ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ [وَخَمْسِمَائَةٍ] فَاسْتَقَامَتْ أُمُورُ الْحَافِظِ، وَحَكَمَ فِي دَوْلَتِهِ، وَتَمَكَّنَ مِنْ وِلَايَتِهِ وَبِلَادِهِ.
[ ٩ / ٢٤ ]
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَتِ الْخَاتُونُ ابْنَةُ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَهِيَ زَوْجَةُ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ.
وَفِيهَا قُتِلَ بَيْمُنْدُ الْفِرِنْجِيُّ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَّةَ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَصِيرُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ مُؤَيَّدِ الْمُلْكِ بْنَ نِظَامِ الْمُلْكِ فِي شَعْبَانَ بِبَغْدَاذَ، وَوَقَعَ الْحَرِيقُ فِي دَارِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَفِي حَظَائِرَ الْحَطَبِ وَالسُّوقِ التُّتُشِيِّ، فَذَهَبَ مِنَ النَّاسِ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ.
وَفِيهَا وَزَرَ الرَّئِيسُ أَبُو الذُّوَادِ الْمُفَرِّجُ بْنُ الْحَسَنِ بْنُ الصُّوفِيِّ لِصَاحِبِ دِمَشْقَ تَاجِ الْمُلُوكِ.
وَفِيهَا كَانَ الرَّصْدُ بِالدَّارِ السُّلْطَانِيَّةِ شَرْقَيْ بَغْدَاذَ، تَوَلَّاهُ الْبَدِيعُ الْإِصْطِرْلَابِيُّ، وَلَمْ يَتِمَّ.
وَفِيهَا بِبَغْدَاذَ عَقَارِبُ طَيَّارَةٌ ذَوَاتُ شَوْكَتَيْنِ، فَنَالَ النَّاسَ مِنْهَا خَوْفٌ شَدِيدٌ وَأَذًى عَظِيمٌ.
وَفِيهَا، فِي ذِي الْحِجَّةِ، خَرَجَ الْمَلِكُ مَسْعُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُرَاسَانَ، وَكَانَ عِنْدَ عَمِّهِ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ، وَوَصَلَ إِلَى سَاوَةَ، وَوَقَعَ الْإِرْجَافُ أَنَّ عَزْمَهُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ قَوِيٌّ، وَأَنَّ عَمَّهُ سَنْجَرَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَاسْتَشْعَرَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ، وَسَارَ
[ ٩ / ٢٥ ]
عَنْ بَغْدَاذَ إِلَى هَمَذَانَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى كَرْمَانْشَاهَانَ وَصَلَ إِلَيْهِ أَخُوهُ الْمَلِكُ مَسْعُودٌ وَخَدَمَهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِلْإِرْجَافِ أَثَرٌ، فَأَقْطَعُهُ السُّلْطَانُ مَدِينَةً كَنْجَةَ وَأَعْمَالَهَا وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، بِالْعِرَاقِ، وَبَلَدِ الْجَبَلِ، وَالْمَوْصِلِ، وَالْجَزِيرَةِ، فَخَرَّبَتْ كَثِيرًا.
وَفِيهَا مَلَكَ السُّلْطَانُ مَحْمُودٌ قَلْعَةَ أَلَمَوْتَ.
[الْوَفَيَاتُ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو إِسْحَاقَ الْغَزِّيُّ مِنْ أَهْلِ غَزَّةَ، مَدِينَةٍ بِفِلَسْطِينَ مِنَ الشَّامِ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُوَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمُجِيدِينَ، فَمِنْ قَوْلِهِ مِنْ قَصِيدَةٍ يَصِفُ فِيهَا الْأَتْرَاكَ:
فِي فِتْيَةٍ مِنْ جُيُوشِ التُّرْكِ مَا تَرَكَتْ لِلرَّعْدِ كَرَّاتُهُمْ صَوْتًا وَلَا صِيتًا
قَوْمٌ إِذَا قُوبِلُوا كَانُوا مَلَائِكَةً حُسْنًا وَإِنْ قُوتِلُوا كَانُوا عَفَارِيَتَا
وَلَهُ فِي الزُّهْدِ:
إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ مَتَاعٌ وَالسَّفِيهُ الْغَوِيُّ مَنْ يَصْطَفِيهَا
مَا مَضَى فَاتَ وَالْمُؤَمَّلُ غَيْبٌ وَلَكَ السَّاعَةُ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا
[ ٩ / ٢٦ ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّبَّاسُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّحْوِيُّ الشَّاعِرُ، الْمَعْرُوفُ بِالْبَارِعِ، أَخُو أَبِي الْكَرَمِ بْنِ فَاخِرٍ النَّحْوِيِّ لِأُمِّهِ، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَلَهُ شِعْرٌ مَلِيحٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ:
رُدِّي عَلَيَّ الْكَرَى ثُمَّ اهْجُرِي سَكَنِي فَقَدْ قَنَعْتُ بِطَيْفٍ مِنْكِ فِي الْوَسَنِ
لَا تَحْسَبِي النَّوْمَ قَدْ أَوْشَكْتُ أَطْلُبُهُ إِلَّا رَجَاءَ خَيَالٍ مِنْكِ يُؤْنِسُنِي
تَرَكْتِنِي وَالْهَوَى فَرْدًا أُغَالِبُهُ وَنَامَ لَيْلُكِ عَنْ هَمٍّ يُؤَرِّقُنِي
وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَا بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو سَعْدٍ الْمِهْرَانِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ مُحَدِّثًا حَافِظًا صَالِحًا.
[ ٩ / ٢٧ ]